رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية
نجح (أيمن سلامة) كمؤلف لمسلسل (كلهم بيحبوا مودي) في صياغة حوارات تتسم بـ (الشاعرية الفلسفية)
(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

يرى (هنري برجسون) أن الضحك ليس سوى رؤية، أكثر اكتمالا ومباشرة، للطبيعة والروح، يقتصر امتلاكها على عدد ضئيل من الأفراد، وربما شيئا من هذا القبيل  تحقق تماما في مسلسل (كلهم بيحبوا مودي) عبر تجليات الأداء العذب للفنان (ياسر جلال) باعتباره فردا من عدد قليل يختلف عن أقرانه في التنوع والاجتهاد.

 فقد امتلك الفنان المبدع (ياسر جلال) مفاتيح لعبة (الضحك) النابع من الكوميديا الصافية من شوائب (السماجة والتفاهة)، رغم أنه يخوض التجربة لأول مرة، لكنه استند إلى موهبة حقيقية في الأداء التمثيلي الاحترافي، فراح يصول ويجول بنا في حدائق من البهجة التي تفضي بالضرورة إلى المتعة التي خلبت عقولنا وأبصارنا عبرمواقف صنعها بحرفية الكاتب (أيمن سلامة) مؤلف (كلهم بيحبوا مودي).

في هذا الصدد يقول الكاتب المبدع (أيمن سلامة) أنه من المعروف في كل عصر أن إضحاك الناس أصعب كثيرا من إصابتهم بالحزن في الدراما، ولهذا فإن فن كتابة الكوميديا مهارة لا يجيدها إلا قلة، ولهذا فصناعة الكوميديا والدراما عموما باتت معقدة وصعبة لأنها توجه لمشاهد يتغير باستمرار.

وبعد قوله هذا أظن أن (أيمن سلامة) برز كواحد من كتاب الكوميديا الرائعين حقا، حيث نجح في مسلسل (كلهم بيحبو مودي) في تحقيق مفهوم عصري للكوميديا، ومن ثم فإن المسلسل أثار جدلا واسعا عند عرضها في النصف الأول من رمضان هذا العام، ليس فقط بسبب جرأة الطرح، ولكن بسبب التباين الشديد بين بريق الصورة وبين تماسك البناء الدرامي.

نجح (أيمن سلامة) كمؤلف لمسلسل (كلهم بيحبوا مودي) في صياغة حوارات تتسم بـ (الشاعرية الفلسفية)، حيث لم تكن الكلمات مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل كانت تعبيراً عن أزمات وجودية يعيشها الأبطال، هذا النوع من الكتابة يخلق رابطا عاطفيا قوي بين المشاهد والشخصية، مما يجعلنا نقبل (النهاية العادلة نفسيا) حتى لو لم تكن مكتملة درامياً.

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية
نقطة القوة الأبرز في (كلهم بيحبوا مودي) تكمن في (حبكة درامية متقنة)

حبكة درامية متقنة

نقطة القوة الأبرز في (كلهم بيحبوا مودي) تكمن في (حبكة درامية متقنة)، يبدأ المسلسل بإيقاع سريع وجاذب، ولم يقع في فخ المط والتطويل في الحلقات الوسطى – كما رأى البعض – حين أغمضوا عيونهم عن البهجة التي تصيب بالمتعة في كل مشهد عبر كوميديا الموقف التي كانت علامة بارزة في السيناريو والأداء الفاتن لياسر جلال في تجلياته المحببة.

بصريا: قدم المسلسل تجربة غنية جدا، ساعدت المخرج اعتماده على كادرات واسعة وإضاءة تعبر عن الحالة النفسية للأبطال، وهو ما يسمى بـ (التجميل البصري)، وساهم الديكور في خلق بيئة تعكس الطبقة الاجتماعية والنفسية، رغم أنه في بعض الأحيان طغى الاهتمام بالجماليات البصرية على منطقية المكان.

(ياسر جلال) في مسلسل (كلهم بيحبو مودي) قدم أداء متزنا، فشخصيته في هذا العمل تمثل محورا دراميا مثيرا للجدل، حيث اعتمد في أدائه على المزج بين (القوة الجسمانية) و(الهشاشة النفسية)، وهو أسلوب أصبح يميز مدرسة (ياسر جلال) في السنوات الأخيرة عبرمسلسلات تنتمي للدراما الاجتماعية.

من خلال متابعتي لأعمال (ياسر جلال) أرى أنه في (كلهم بيحبوا مودي) لم يقدم جديدا على مستوى امتلاك حضورا طاغيا، فهو كعادته يعتمد على لغة الجسد (Body Language)  الرصينة، ولعل المخرج في هذا المسلسل، استغل هذه الكاريزما لتقديم شخصية (القائد) أو الرجل الذي يثق به الجميع، لكن تحت هذا القناع كانت تكمن شخصية مطاردة بالشكوك.

وفي إطار لعبة التناقض الدرامي، نجح (ياسر جلال) في تجسيد الصراع الداخلي بين ما يظهره للعلن وبين انكساره في المشاهد المنفردة، مما أضاف بعدا إنسانيا بعيدا عن (المثالية) المعتادة للبطل الشعبي التي اعتدنا عليها من جانب زملائه، خاصة في هذا الموسم الذي اتسم أبطاله الشعبين بـ (الجعير) والصوت العالي المنفر الذي يخاصم الأداء العذب.

ففي هذا الإطار اعتمد (ياسر جلال) في هذا الدور على (الهدوء الانفعالي)، ولعلنا لاحظنا أنه  نادرا ما يلجأ للصراخ، بل يستخدم نبرة صوت عميقة ومدروسة بحرفية شديدة لإيصال الرسالة التي يرمي لها.

لهذا، يظل الأداء التمثيلي هو (عمود الخيمة) الذي استند إليه (كلهم بيحبوا مودي)، وهو العنصر الذي لم يخذل المشاهد، ولعل صدق الأداء في هذا العمل لم يكن مجرد اجتهاد فردي، بل كان (طوق نجاة) للعمل ككل.

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية
اجتهد (ياسر جلال) في تقديم أداء يتسم بما يسمى (الاقتصاد التعبيري)، فهو لم يلجأ للمبالغة الحركية أو الصوتية

التحول يمثل (نقطة فارقة)

اجتهد (ياسر جلال) في تقديم أداء يتسم بما يسمى (الاقتصاد التعبيري)، فهو لم يلجأ للمبالغة الحركية أو الصوتية، بل اعتمد على صدق النظرة، وثبات الانفعال، هذا الصدق هو ما جعل النهاية (عادلة) في نظري؛ لأننا صدقنا انكساره الداخلي خلف قناع القوة، مما جعل أي مصير يصل إليه يبدو نابعا من حقيقة الشخصية لا من رغبة المؤلف.

بالفعل، هذا التحول يمثل (نقطة فارقة) في المشوار الفني لياسر جلال، فبعد سنوات من ترسيخ صورته كبطل للأكشن والدراما الشعبية التي تعتمد على (البطل المثالي) أو (الفتوة) الذي ينتصر في النهاية، نراه هنا يخلع عباءة القوة المادية ليرتدي ثوب (الهشاشة النفسية) بلباس كوميدي مبهج يفجر الضحك النبع من القلب.

معروف أنه في أدوار الأكشن، تعتمد جاذبية الممثل على ما يفعله (المطاردات، المعارك، الحركة)، أما في (كلهم بيحبوا مودي)، فكانت الجاذبية تنبع مما يشعر به، حيث استبدل (ياسر جلال) عضلاته بتعبيرات وجهه البشوش، واستبدل صوته العالي بـ (الصمت الدرامي).

هذا الانتقال يتطلب شجاعة فنية لأنه يضع الممثل في مواجهة مباشرة مع قدراته التعبيرية دون أي مساعدات بصرية من مشاهد الحركة العصبية المنتشرة في كثير من أعمال رمضان هذا العام.

أبدع (ياسر جلال) في كلهم بيحبوا مودي) في  كسر نمط (البطل الذي لا يقهر)، ذلك البطل الشعبي الذي عادة ما يكون نموذجا يحتذى به، لكن في (السيكودراما) هنا في المسلسل البطل هو (إنسان مأزوم) يبحث عن حلول منطقية لمشاكله.

أعتقد أن قبول (ياسر جلال) بتجسيد شخصية مطاردة بالشكوك، وتعاني من فجوات نفسية، جعل الجمهور يراه بمنظور جديد تماما، وعزز من هذا نبرة الصدق الذي لامسته في أدائه النابع من كونه لم يخشَ إظهار ضعف الشخصية، وهو ما جعل النهاية (العادلة نفسيا) مقبولة، لأنها نهاية تليق بإنسان لا بأسطورة يسعى إليها أقرانه بفعل درامي رجيم.

(ياسر جلال) في (كلهم بيحبو مودي) لم يقدم مجرد دورا جديدا، بل قدم (بيانا فنيا) يعلن فيه تمرده على القوالب الجاهزة.. لقد أثبت أن الوسامة الكلاسيكية، والحضور الجسدي يمكن توظيفهما لخدمة أدوار معقدة ومركبة، مما يفتح أمامه الباب مستقبلا لتقديم أعمال تعتمد على عمق الشخصية أكثر من اعتمادها على بريق الحدث كما هو سائد في مسلسلات البغض الدرامي الحالي.

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية

(كلهم بيحبوا مودي).. دراما تبعث على البهجة في موسم الكآبة الرمضانية
نجح المخرج (أحمد شفيق) في تقديم (لوحات فنية) متتالية، ما أبرز جماليات الصورة في المسلسل

جماليات الصورة في المسلسل

ولا يمكن إغفال دور التصوير والإضاءة في إبراز ملامح (ياسر جلال)؛ حيث استخدمت الإضاءة الدرامية (Chiaroscuro) في مشاهد المواجهات لتبريد حدة الملامح وإظهار الجانب المظلم من الشخصية، وهو ما تماهى تماما مع الأسلوب الإخراجي للعمل الذي وظف الموسيقى توظيفا أضفى على الأحداث نوعا من الراحة النفسية في ثوب كوميدي.

نجح المخرج (أحمد شفيق) في تقديم (لوحات فنية) متتالية، ما أبرز جماليات الصورة في المسلسل، بحيث كانت بمثابة (مكياج درامي)، نجحت في إخفاء تجاعيد السيناريو وفجواته المنطقية، وجعلت المشاهد يستمتع بالحالة البصرية حتى وإن لم يقتنع بالمنطق الدرامي للنهاية.. المهم أن السعادة والبهجة شبعت العمل بطاقة إيجابية.

كان هناك ذكاء من جانب (أيمن سلامة) مؤلف (كلهم بيحبوا مودي) في كيفية كشف الأسرار؛ فالمعلومة لا تعطى للمشاهد دفعة واحدة، بل تسرب عبر نظرات، صمت، أو حوارات قصيرة، مما جعل (اللغز) جزءاً من نسيج العمل وليس مجرد حبكة بوليسية تعتمد على الأكشن الذي يفضي إلى العشوائية.

هنا تكمن المعضلة؛ فجمال اللغة والعمق النفسي في السيناريو كانا بمثابة المسكن الذي جعلنا نتقبل الفجوات المنطقية، ومنها فإن المشاهد استمتع بـ (أناقة الحوار، وعمق الصراعات، لدرجة أنه في لحظة معينة، لم يعد يهمه (الحسم الدرامي) بقدر ما يهمه أن تظل هذه الحالة النفسية مستمرة في ذهابها إلى مناطق دافئة.

الحبكة كانت جميلة فعلا في تفاصيلها الإنسانية)، وإن تعثرت في (هيكلها الهندسي)، إلا أن السيناريو خاطب قلب المشاهد وعاطفته، فنجح في كسب رهان الاستمرارية رغم الملاحظات النقدية على تماسك القصة في بعض المناطق.

وأستطيع القول بأن مسلسل (كلهم بيحبوا مودي) برز كحالة فنية تستحق التأمل والدراسة، ليس لكونه مجرد عمل حقق صدى جماهيريا، بل لأنه يمثل نموذجا حيا للصراع بين جماليات الصورة، وتماسك الحبكة.

فمنذ اللحظة الأولى، يضعنا المسلسل أمام عالم مبهر بصريا، يسكنه أبطال يعيشون أزمات وجودية، وعلى رأسهم شخصية (مودي) التي جسدها الفنان (ياسر جلال) ببراعة منقطعة النظير، ليعلن من خلالها تمردا فنيا على قوالب البطل الشعبي، نجم الأكشن التي حوصر فيها لسنوات.

وأخيرا: أرى أن مسلسل (كلهم بيحبوا مودي) هو شهادة ميلاد جديدة لياسر جلال كممثل (سيكودراما) من الطراز الرفيع، وهو في الوقت نفسه يقدم درسا بليغا لصناع الدراما في أن الصورة المبهرة، مهما بلغت من الجمال، تظل جسدا بلا روح ما لم يسندها صدق في الأداء وعمق في التناول الإنساني.. التناول الذي يصنع البهجة وسط تيارات الحياة العاصفة بالمواطن المصري المحاصر بالحروب والأزمات الاقتصادية.

كل الشكر والتقدير لشبكة أبو ظبي للإعلام، وشركة (فورايفر دراما)على هذا الإنتاج المبهر من خلال صناعة جيدة صبت في خانة الدراما المصرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.