رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

متاهة الصلاحيات وفخ الهيكلة: هل وُلد منصب (وزير الإعلام) ليُحاصر دستورياً؟!

متاهة الصلاحيات وفخ الهيكلة: هل وُلد منصب (وزير الإعلام) ليُحاصر دستورياً؟!
ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام

بقلم الدكتور: إبراهيم ابوذكري*

عندما عاد منصب (وزير الإعلام) إلى التشكيل الوزاري المصري بعد سنوات من الإلغاء، وتولى حقيبته الكاتب الصحفي أسامة هيكل، استبشر الكثيرون بوجود (رأس سياسي) يلم شتات المشهد الإعلامي المبعثر.

لكن القراءة المتأنية لنصوص دستور 2014 كانت تشير منذ اللحظة الأولى إلى أننا بصدد (مهمة مستحيلة)، حيث وُضع (وزير الإعلام) في حلبة مصارعة غير متكافئة مع كيانات دستورية محصنة، لتكشف التجربة لاحقاً أن الأزمة لم تكن في الأشخاص، بل في (هندسة التناقض) التي بُني عليها المشهد التنظيمي.

أولاً: الفخ الدستوري.. وزير بلا (أنياب)

المعضلة الكبرى التي واجهت (أسامة هيكل، وأدت لاحقاً إلى صدامات معلنة تحت قبة البرلمان وفي أروقة الهيئات، تكمن في أن الدستور منح (استقلالية كاملة) للهيئات الثلاث (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة).

هذه الهيئات صُممت لتكون بديلة للوزارة، لا مكملة لها., فالمجلس الأعلى هو المهيمن على المحتوى والمحاسبة، والهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) هي المالكة والمحركة للمؤسسات. هنا وجد الوزير نفسه في (منطقة رمادية) قاتلة؛ فهو مسؤول سياسياً أمام الحكومة.

لكنه إدارياً وقانونياً لا يملك سلطة التعيين، أو العزل، أو حتى التدخل في ميزانيات تلك الهيئات. هذا (التضارب الهيكلي) حول المنصب إلى كيان بروتوكولي يحاول انتزاع صلاحيات هي في الأصل (حق دستوري) لغيره، مما خلق حالة من (الشلل التنسيقي).

ضياء رشوان.. (المنسق) في حقل ألغام

مع صدور التشكيل الوزاري الجديد في فبراير 2026، ودخول الكاتب الصحفي ضياء رشوان إلى معترك (وزير الإعلام)، يبدو أننا بصدد حلقة جديدة من صراع الصلاحيات، ولكن هذه المرة في بيئة أكثر تعقيداً.. فإذا كان أسامة هيكل قد اصطدم بجدار (الهيئات الدستورية) المستقلة.

فإن ضياء رشوان سيجد نفسه اليوم (بين فكي كماشة): فمن جهة، لا تزال النصوص الدستورية التي تمنح الاستقلال للهيئات قائمة كحجر عثرة أمام سلطاته التنفيذية، ومن جهة أخرى، يبرز منصب (نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية) – الذي يشغله الدكتور حسين عيسى – كمركز ثقل مالي وإداري جديد يملك وحده مفاتيح (الهيكلة) والدمج والميزانيات للهيئات الاقتصادية التي يتبعها الإعلام.

متاهة الصلاحيات وفخ الهيكلة: هل وُلد منصب (وزير الإعلام) ليُحاصر دستورياً؟!
الدكتور حسن عيسى

ثانياً: ظهور (نائب رئيس الوزراء).. وتجاوز المسار التقليدي

المفاجأة الإدارية التي قلبت موازين القوى مؤخراً كانت تكليف نائب رئيس الوزراء (الدكتور حسين عيسى) بملف الهيئات الاقتصادية، ومن ضمنها الهيئات الإعلامية ذات الطابع الاقتصادي (مثل ماسبيرو والشركة المتحدة وغيرها).

هذه الخطوة، رغم وجاهتها الاقتصادية، خلقت واقعاً جديداً يتجاوز (منصب الوزير) تماماً.. فبينما كان وزير الإعلام يحاول بصعوبة صياغة (سياسة إعلامية)، جاءت سلطة “نائب رئيس الوزراء” لتمسك بمفاصل المال، الإدارة، والهيكلة.

هذا التوزيع الجديد للأدوار يخلق إشكالية لا تبشر بالخير؛ فمنصب الوزير الذي يفترض أن يقود (الرؤية السياسية والمهنية) قد يتحول إلى مجرد (منصب استشاري) أو (واجهة خطابية)، بينما يظل القرار الفعلي بيد (المسار الاقتصادي) الذي يمثله نائب رئيس الوزراء. إن وضع قامة مثل ضياء رشوان – بخلفيته كمنسق للحوار الوطني ونقيب سابق – في هذا المشهد يثير تساؤلاً جوهرياً:

هل سيتمكن من انتزاع (صلاحيات تنفيذية) تمنحه القدرة على التغيير الحقيقي، أم سيظل (المال والهيكل) رهينة في يد نائب رئيس الوزراء، ليبقى الإعلام المصري يدور في متاهة (تعدد الرؤوس) التي أجهضت تجارب الإصلاح السابقة؟

المفارقة المقلقة: أصبح مصير الهيئات الإعلامية – من حيث الدمج أو الإلغاء أو التطوير المالي – يمر عبر بوابة نائب رئيس الوزراء المختص بالشؤون الاقتصادية، دون المرور بالضرورة عبر مكتب (وزير الإعلام).. هذا يعني ببساطة أن (صناعة القرار الإعلامي) انفصلت عن (إدارة الهيكل الإعلامي)، وهى ازدواجية لا تبشر بخير.

ثالثاً: إشكالية (تعدد الرؤوس).. هل يضيع الأمن القومي الناعم؟

إن وجود (وزير دولة، مجلس أعلى، هيئتين وطنيتين، ثم نائب رئيس وزراء مشرف) هو مشهد إداري (متخم) بالقيادات، لكنه (فقير) في الفاعلية.. وثمة مخاوف حقيقية من هذا الوضع:

تهميش الرؤية السياسية: عندما يتولى (نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية) ملف الهيكلة، فإن المعيار يصبح (الأرقام والربح والخسارة)، بينما الإعلام هو (أمن قومي ناعم) قد يتطلب الإنفاق دون انتظار عائد مادي سريع من أجل حماية الوعي العام.

ضياع (المايسترو): الإعلام في لحظات الأزمات يحتاج إلى (غرفة عمليات) واحدة. وتعدد الجهات المشرفة يؤدي إلى بطء الاستجابة وتضارب الرسائل الإعلامية؛ فالوزير يرى رؤية، والهيئة تملك الميزانية، ونائب رئيس الوزراء يملك قرار الهيكلة!

صراع الشرعيات: الهيئات تتمسك باستقلالها الدستوري، والوزارة (في حال وجودها) تحاول إثبات جدواها، والآن يدخل (المسار الاقتصادي) ليفرض كلمته العليا.. والنتيجة هى (ارتباك هيكلي) يدفع ثمنه المحتوى وتأثيرنا الإقليمي.

متاهة الصلاحيات وفخ الهيكلة: هل وُلد منصب (وزير الإعلام) ليُحاصر دستورياً؟!
الإصلاح الحقيقي لا يكون بزيادة عدد المشرفين، بل بتوحيد (المظلة)

رابعاً: هل الحل في (الإلغاء) أم (الدمج الموحد؟)

إن استمرار وجود منصب (وزير الإعلام) في ظل وجود (نائب رئيس وزراء) يملك الصلاحيات التنفيذية على الهيئات، وفي ظل وجود (مجلس أعلى) يملك الصلاحيات الدستورية، هو نوع من (الترهل الإداري) الذي يزيد التعقيد لا الحل.

الإصلاح الحقيقي لا يكون بزيادة عدد المشرفين، بل بتوحيد (المظلة)، فإذا كانت الدولة قد اتجهت نحو (نائب رئيس الوزراء) كحل جذري للهيئات الاقتصادية، فمن الضروري أن يكون هذا النائب متمتعاً برؤية إعلامية سياسية لا محاسبية فقط، أو أن يتم دمج كافة هذه الصلاحيات تحت مظلة واحدة تنهي حالة “التيه” بين الوزارة والهيئات.

الخاتمة: الإعلام يحتاج (رؤية) لا (دفاتر حسابات)

إن ما نعيشه اليوم هو نتاج لعدم حسم الهوية الإدارية للإعلام المصري. هل نريد إعلاماً تقوده الحكومة؟ أم إعلاماً مستقلاً؟ أم إعلاماً (اقتصادياً) يدار بآليات السوق؟

الجمع بين كل هذه المسارات في وقت واحد أوجد حالة من (الضجيج الهيكلي) الذي لا يبشر بخير.

فإصلاح الإعلام لن يتحقق إذا ظل (وزير الإعلام) محاصراً بالدستور، و(نائب رئيس الوزراء) مشغولاً بالأرقام.. الإعلام قوة دولة، وقوة الدولة تبدأ من (وحدة القرار)، لا من تعدد المكاتب التي يضيع بينها مستقبل الوعي المصري.

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.