
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
لم يعرف حكاية (عزيزة بنت إبليس) سوى نفر قليل من الناس، بينما عرف (حكاية نرجس) ملايين البشر داخل مصر وعلى المستوى العربي، وأصبحت مادة حديث في البيوت وعلى المقاهي خلال النصف الثاني من رمضان، كما تصدرت التريند من دون فعل متعمد من كتائب اليكترونية أو غيرها من أدوات التزييف في العالم الافتراضي.
(حكاية نرجس) هى ذاتها (حكاية عزيزة)، مع تغيير فقط في أسلوب الحكي وأدواته وفي بعض جوانب الحكاية لتتخذ الطابع الدرامي، ورغم أنها مأساة لم يلتفت لها الكثيرون، وهذا هو الفرق بين مساحة تأثير الإعلام ومساحة تأثير الدراما، الأول مساحة محدودة، والثانية بلا حدود.
كما أن الحكاية الإعلامية تُقرأ في دقائق معدودة وتسقط من الذاكرة بعد أيام، والحكاية الدرامية تُشاهَد في أيام حسب عدد الحلقات ويمكن أن تخلد في الذاكرة سنوات، ولذا فقد أصبحت حكاية نرجس حديث الناس وأحيت حكاية عزيزة التي أطلق عليها الإعلام (عزيزة بنت إبليس)، حيث كانت بسلوكها وجرائمها وقناعتها المطلقة بما تفعل بنت إبليس ولكن ليست وحدها، فما أكثر أولاد إبليس من الإنس في عالمنا.
الدراما لم ترد تذكير الناس بحكاية عزيزة من باب السفسطة واستهلاك الوقت وملء فراغ الشاشات، ولكنها حكتها بأسلوب يختلف عن الحكي الإعلامي، غيرت في الأسماء وأضافت شخصيات وبروزت مواقف واختلقت حوارات كي يستخلص الناس الدرس من التجربة.

معايرة وتنمر واستفزاز
أدخلت المشاهد داخل الحكاية وجعلته طرف فيها عاش إفرازاتها وتوتراتها، فهي لم تعد مجرد خبر في صحيفة أو لقاء على شاشة مع عزيزة أو إسلام والذي هو في المسلسل يوسف أول المخطوفين، ولكنها دروس وعبر تستلزم تأملاً وتفكيراً ووقفة مجتمعية وبحث من المختصين عن أسباب الأمراض التي أصابت المجتمع وانعكست سلوكيات غريبة على بعض أفراده ووضع العلاج لها.
المجرم لا يولد مجرماً، ولكن المجتمع يجعل منه مجرماً.. البعض يأتي إلى الدنيا ولديه نقيصة خلقية، وبدلاً من أن يحتوي المحيطين به هذه النقيصة، يستخدمونها لتشويهه نفسياً، معايرة وتنمر واستفزاز، حتى تتحول إلى عقدة وأزمة، فيقرر تعويض ذلك بأساليب معوجة تصل إلى حد الإجرام حتى تسكت عنه ألسنة المتنمرين.
وهذا ماحدث مع نرجس أو عزيزة، الأقربون إليها كانوا الأكثر تنمراً عليها تحقيراً من قيمتها كامرأة بسبب عجزها عن الإنجاب، زوجها طلقها، فقررت البحث عن وسيلة لتعويض نقيصتها ولم تجد مفراً سوى أن تكذب على الجميع، باستثناء زوجها الثاني وهو الأكثر منها عجزاً وضعفاً والذي تعرض للتنمر أيضاً بطرق مغايرة.
ولأنه رجل مكتمل الرجولة كانت أول مهامها أن تكذب عليه وتخدعه وتقنعه بالأدلة المزيفة أنه هو الغير قادر على الإنجاب حتى تتمكن منه وتسيطر عليه، وأنها هي التي ستضحي من أجله مقترحة أن يتبنيا طفلاً من أحد دور الأيتام بعد أن تُمثل الحمل تسعة أشهر أمام مجتمعهما.
ولكن طلبهما للتبني تم رفضه، لتلجأ للخطف بديلاً، خطف طفل حديث الولادة لتدعي أنه ابن بطنها ومن صلب زوجها، ويظهرا أمام المحيطين كشخصين مكتملين بلا نقيصة ولا عجز.

خدعت المجتمع وأوجعت أمهات
وإذا كانت الجريمة الأولى غالباً ما تكون نتاج ضغوط نفسية وهروب من نقيصة خلقية ورد على تنمر مجتمعي ، فإن مرورها من دون أن تنكشف، يشجع على ارتكاب الثانية والثالثة والرابعة وبشكل أشد قسوة، وهو ما حدث في حالة نرجس، خدعت المجتمع وأوجعت أمهات وتحايلت واختطفت رضعاً.
وواصلت ارتكاب جرائمها سنوات من دون أن يهتز لها جفن، بل وهى على قناعة بأنها صاحبة حق، المجتمع ظلمها وهي في المقابل أخذت حقها منه.
المخرج (سامح علاء) لا يقدم (حكاية نرجس) كمجرد حكاية يسلي بها الناس، بل يغوص من خلالها في عمق النفس البشرية فاضحاً خداعها لنفسها وللمجتمع المحيط، فهي إفراز له وجرائمها رد فعل، ولو أن المجتمع احتواها وطبطب على وجعها وأخفى نقيصتها عنها حتى تنساها لتأقلمت واستوعبت وعاشت حياة طبيعية من دون ارتكاب جرائم.
فمجتمعاتنا هي التي تشكلنا، وهى التي ترسم لنا الطريق الذي نسير فيه وهي التي تحدد ملامح مستقبلنا، وفي النهاية تجني حصاد ما زرعت فينا، خير أو شر، وهى معاني حرص المخرج على التعبير عنها بكل المتاح له من أدوات، اختار الحارة مكاناً رئيسياً، والمستشفيات وخصوصاً الحضّانات، والأسواق حيث التيه والضياع والضجيج.
واختار زوايا معبرة وغلب على معظم المشاهد الإضاءة الخافتة والألوان القاتمة، مخرج يدرس جيداً تفاصيل تفاصيل عمله ولا يترك شاردة ولا واردة حتى يستطيع إشغال المشاهد والاستحواذ على مشاعره ووجدانه، وساعده في ذلك كتابة عمار صبري والذي قدم لنا العملين الأفضل في هذا الموسم (صحاب الأرض) و(حكاية نرجس) رغم أن طبيعة كل منهما تختلف تماماً عن الآخر.
صناع العمل دائماً ما يكونون عنواناً معبراً عنه، وإذا كان المخرج والمؤلف قد وضعا اسميهما على قائمة صناع التميز، فإن اسم بطلة (حكاية نرجس) قد وضعت نفسها منذ سنوات على رأس القائمة وهذه السنة حلقت وقفزت بعيداً بعيداً عن الأخريات.

قادر على خطف حواس من يشاهده
(ريهام عبدالغفور) ليست مجرد نجمة تلمع زيفاً ولكنها نجمة من ذهب، لمعانها حقيقي وبريقها أخاذ، لم تنشغل يوماً بالتريند، ولم تقارن نفسها بغيرها، رغم أنها خارج المقارنات وفوق التصنيفات، فنانة تغوص في أعماق أعماق شخصياتها، تتقمص ولا تمثل، كل ملامحها تتغير.
لا تنشغل بالصورة التي ستبدو بها كريهام على الشاشة ولكن تنشغل بصورة الشخصية التي تجسدها، تعبر بالجسد والوجه والعينين وطريقة الكلام وطريقة المشي والماكياج والملابس وشكل الحواجب والشعر والمشاعر وكل شيء، وفي هذا المسلسل تخلت بشكل كامل عن ريهام وارتدت شخصية نرجس.
تنقلت بنا بين الغضب عليها إلى الغضب منها، توجّعنا لوجعها وأيضاً توجّعنا لوجع ضحاياها، خفنا منها على صغارنا، ممثلة ليس كمثلها أخرى ولن يكون لأنها فنانة حقيقية وموهبة كبيرة، اتخذت الصدق وسيلة لتحقيق النجاح والوصول إلى قلوب الناس وهو ما تحقق وبجدارة.
ليست (ريهام) وحدها عنصر التميز في التمثيل في هذا العمل، ولكن يقف بجانبها في أول بطولة له وحش قادم من الصعيد ليعتلي عرش المجد بموهبته الكبيرة وهو الفنان (حمزة العيلي)، القادر على خطف كل حواس من يشاهده.
وساهم أيضاً في هذا المسلسل يستحقه كل من أحمد عزمي وسماح أنور وتامر نبيل وعارفة عبدالرسول ودنيا ماهر وإلهام وجدي وبسنت أبو باشا بل وكل من شارك في المسلسل بصرف النظر عن مساحته فيه.
شكرا لكل من شارك في (حكاية نرجس) وشكرا على كل العظمة التي شاهدناها في كل عناصره، ونتمنى أن يتعلم ناقص العلام من أهل الدراما كيف تتم صناعة دراما تمتع وتشغل العقل وتخلد في الذاكرة.