

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
بوجه عام، لا يمكن إنكار أن الهدف الأساسي لمعظم المسلسلات والأعمال الفنية هو إمتاع المشاهد، فـ (الفن)، في جوهره، يرتبط بالقدرة على جذب الجمهور وإبقائه متابعًا للحكاية، سواء كان العمل يحمل خلفه فكرة فلسفية عميقة أو كان الهدف منه مجرد الترفيه والتسلية.
لكن إذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، يبرز سؤال مهم: لماذا هناك أعمال فنية تحقق نجاحًا لافتًا وتبقى في ذاكرة الناس لسنوات طويلة، بينما توجد أعمال أخرى قد تنجح مؤقتًا وتحقق نسبة مشاهدة عالية، لكنها سرعان ما تتلاشى ولا تترك أثرًا حقيقيًا؟
الحقيقة أن نجاح العمل الفني لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل هو نتاج منظومة كاملة يعمل فيها الجميع من أجل تحقيق هذا النجاح.. الكاتب يسعى إلى تقديم حكاية مشوقة ومتماسكة، والمخرج يحاول أن يمنح هذه الحكاية رؤيته البصرية والدرامية، والممثلون يجتهدون في تجسيد الشخصيات بأكبر قدر من الصدق.
بينما يعمل الفنيون في مختلف التخصصات من تصوير وإضاءة ومونتاج وموسيقى على دعم هذا العالم الفني وإخراجه بالصورة اللائقة.. أما الإنتاج، فهو يتحمل عبئًا كبيرًا في توفير الإمكانات اللازمة لتحقيق العمل.
ولا يجب أن نتجاهل أن الجانب المادي يمثل عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة. فالمنتج بطبيعة الحال يسعى إلى استرداد أمواله وتحقيق أرباح من العمل الذي أنفق عليه، وهذا حق مشروع تمامًا. لكن في المقابل، يظل هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الرغبة في تقديم إبداع إنساني حقيقي يضيف شيئًا إلى (الفن) ويمنح الجمهور تجربة مختلفة.
غير أن الإبداع الإنساني في (الفن) قد يبهت أحيانًا عندما يبتعد الفنان عن جوهر العمل ويجعل ذاته في مركز الحكاية.. وهنا يمكن أن نتوقف عند دور الممثل تحديدًا، فالممثل الحقيقي هو من يسعى إلى خدمة الشخصية التي يقدمها، ويبحث في تفاصيلها النفسية والإنسانية، ويحاول فهم دوافعها ومبرراتها داخل السياق الدرامي.

الاستعراض مجرد لحظة عابرة
أما حين يتحول الممثل إلى شخص يحاول استعراض قدراته خارج حدود النص، كأن يفرض لحظات للضحك أو الغناء أو البكاء لمجرد إبراز إمكاناته، فإنه يبتعد تدريجيًا عن جوهر التمثيل.
في مثل هذه الحالة، يصبح الممثل أقرب إلى الاستعراض منه إلى (الفن)، ويكاد يتحول إلى ظاهرة مؤقتة تلفت الانتباه لفترة قصيرة، لكنها لا تصمد طويلًا أمام الزمن.. فالفنان الذي يسعى دائمًا إلى الصدارة بأي شكل، حتى لو كان ذلك على حساب الحكاية أو بقية عناصر العمل، يضع نفسه في موقع الظاهرة العابرة التي قد تلمع سريعًا لكنها لا تملك القدرة على الاستمرار.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الفنان يجب أن ينجح في كل أعماله أو أن تكون مسيرته خالية من الأخطاء.. فكل فنان مهما بلغت موهبته، قد يمر بتجارب لم تكن موفقة، وقد يختار عملًا لا يحقق النجاح المتوقع.. أحيانًا يكون السبب حسابات خاطئة، وأحيانًا أخرى يكون نتيجة ظروف إنتاجية ضعيفة أو رؤية إخراجية غير واضحة، وقد تدفع الظروف المادية الفنان إلى قبول عمل لا يشعر بالرضا الكامل عنه.
لكن في النهاية، يبقى الفارق الحقيقي في نظرة الفنان إلى نفسه وإلى جمهوره.. فالفنان الذي يحترم موهبته ويحترم جمهوره يظل دائم البحث عن الجديد مثل (ريهام عبد الغفور نموذجا)، ويحاول دائمًا أن يقدم ما يضيف إلى تجربته الفنية.. ولذلك، فإن الفنان الذي يضع العمل فوق ذاته ويبحث عن الصدق في الأداء هو وحده القادر على أن يحظى بثقة الجمهور ورضاه الحقيقي، بينما يبقى الاستعراض مجرد لحظة عابرة لا تصنع تاريخًا فنيًا حقيقيًا.