رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
صال وجال في (فن الموال) الذي يعتبر من صنوف المتعة المحببة إلى القلب والعقل والوجدان
(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
أحمد السماحي

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي

(محمد طه) واحد من أمهر من غنى فن (الموال)، في تاريخ الغناء المصري الحديث، وهو مطرب تلك الطبقات التى تبدأ من العدم والمعدمين.

وينتهي الغناء عند (محمد عبدالمطلب، ومحمد رشدي، ومحمد العزبي، ومحمد قنديل، وبدرية السيد) وغيرهم من مطربي الأغنية الشعبية، لتبدأ مرحلة آخرى لطبقات شعبية آخرى، وعلى مستوى آخر.

كان (محمد طه) مطرب الناس الذين نعتبرهم نحن الأساس والجذور، الذين يحيون وأرجلهم مغروزة في الحفر والأرض والطين، وعلى أكتافهم يحملون كتلة شعبنا الهائل.

و(محمد طه) كان يعي هذه الحقيقة، وعندما سأل عن الفرق بينه وبين (محمد العزبي، ومحمد رشدي) قال في أحد أحاديثة الصحفية التى نحتفظ بها: (أنا أغني للطبقة تحت المتوسطة، أنا مطرب بلدي مش شعبي، أنا أغني لبتوع الريف، أغني لهم المواويل اللي تبسطهم ويفضلوا معايا، لو فضلت أغني شهر).

هذا الأسبوع في باب (مظاليم الفن) قررنا أن نتوقف عند (محمد طه) الذي صال وجال في (فن الموال) الذي يعتبر من صنوف المتعة المحببة إلى القلب والعقل والوجدان، الذي صاحب أجددنا وأبائنا، أزمنة طويلة، قبل أن يختفي في السنوات الأخيرة.

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
كان (محمد طه) يغني من وحي الخيال، ويحسن الإرتجال

محمد طه.. ملك الارتجال

كان (محمد طه) يغني من وحي الخيال، ويحسن الإرتجال، بمعنى أنه شاعر ومؤلف معظم الكلمات التى يغنيها، وله تيمة مميزة هي (آه آه … آه يا عيني).

ومن أشهر مواويله (هيا بنا يا شباب، الجيش طالبنا) و(أنا في محكمة العدل، أصل العدل للعادل) و(حافظ على الجار وصون عرضه، وصون ماله) (سلم أمورك إلى رب السما تسلم)، (أنا أصلي فلاح ومزارع وخادم أرض).

وكان (محمد طه) مطربا أصيلا لا يمكن أن يطرب له إلا الطبقات التى بقيت مصرية خالصة لم تتأثر ولم تتفاعل مع شرق أو غرب، وهو في غنائه لا يقول مجرد نظم منغم، فهو ليس مرفها، وعليه أن يبدو لمستمعيه على هيئة بطل شجاع، أو ناصح أمين، حتى يؤمنوا به ويتفاعلوا معه.

اسمه (محمد طه مصطفى أبو دوح) ولد ونشأ في الوجه القبلي، وبالتحديد في (طهطا) بلد أبيه، بصعيد مصر، وبعد سنوات قليلة ذهب إلى بلد أمه في (سندبيس)، التابعة لمركز (القناطر الخيرية) واشتهر في طفولته وصباه بجمال وقوة صوته، وكان دائما ما يردد:

فايت على كوبري بنها، ابكي على الحب

وإلا أبكي على عيني، أبكي على الحب.

 لكن سد يا عيني.

وفي سن الثانية عشر عمل في أحد مصانع النسيج في (المحلة الكبرى)، وفي وقت الراحة كان يغني للعمال ما يطلبونه من أغاني، الذين كانوا يستمتعون بجمال صوته، ويطلبونه للغناء في أفراحهم، وعلم والده بحب أبنه للغناء، فثار عليه، وهدده بالطرد لومارس الغناء!.

وفي سن الثامنة عشر إنتقل (محمد طه) إلى مصنع (كفر الدوار)، وابتعد عن والده فترة، وبدأت هويته للغناء تكبر، ونظرا لضيق ذات اليد، كان يؤلف ما يغنيه، وأصبح له مواويله وأغنياته الخاصة به، بعد أن كان يُغني ما يطلب منه.

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
اشتهر في طفولته وصباه بجمال وقوة صوته، وكان دائما ما يردد

عشق القاهرة ولياليها

في عام 1944 جاء (محمد طه) إلى القاهرة للدخول إلى الجيش، وكانت هذه الفترة، هى نقطة تحول في حياته، حيث أحب القاهرة، خاصة بعد أن علم من زملائه بوجود حياة فنية كاملة في القاهرة، تتمثل في فرق فنية، ومغنيين، وراقصات، وحفلات، وملاهي، وغيرها.

وبعد انتهاء فترة تجنيده، فضل البقاء في القاهرة، حيث أحس بالراحة فيها، ووجدها واسعة لا أحد يعرفه، وسيكون بعيدا عن غضب أبيه عليه، فقد كان كل هم والده، سمعة ابنه عندما يذهب إلى أي فتاة ليخطبها، ماذا سيقول لأهل العروسة ؟ ابنى بيشتغل مغنواتي؟!

في القاهرة بدأ (محمد طه) يمارس مهنة الغناء في الموالد، كل ما يسمع عن مولد، كان يحرص على الذهاب إليه، والغناء فيه، وفي أحد الأيام فتحت له طاقة القدر، حيث كان يغني في مولد (السيدة زينب) وجاءه الحظ.

فقد كان الإذاعي الشهير (إيهاب الأزهري) يسجل مقتطفات من مولد (السيدة زينب) للإذاعة، وسمعه، بالصدفة، وسجل له موالا كان يغنيه، وشعر يومها أنه أكتشف فنانا متميزا.

وأعطاه موعدا في اليوم التالي ليأتي إليه في الإذاعة، وفي الموعد المحدد كان (محمد طه) أمام (إيهاب الأزهري) فسجل له عدة مواويل، وبعض الأغنيات، وفرح المطرب الجديد بالفرصة التى أتته بدون ميعاد.

وغرق (محمد طه) في بحر الفرح، وهو يغني ويسمع صوته يتردد في طرقات الإذاعة، لكن فجأة أغلقت ليلة القدر طاقتها المفتوحة في وجهه وهو ينتظر الموعد المحدد لإذاعة اللقاء الذي سجله!.

 والحكاية ببساطه أن (محمد حسن الشجاعي) مسئول الموسيقى والغناء في الإذاعة، بعد أن سمع التسجيلات التى سجلها (إيهاب الأزهري) لـ (محمد طه)، قال : (هذا صوت فطري، غير مدرب على الغناء، ولابد أن يتدرب كثيرا، كما أن صوته غير صالح للميكرفون!).

وأحبط (محمد طه) أيام وليالي، وقرر أن يعود إلى بلده، ويقبل جبين والده، (ويستسمحه) ويعتذر له عن ما بدر منه، وغيابه في القاهرة، ويعود إلى العمل في الأرض مع أشقائه.

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
ذهب (محمد طه) إلى (الحجاوي) الذي أعجب بصوته جدا، وقرر أن يدربه على الغناء

زكريا الحجاوي وفرقة الفلاحين

لكن قبل أن يجمع ملابسه، ويعود، نصحه أحد زملائه أن يذهب إلى الكاتب (زكريا الحجاوي) ليسمعه صوته، خاصة أنه كون فرقة من زملائه المطربيين الشعبيين، تحت إسم فرقة (الفلاحين للفنون الشعبية).

وبالفعل ذهب (محمد طه) إلى (الحجاوي) الذي أعجب بصوته جدا، وقرر أن يدربه على الغناء، وبعد أن دربه، ضمه إلى فرقته التابعة لوزارة الثقافة.

 وبدأ (محمد طه) يغني في كل حفلات فرقة (زكريا الحجاوي) ونال شهرة وشعبية كبيرة، وفي أحد الأيام طلبه الإذاعي (جلال معوض) للغناء معه في حفلات (أضواء المدينة) التى ستقام في غزة.

وغنى (محمد طه)، ونال إعجاب شعب (غزة)، واذيع الحفل في الإذاعة على الهواء مباشرة، وحقق نجاحا كبيرا، وبعد عودته إلى القاهرة، أحب (جلال معوض) أن يسانده ويقف بجواره، فأخذه معه في حفل آخر في (الإسكندرية).

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
أول أغنية لـ (محمد طه) من مختارات الإذاعة بعنوان (فلاح فالح في زراعتي)

فلاح فالح في زراعتي

بدأ (محمد حسن الشجاعي) الذي سبق وأن رفضه، يحب صوته، بعد أن وجد فيه خامة صوتية جديدة، وغير موجوده عند معظم المطربيين الموجودين على الساحة الفنية، فأتصل به، وطلب مقابلته.

وبالفعل حضر (محمد طه) إلى مكتب (الشجاعي) الذي أثنى على صوته، بعد أن دربه (زكريا الحجاوي) على الغناء الصحيح، وقال له : (أيوه كده كويس، أنا أقتنعت الآن بك، وخذ هذه الكلمات، من مختارات الإذاعة ولحنها وغنيها).

وكانت أول أغنية لـ (محمد طه) من مختارات الإذاعة بعنوان (فلاح فالح في زراعتي) يقول مطلعها:

(فلاح فالح في زراعتي، شهد المحصول بفلاحتي

وحكومتي رفعت قيمتي، وأديتني الأرض بتاعتي

فلاح فالح في زراعتي).

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
في أحد الأيام إلتقى الدكتور (طه حسين) عميد الأدب العربي في إحدى الندوات، فألقى عليه موالا

شهادة طه حسين

بعد نجاح الأغنية الأولى، طلب منه (الشجاعي) أن يتعلم، ويدرس، حتى لا يكون جاهلا، وبدأ (محمد طه) بالفعل يتلقى دروس في القراءة والكتابة، وفي أحد الأيام إلتقى الدكتور (طه حسين) عميد الأدب العربي في إحدى الندوات، فألقى عليه موالا.

ونال الموال إعجاب الدكتور (طه حسين) وسأله عن مؤهلاته؟، فقال له محمد طه: أنا معايا شهادة الميلاد، وشهادة القرعة العسكرية (التجنيد)، فضحك الدكتور (طه حسين) وقال له: إنك تحمل شهادة ربانية أكبر من الليسانس والبكالوريوس وهى إجادتك للغناء وفن الموال.

بدأ الحظ يدق باب (محمد طه) بقوة، خاصة بعد أن قدم مجموعة من المواويل التى لفتت الأسماع والأنظار إليه مثل (الدنيا لو كشرت لى منيش مغلوب)، و(اللى يدوق الحب).

و(أنا أصلى فلاح ومزارع وخادم أرض) و(بين السمار والبياض احترت يا معلم)، و(ياللى غويت الجمال روح بحرى)، (حب الجمال صنعتى وصيد الغزال كارى)، فضلا عن مجموعة من القصص الشعبية التى غناها بصوته.

وفي هذه الفترة كوّن فرقته الموسيقية الخاصة تحت عنوان (الفرقة الذهبية للفنون الشعبية) وضمّ إليها شقيقه (شعبان طه) الذي كان يشبهه تماماً وكان أحيانا يعمل كدوبلير له في حال انشغاله فيذهب إلى الفرح أو المولد بلا من شقيقه محمد ه.

كما ضمت الفرقة (علي سعد نافع)، و(شحاته ألمظ) للناي، و(أحمد مندور) للأرغول، و(عيد شاهين) للكمان، و(كامل علي) للعود و(سيد الصغير) للطبلة، وهي الفرقة التي ظلت تلازمه في كل حفلاته وأسفاره وأيضاً في الأفلام التي شارك فيها.

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
غني في العديد من الأفلام مثل (دعاء الكروان)

دعاء الكروان وحسن ونعيمة

بعد النجاح الكبير الذي حققه في الحفلات، بدأ (محمد طه) يُطلب للغناء في السينما، فغني في العديد من الأفلام مثل (دعاء الكروان، حسن ونعيمة، خلخال حبيبي، ملك البترول، صراع في الجبل، هارب من الأيام، بقايا عذراء، بنات بحري، الزوج العازب، بنت الحتة، زوجة ليوم واحد.

ورحلة العجائب، دستة مجانين، العريس الثاني، شقاوة رجالة، السفيرة عزيزة، المراهق الكبير، أشجع رجل في العالم، حكمتك يارب) وغيرها.

وفى منتصف الستينات فاز نادى (الزمالك) بدورى الكرة المصرية، وفاز نادى (الترسانة) بكأس مصر، وبهذه المناسبه أقام نادى (الترسانة) حفلا ساهرا احياه عدد كبير من أهل الفن، والطرب، وكان من بينهم (محمد طه) الذى أرتجل موال بلا مؤلف باسماء لاعبى (الترسانة) الذين أحرزوا الأهداف.

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
حقق (محمد طه) نجاحا كبيرا، وسافر للعديد من الدول الأوروبية، والعربية

محمد طه.. ابن البلد

حقق (محمد طه) نجاحا كبيرا، وسافر للعديد من الدول الأوروبية، والعربية، وجنى من وراء هذا ثروة ضخمة، فكوّن شركة لطباعة إسطواناته سماها (ابن البلد)، وكان يطبع بعض أسطوانات لزملائه الفقراء.

من الأشياء التى لا يعلمها الكثيرين أن (سيدة الغناء العربي) أم كلثوم، كان من أشد المعجبين بصوته، لكن كان يحزنها عدم تجديده في طريقة غنائه، وإعتماده على نفسه في الغناء والتأليف والتلحين، وكان تطلب منه التغيير.

ولم ينس (محمد طه) لـ (ثومة) نصيحتها، لهذا عندما رحلت عن حياتنا عام 1975، أرثاه بموال بعنوان (ياكوكب الشرق كانت حياتك سعادة فى قلوب الناس).

وتأثر (محمد طه) بوفاة عبدالحليم حافظ‏، وبعد وفاته بأيام قليلة قام بغناء أغنية في رثاء العندليب‏،‏ أذيعت مرة واحدة‏، وأختفت بعد إذاعتها مباشرة‏، تقول كلماتها :

خبر وفاتك أليم لوع قلوب الناس

أصبحت أنت الحديث اللي تقوله الناس

وداع يا عبدالحليم يا حبيب الرجال والناس

أعظم أطبا تعبوا كتير لحياتك

يا نافع الأهل والخلان في حياتك

أنا كان أملي يطول عمرك وحياتك

ياللي حياتك كانت فرحة لكل الناس

مين اللي يحيي ليالي الربيع يا نور

يا ابو اسم غالي وغالي كله نور علي نور

يارب لجل النبي يخلي قبرك نور

يا عبدالحليم كان قولك حليم محلاه

لك إسم محبوب في كل القلوب محلاه

عايش مابين الملايكة والنعيم محلاه

وفي جنة الله اتهني برحمه ونور

يا بو النغم والطرب يا مجدد الموال

صوتك يخلي الملايكه تعشق الموال

ياللي تاريخك عايش قصة مع الموال

كان صوتك الحلو معنا في زجل

والعربي كان سهل وياك كأنه زجل

متعت كل العرب خالص بأغلي زجل

بالأغنية والزجل والشعر والموال

(محمد طه) الذي رفض مملكة الأغنية الشعبية، ومنحه (طه حسين) أعلى الشهادات في الموال
رحل (محمد طه) يوم 12 نوفمبر عام 1996 في حي شبرا

الرحيل

بعد حياة فنية حافلة، رحل (محمد طه) يوم 12 نوفمبر عام 1996 في حي شبرا، وترك 8 أبناء، أكبرهم (صالح) وهو الوحيد الذي ورث جمال الصوت عن أبيه، وغنّى في برنامج تليفزيوني مرة واحدة وعمره 16 سنة ثم منعه مطربنا الشعبي الكبير من الغناء، في النهاية رحم الله ملك الموال محمد طه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.