


بقلم الإذاعي الكبير: شريف عبد الوهاب
في مناسبة عرض مسلسل (كان ياما كان).. هناك أعمال فنية لا تكتفي بأن تروي حكاية، بل تطرح سؤالاً يظل معلقاً في الهواء لعقود طويلة، ومن بين هذه الأعمال تقف مسرحية بيت الدمية للكاتب النرويجي هنريك إبسن كواحدة من أكثر النصوص تأثيراً في تاريخ المسرح العالمي.
لقد طرحت هذه المسرحية سؤالاً بسيطاً ظاهرياً، لكنه شديد العمق: هل يمكن للإنسان أن يعيش حياته الحقيقية داخل الأدوار التي يفرضها عليه المجتمع؟
كانت نورا، بطلة المسرحية، تعيش حياة تبدو مستقرة. بيت هادئ، زوج ناجح، أطفال، ومجتمع يحترم هذا النموذج الأسري.. لكن إبسن يكشف تدريجياً أن هذا الاستقرار ليس إلا واجهة جميلة تخفي حقيقة أكثر قسوة: (نورا) ليست شريكة حقيقية في هذا البيت، بل دمية أنيقة يتحكم الآخرون في حركتها.
عندما أدركت (نورا) هذه الحقيقة، اتخذت القرار الذي هزّ المسرح الأوروبي في القرن التاسع عشر: أن تغادر البيت. كان صوت الباب الذي أغلقته خلفها في نهاية المسرحية بمثابة إعلان رمزي عن تمرد الإنسان على الأدوار الاجتماعية المفروضة عليه، لكن السؤال الذي لم يجب عنه إبسن ظل يطارد الأجيال اللاحقة:
ماذا يحدث بعد أن تغادر نورا البيت؟
بعد أكثر من قرن، يبدو أن هذا السؤال يعود بصيغة جديدة في الدراما العربية من خلال مسلسل (كان ياما كان)، الذي يقوم ببطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي. فالمسلسل، في جوهره، لا يبتعد كثيراً عن الفكرة التي طرحها إبسن، لكنه يعيد صياغتها في سياق اجتماعي معاصر، حيث لم تعد القيود صارخة كما كانت في الماضي، لكنها ما زالت قائمة في شكل أكثر تعقيداً ونعومة.

شبكة غير مرئية من القيود
شخصية (داليا/ يشرا اللوزي) في (كان يام كان) تبدو وكأنها النسخة الحديثة من نورا.. فهي امرأة تعيش حياة تبدو طبيعية في ظاهرها، لكنها تكتشف تدريجياً أن حياتها تسير وفق إيقاع رسمه الآخرون لها.. فالمجتمع، والأسرة، وحتى الحب نفسه، قد يتحول إلى شبكة غير مرئية من القيود التي تحدد للفرد ما ينبغي أن يكون عليه.
لكن الفارق الجوهري بين العملين أن مسلسل (كان ياما كان) يضيف ضلعاً درامياً جديداً لم يكن حاضراً في مسرحية إبسن، وهو الابنة التي تتحول إلى عنصر حاسم في الصراع.
وجود الابنة يغير طبيعة السؤال تماماً.. فالأمر لم يعد مجرد صراع بين امرأة وزوجها، بل أصبح صراعاً بين المرأة وأدوارها المتعددة: زوجة، وأم، وإنسانة تبحث عن ذاتها في الوقت نفسه.
الابنة هنا ليست مجرد شخصية عاطفية في العمل، بل تمثل صوت المستقبل. فهي ترى في استقرار الأسرة قيمة يجب الدفاع عنها، حتى لو كان ذلك على حساب طموح الأم الفردي. وهكذا يتحول الصراع من معركة بين الحرية والقيود، إلى معركة أكثر تعقيداً بين الحرية والمسؤولية.
من هنا يضع مسلسل (كان ياما كان) المشاهد أمام احتمالين دراميين متناقضين، كلاهما يحمل قدراً من المأساة.
الاحتمال الأول أن تستجيب (داليا) لنداء ابنتها، وأن تعود إلى البيت والأسرة. لكن عودتها هذه المرة لن تكون خضوعاً، بل اختياراً واعياً. وهنا يطرح العمل سؤالاً شديد الجرأة:
هل يمكن للإنسان أن يقبل الدور الذي رفضه من قبل، إذا كان اختياره هذه المرة نابعاً من إرادته الحرة؟
بهذا المعنى قد تعود (داليا) إلى بيتها، لكنها تعود وقد أدركت طبيعة اللعبة الاجتماعية التي تعيش داخلها. فهي تعرف أنها قد تبدو دمية في نظر الآخرين، لكنها دمية اختارت بنفسها أن تبقى في هذا البيت.
أما الاحتمال الثاني فهو الأكثر قسوة.. فقد ترفض (داليا) هذا النداء العاطفي، وتواصل رحلتها بحثاً عن ذاتها، حتى لو كان الثمن هو فقدان البيت والزوج وربما الابنة نفسها، غير أن المفارقة المؤلمة في هذا الطريق أن البحث عن الذات ليس دائماً رحلة واضحة المعالم.
قد يكتشف الإنسان، بعد أن يهدم كل الجسور خلفه، أن الذات التي كان يبحث عنها لم تكن محددة منذ البداية. وهنا تتحول الحرية إلى تجربة وجودية قاسية، حيث يجد الإنسان نفسه وحيداً في مواجهة اختياراته.

ليس مجرد حيلة درامية
ولعل أهم ما يميز مسلسل (كان يا ما كان) أن المؤلفة اختارت أن تترك النهاية مفتوحة.. هذا القرار ليس مجرد حيلة درامية لإثارة النقاش، بل هو موقف فكري واضح. فالحياة نفسها لا تقدم إجابات حاسمة، بل تضع الإنسان دائماً أمام مفترق طرق.
هل تبقى المرأة داخل الأسرة حفاظاً على استقرارها؟
أم تغادرها بحثاً عن ذاتها؟
الدراما هنا لا تمنحنا إجابة جاهزة، لكنها تدفعنا إلى التفكير في سؤال أكثر عمقاً:
هل الحرية دائماً انتصار؟ أم أنها قد تكون أحياناً شكلاً آخر من أشكال الخسارة؟
إذا كانت مسرحية بيت الدمية قد فجرت سؤال الحرية الفردية في القرن التاسع عشر، فإن الدراما المعاصرة تعيد طرح السؤال نفسه، لكن في عالم تغيرت فيه الأشكال وبقيت الجوهر.
فالمرأة اليوم قد لا تعيش في بيت يشبه القفص كما كانت نورا، لكنها ما زالت تعيش تحت ضغط التوقعات الاجتماعية، وصورة الأسرة المثالية، وفكرة النجاح التي يفرضها المجتمع على الجميع.. وهكذا يبدو أن الدمية لم تختف من حياتنا، بل تغيرت فقط ملامحها.
بين (نورا) التي أغلقت الباب خلفها وغادرت، و(داليا) التي تقف مترددة أمام الباب نفسه، تطرح الدراما سؤالاً وجودياً يتجاوز حدود الفن ليصل إلى قلب الحياة الإنسانية:
هل الحرية أن نغادر البيت؟، أم أن الحرية الحقيقية هي أن نعرف لماذا نريد أن نبقى؟
ربما لا تقدم الدراما إجابة نهائية، لكن مجرد طرح السؤال يكفي ليكشف حقيقة مزعجة:
قد نعتقد أننا أحرار.. بينما نحن في الواقع دمى أكثر وعياً بخيوطها.