

بقلم الكاتب الصحفي: محمد جاب الله
في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك القدرة على رواية قصته، لم يعد كافيًا أن تبني الدول مشروعاتها على الأرض فقط، بل أصبح لزامًا عليها أن تبني حضورها في عقول العالم عن طريق (مكتب إعلامي للدولة)، فالدولة الحديثة لم تعد تُقاس بحجم إنجازاتها الاقتصادية أو التنموية فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذه الإنجازات إلى رسالة واضحة، وصوت إعلامي مؤثر، وسردية حضارية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: من يكتب قصة الدولة للعالم؟ وهل ما زلنا بحاجة إلى إعادة التفكير في إدارة الخطاب الإعلامي الرسمي بما يواكب تحديات العصر الرقمي؟
هل نرى يومًا (مكتب إعلامي للدولة)، رسمي لجمهورية مصر العربية؟ يتردد هذا السؤال كلما تأملنا أهمية أن تمتلك الدولة صوتًا إعلاميًا منظمًا، هادئًا، واثقًا، وقادرًا على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.
فالمقصود بـ (مكتب إعلامي للدولة) ليس مجرد متحدث رسمي، بل منظومة متكاملة لصناعة الرسالة الإعلامية للدولة، تعكس قوتها الناعمة، وإنجازاتها التنموية، وحضورها الحضاري.
أتذكر هنا الرؤية التي طرحها المفكر الاستراتيجي الدكتور (مصطفى حجازي) أثناء فترة عمله مستشارًا استراتيجيًا للرئيس السابق المستشار (عدلي منصور)، حيث أكد أن الدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى إدارة الأخبار، بل إلى إدارة الوعي العام وبناء الصورة الذهنية للدولة.
وكان يؤكد أن الإعلام الحكومي يجب أن يتحول من مجرد منصة للرد على الأزمات إلى أداة لبناء الثقة المجتمعية، وتعزيز تماسك الخطاب العام، وصناعة حضور إعلامي احترافي يواكب التحولات العالمية في صناعة التأثير.
وقد تجسد هذا التصور في مشهد إعلامي مختلف عام 2014، حيث ظهر حضور إعلامي قوي، وخطاب قادر على مخاطبة العالم بلغات متعددة، في صورة عكست طموحًا جديدًا لإعلام الدولة المصرية الحديثة.

دور الوزير (ضياء رشوان)
لقد تطورت المنظومة الإعلامية في مصر عبر عقود طويلة، بدءًا من المؤسسات العريقة التي شكلت الوعي الإعلامي للدولة، مرورًا بالهيئات المتخصصة في مخاطبة العالم الخارجي، وصولًا إلى مفهوم الإدارة الحديثة للرسالة الإعلامية الحكومية.
ويبرز في هذا السياق دور الإعلامي والوزير (ضياء رشوان)، الذي تمتد خبرته بين البحث الصحفي والعمل النقابي والإدارة الإعلامية المؤسسية، وهو ما يمنح تجربته بُعدًا يجمع بين الفهم العميق لآليات الإعلام ومتطلبات الدولة الحديثة في إدارة خطابها العام.
أولًا: الهيئة العامة للاستعلامات
ظلت الهيئة على مدار عقود الواجهة الأساسية لمخاطبة العالم الخارجي باسم الدولة المصرية.. لم تكن مجرد جهاز إعلامي تقليدي، بل كانت جسرًا تمر عبره مواقف الدولة وسياساتها إلى وسائل الإعلام الدولية، من خلال إعداد التقارير والتحليلات الإعلامية، وتنظيم لقاءات الوفود الصحفية الأجنبية، وتقديم الرواية المصرية الرسمية حول القضايا الإقليمية والدولية.
ثانيًا: وزارة الدولة للإعلام
تمثل الوزارة كيانًا أكثر شمولًا في صناعة السياسات الإعلامية، حيث لا يقتصر دورها على نقل الرسائل، بل يمتد إلى تنظيم المجال الإعلامي وصياغة الإطار العام للخطاب الحكومي، وتحويل الرؤى الاستراتيجية إلى ممارسات إعلامية قابلة للتطبيق داخل المؤسسات الإعلامية المختلفة.
ثالثًا: المكتب الإعلامي للحكومة (مقترح تطويري).
أما فكرة (مكتب إعلامي للدولة)، فتأتي كتصور تطوري حديث يهدف إلى توحيد الصوت الحكومي في إطار أكثر انضباطًا ومرونة. فبدلًا من تعدد الرسائل الإعلامية، يمكن لمكتب إعلامي مركزي أن يدير المؤتمرات الصحفية الدورية، ويتابع التغطيات الإعلامية، ويتواصل مع صناع المحتوى الرقمي بوصفهم شركاء في تشكيل الوعي العام، لتصبح الرسالة الإعلامية للدولة أكثر تماسكًا ووضوحًا.
من هنا جاءت أهمية أن يكون هناك نموذج مصري متطور يشبه المكاتب الإعلامية الحكومية في بعض الدول المتقدمة، فليس الهدف استنساخ التجارب، بل الاستفادة من أدواتها التنظيمية.

تحويل الإنجاز إلى قصة إعلامية
فهناك نماذج خليجية وغربية نجحت في إدارة الخطاب الإعلامي للدولة عبر مؤسسات متخصصة، تعمل على تنسيق الرسائل الحكومية، وتوحيد طريقة عرض الإنجازات الوطنية، وإبراز المشروعات التنموية بصورة جذابة ومنظمة.
ويصبح دور (مكتب إعلامي للدولة)، أوسع من مجرد نقل الأخبار؛ فهو مسؤول عن تحويل الإنجاز إلى قصة إعلامية مفهومة للجمهور. فالمشروعات القومية والمبادرات التنموية والقرارات الاقتصادية تحتاج إلى سردية إعلامية تربطها بحياة الناس اليومية، وتعزز ثقتهم في المستقبل.
كما يمكن أن يمتد دور هذا المكتب إلى إدارة المشهد الرقمي الحديث، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لصناعة الرأي العام، ما يستدعي التعامل الذكي مع صناع المحتوى والمؤثرين، وتوظيفهم في مجالات التوعية، والترويج السياحي، ودعم الرسائل الوطنية، ومعالجة القضايا المجتمعية الحساسة باحترافية وتوازن.
أين هى القناة الإخبارية المصرية؟
من الغريب ذلك التشتت الذي شهدته الساحة التليفزيونية في السنوات الأخيرة، حيث حاولت عدة قنوات مثل: CBC Extra وDMC وON Live، ثم لاحقًا (القاهرة الإخبارية)، أن تحتل مكانة القناة الإخبارية المصرية الشاملة، ورغم أهمية التعدد الإعلامي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد المنصات، بل في غياب مشروع إعلامي إخباري موحد قادر على تمثيل الصوت المصري بشكل متكامل ومتسق.
لم يكن التعدد الإعلامي مشكلة في حد ذاته، لكنه يصبح عبئًا حين يغيب التنسيق الاستراتيجي الذي يحول هذا التعدد إلى قوة تأثير، لا إلى تشتت في الرسائل الإعلامية، فالمطلوب ليس زيادة عدد المنصات، بل بناء منظومة إعلامية متكاملة تملك رؤية واضحة للخطاب الإعلامي للدولة، وتقدم المحتوى الإخباري المصري كمنتج إعلامي قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
فمصر التي كانت وما زالت مصدرة للعقول والخبرات الإعلامية التي امتدت إلى دول الخليج والعالم العربي، تستحق منصة إخبارية ضخمة تعكس حضورها السياسي والثقافي والإعلامي.. فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح أداة لصناعة الصورة الذهنية وبناء القوة الناعمة للدول.

ساحة صناعة الخبر قبل نقله
يا عزيزي: هل تعلم أن العالم بات يضبط جزءًا من إيقاعه الإعلامي والسياسي وفق توقيت المؤتمرات الصحفية للبيت الأبيض؟، حيث يتابع العالم في شغف تفاصيل القرارات المصيرية عبر حديث المتحدثة باسم البيت الأبيض.
فالكاريزما السياسية، والقرارات الجريئة، والأسئلة الصحفية المحرجة كثيرًا ما تصنع العناوين الرئيسية التي تتصدر شاشات القنوات وصفحات الصحف العالمية، لتصبح المؤتمرات الصحفية ساحة لصناعة الخبر قبل نقله.
وفي النهاية: ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو هل نحتاج إلى (مكتب إعلامي للدولة)، بل كيف نصنع منظومة إعلامية قادرة على مواكبة الزمن، تحافظ على هيبة الدولة، وتعكس إنجازاتها بلغة العصر.
فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تبنيه من مشروعات على الأرض، بل بما تبنيه من حضور في الوعي الإنساني العالمي.. فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك وسائل الإعلام فقط، بل في امتلاك القدرة على رواية الحكاية وصناعة المستقبل بالكلمة والصورة والمعنى.