رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!
هذا الموسم تحول تدريجيا من ساحة إبداع حقيقي إلى سوق مزدحم

بقلم المستشار: محمود عطية *

في كل عام يأتي شهر (رمضان) حاملا معه موسما دراميا ضخما تنتظره الجماهير في مصر والعالم العربي، بوصفه مساحة للمتعة والتأمل واستعادة الحكاية المصرية التي طالما صنعت وجدان المشاهد العربي عبر عقود طويلة.

غير أن المتابع الدقيق يلاحظ في السنوات الأخيرة أن هذا الموسم تحول تدريجيا من ساحة إبداع حقيقي إلى سوق مزدحم، تتزاحم فيه الأموال والعقود والإعلانات بينما يتراجع السؤال الجوهري المتعلق بالقيمة الفنية وبالمعنى وبالرسالة التي يفترض أن تقدمها الدراما للجمهور الذي منحها الثقة والاهتمام سنوات طويلة.

حتى أصبحت جزءا من طقوس شهر (رمضان) الكريم لدى ملايين المشاهدين، المشكلة ليست في كثرة الأعمال فالتنوع قد يكون علامة صحة، حين يرتبط بالتجديد والجرأة الفنية لكن الأزمة الحقيقية تظهر عندما يصبح الإنتاج مجرد سباق محموم لاحتلال ساعات البث، وملء الشاشات بأي محتوى حتى لو كان ضعيفا أو مرتبكا أو قائما على أسماء لا علاقة لها بالفن ولا بالتمثيل.

وإنما جرى الدفع بها إلى الواجهة، لأنها تملك ضجيجا على منصات التواصل الاجتماعي، أو لأنها تثير الجدل بأي طريقة كانت، وهنا يبدأ السؤال الأخلاقي والفني معا هل تحولت الدراما المصرية في (رمضان) إلى منصة لتلميع أي اسم قادر على جذب الانتباه، حتى لو كان تاريخه قائما على محتوى هابط أو فضائح رقمية يعرفها الجمهور جيدا.

في الأعوام الأخيرة ظهر اتجاه مقلق يقوم على إقحام بعض الوجوه التي لم تأت من مدارس التمثيل ولا من خشبة المسرح ولا من تجارب فنية حقيقية، بل جاءت من عالم المقاطع القصيرة ومنصات البث المباشر، حيث يكفي أحيانا أن يملك الشخص هاتفا وكاميرا وحسابا نشطا حتى يتحول فجأة إلى نجم مدعو للظهور في مسلسل رمضاني ضخم.

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!
غالبا تكون مشاهد مرتبكة وأداء متكلف وحضور باهت يذكر المشاهد بأن معايير الاختيار لم تعد فنية

مشاهد مرتبكة وأداء متكلف

والنتيجة غالبا تكون مشاهد مرتبكة وأداء متكلف وحضور باهت يذكر المشاهد بأن معايير الاختيار لم تعد فنية بقدر ما أصبحت تسويقية بحتة، الأكثر إيلاما لدى قطاع واسع من الجمهور أن بعض هذه الأسماء ارتبط في الفضاء الرقمي بمحتوى إباحي صريح أو بإيحاءات فجة، أو بمقاطع بحثت عمدا عن الصدمة الرخيصة من أجل حصد المشاهدات.

ثم يجد المشاهد نفسه فجأة أمام هذه الوجوه في عمل درامي في (مضان) يفترض أنه يخاطب العائلة في وقت الإفطار أو بعده، وكأن الذاكرة العامة قصيرة إلى حد يسمح بمحو كل ما سبق بضغطة زر في حملة دعائية براقة.

إن المشكلة هنا لا تتعلق بالتوبة أو بتغير المسار فذلك شأن إنساني قابل للنقاش، ولكنها تتعلق بالمعايير وبالرسالة التي ترسلها الصناعة إلى الشباب، حين يبدو الطريق إلى الشاشة مفتوحا لكل من يملك ضجيجا رقميا مهما كان مصدره.

في مثل هذا المناخ يشعر الممثل المجتهد الذي درس وتدرب سنوات بأن جهده يمكن أن يتساوى فجأة مع شخص صعد إلى الضوء عبر فضيحة أو مقطع صادم، وهذا يخلق حالة إحباط حقيقية داخل الوسط الفني وخارجه، كذلك لا يمكن تجاهل أن كثيرا من النصوص نفسها أصبحت فقيرة في البناء وفي الحوار،

وكأن الهدف هو الوصول إلى الحلقة الثلاثين بأي طريقة حتى لو امتلأت الحلقات بالمط والتكرار والمشاهد التي لا تضيف شيئا إلى الحكاية، كل ذلك يعزز الانطباع بأن الموسم الرمضاني تحول لدى بعض المنتجين إلى ما يشبه المهرجان التجاري الكبير، حيث توزع الميزانيات وتوقع العقود وتباع الإعلانات بينما يتراجع الرهان على الجودة والعمق.

ومن الظواهر اللافتة أيضا في بعض أعمال (رمضان) الحالي مشاهد الصراخ والردح بين بعض الممثلات، وكأن العمل الدرامي تحول إلى ساحة مشاجرة لفظية تتبارى فيها كل شخصية في رفع صوتها والإمعان في الشتائم والإهانات، في مشهد يفتقد إلى الذوق الفني ويقترب أحيانا من الابتذال الصريح.

هذه المشاهد لا تضيف إلى الحبكة شيئا بقدر ما تبدو محاولة مفتعلة لخلق لحظات قابلة للانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المقاطع القصيرة التي تظهر فيها الممثلات وهن يتبادلن الإهانات والاتهامات في حوار صاخب يفتقر إلى العمق الدرامي، ويعتمد فقط على المبالغة والانفعال وكأن الصراخ أصبح بديلا عن التمثيل المتقن.

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!
تساؤلات حول الدور الذي يفترض أن تلعبه جهات الإنتاج الكبرى

فكرة العدالة المهنية

وهذا يثير تساؤلات حول الدور الذي يفترض أن تلعبه جهات الإنتاج الكبرى وعلى رأسها (المتحدة للخدمات الإعلامية)، التي يفترض أنها تمتلك القدرة على ضبط المعايير الفنية وتوجيه الإنتاج نحو مستوى أكثر انضباطا واحتراما لعقل المشاهد، لكن ما يظهر على الشاشة أحيانا يوحي بأن هذه الظاهرة إما خرجت عن السيطرة أو أنها أصبحت جزءا مقبولا من وصفة الإثارة التلفزيونية.

وفي ظل هذا المناخ يشعر كثير من خريجي المعاهد الفنية وكليات الإعلام والتمثيل بأنهم يقفون خارج اللعبة تماما، فبينما ينتظر هؤلاء سنوات طويلة فرصة صغيرة لإثبات أنفسهم يجدون أن أبواب الشاشة تفتح أحيانا لمن يملك واسطة قوية أو علاقة نافذة داخل دوائر الإنتاج.

وهكذا يصبح المثل الشعبي القديم حاضرا بقوة في الوسط الفني (يابخت من له ظهر يسنده)، أما البقية فيبقون في طي النسيان مهما امتلكوا من موهبة أو تدريب أو شغف بالفن، وهذه المفارقة المؤلمة لا تؤثر فقط في حياة الأفراد بل تضرب أيضا فكرة العدالة المهنية التي يفترض أن تقوم عليها أي صناعة إبداعية محترمة.

باختصار لأن الفن الحقيقي لا يمكن أن يزدهر في بيئة يشعر فيها الموهوبون بأن الطريق مسدود أمامهم، بينما تفتح الأبواب أمام أصحاب العلاقات والنفوذ.

وفي قلب هذا المشهد يبرز أيضا الجدل السنوي حول برامج المقالب وعلى رأسها برنامج الفنان (رامز جلال)، الذي أصبح جزءا ثابتا من خريطة رمضان منذ سنوات طويلة، الفكرة الأساسية تقوم على استدراج ضيف مشهور إلى موقف يبدو خطيرا أو مرعبا قبل أن يكتشف في النهاية أنه كان جزءا من مقلب تلفزيوني.

كثيرون يشاهدون البرنامج بدافع الفضول أو الضحك لكن آخرين يرون أن ما يحدث أقرب إلى تمثيلية مكشوفة يعرف أطرافها قواعد اللعبة جيدا، ويستغرب هؤلاء حين يصر بعض الضيوف أمام الكاميرا أنهم لم يكونوا على علم مسبق بما سيحدث.

بينما تنتشر أحاديث في الكواليس عن مكافآت مالية كبيرة تدفع مقابل المشاركة في الحلقة، سواء كانت هذه الأحاديث دقيقة تماما أم مبالغ فيها، فإن الإحساس العام لدى جزء من الجمهور هو أن عنصر الصدق تراجع وأن المفاجأة لم تعد حقيقية كما كانت في البدايات حين يشعر المشاهد بأن ما يراه تجربة عفوية غير متوقعة.

المشكلة ليست في برنامج بعينه بل في المناخ الإعلامي كله، حين تصبح الإثارة السريعة هى الطريق الأسهل لجذب الإعلانات والمشاهدات في (رمضان)، تتراجع المساحة المخصصة للفن الهادئ الذي يبني شخصيات عميقة ويحكي قصصا تبقى في الذاكرة بعد انتهاء الموسم الدراما المصرية التي قدمت في تاريخها أعمالا خالدة قادرة على الجمع بين المتعة والفكر.

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!
نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة شجاعة تعيد ترتيب الأولويات

احترام عقل الجمهور

تبدو اليوم في حاجة ماسة إلى مراجعة شجاعة تعيد ترتيب الأولويات، وتطرح سؤالا بسيطا لكنه حاسم: لمن نصنع هذه الأعمال؟، هل نصنعها فقط من أجل موسم إعلاني مزدحم أم من أجل جمهور يستحق احتراما حقيقيا؟

إن استعادة الثقة بين الشاشة والمشاهد لن تتحقق عبر مزيد من الضجيج، بل عبر نصوص قوية واختيار عادل للممثلين، واحترام عقل الجمهور الذي لم يعد ساذجا كما يظن بعض صناع التلفزيون، وحين يحدث ذلك فقط يمكن أن يعود رمضان مرة أخرى موسما للدراما الحقيقية لا موسما لتوزيع الأموال والضجيج العابر.

ولعل أول خطوة في طريق الإصلاح تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست مؤامرة غامضة، بل نتيجة طبيعية لسنوات من التساهل مع الرداءة، حين كان النجاح يقاس بعدد الترندات لا بعمق الفكرة، وحين صار المعيار الأهم هو قدرة العمل على إثارة الجدل ولو ليوم واحد في الفضاء الرقمي.

عندها أصبح من السهل التضحية بالكتابة الجيدة وبالتدريب الطويل للممثلين مقابل حضور عابر لشخصيات معروفة على تطبيقات الفيديو القصير.

وهذا لا يعني أن كل من جاء من تلك المنصات يفتقر إلى الموهبة، فالموهبة قد تظهر في أي مكان، لكن المشكلة حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يصبح الظهور الرقمي بديلا عن الاختبار الفني الجاد وعن سنوات التكوين التي صنعت أجيالا من النجوم الذين تعلم الجمهور أن يثق في حضورهم على الشاشة.

إن تاريخ الدراما في مصر مليء بأمثلة لممثلين بدأوا من أدوار صغيرة ثم صعدوا ببطء عبر العمل المتواصل، حتى صاروا علامات فنية كبيرة وكان الطريق طويلا لكنه كان عادلا إلى حد بعيد.

أما اليوم فيبدو أحيانا أن القفز إلى البطولة يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها إذا امتلك الشخص عددا ضخما من المتابعين أو قصة مثيرة للجدل، وهذا يضعف ثقة الجمهور في العملية كلها، ويجعل المشاهد يتعامل مع كثير من الأعمال بروح ساخرة، كأنه يعرف مسبقا أن ما يراه مجرد عرض موسمي سينتهي أثره مع آخر ليلة من شهر (رمضان).

محمود عطية يكتب: سوق التفاهة في (رمضان)!
نكتفي باتهام الجمهور بعدم الفهم أو بالحنين إلى الماضي

الحنين إلى الماضي

ومن المؤسف أن بعض صناع الدراما يتعاملون مع هذا النقد بوصفه هجوما شخصيا لا بوصفه جرس إنذار يمكن أن يساعد على التصحيح، فالصناعة القوية هى التي تسمع الاعتراض وتناقشه، لا التي تكتفي باتهام الجمهور بعدم الفهم أو بالحنين إلى الماضي.

صحيح أن الزمن تغير وأن أشكال الترفيه تنوعت، لكن الحاجة إلى قصة جيدة وشخصيات مقنعة لم تتغير ولن تتغير، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن حكاية تشبهه وتلمس حياته.

حين تعود الدراما إلى هذا الجوهر ستجد الجمهور في انتظارها كما كان يفعل دائما، وسيصبح النقاش حول أسماء (التيك توك) أو فضائح الإنترنت هامشيا لا مركزيا، أما إذا استمر التعامل مع الموسم الرمضاني بوصفه موسما لتوزيع العقود والهبات والدعايات فإن الفجوة بين الشاشة والجمهور ستتسع أكثر، وسيظل السؤال يتكرر كل عام: لماذا لم تعد الدراما كما كانت في الذاكرة الجميلة لجيل كامل؟

الجواب ربما يكون بسيطا لكنه صعب التنفيذ، لأن الإصلاح يحتاج إرادة حقيقية تضع الفن قبل الضجيج وتعيد الاعتبار للموهبة والعمل الجاد، عندها فقط يمكن أن يستعيد (رمضان) مكانته كعيد للدراما لا كسوق موسم عابر.

والسؤال هنا: هل المقاطع الإباحيه أصبحت جواز المرور الشاشة؟، وماهو الهدف من الدفع بهؤلاء المنحرفات؟، هل هى رساله وتوجيه للأجيال لتعلم السبيل إلى الشهره هو الانحراف والافلام الاباحيه؟!

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.