

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
(اثنين غيرنا) ليس مجرد حكاية حب درامية عابرة، ولكنها من تلك الحكايات التي تقتحم الذاكرة ولا تخرج منها، والسبب أن الحب فيها ليس كغيره، ولكنه الحب الصادق المعقد المبهج أحياناً والمؤلم أحياناً، وحول هذه الحكاية حكايات أخرى تتمحور حول علاقات متشابكة ومعقدة وتستلزم بعضها أطباء نفسيين للتخفيف عنها أوجاعها وعن المشاهد أوجاعه حزناً عليها أو غضباً منها.
نحن لسنا نحن كل الوقت، الحالة النفسية والظروف الاجتماعية والضغوط التي نتعرض لها والالتزامات المفروضة علينا، كلها عوامل تغيرنا، وتجعلنا نفعل ما يخالف قناعاتنا، نتغير رغماً عنا أحياناً، وننقلب على ذواتنا، وهذا هو ما حدث مع حسن سويلم ونور أبو الفتوح في مسلسل (اثنين غيرنا).
وهذا العنوان هو الأمثل للتعبير عن حالة كليهما عندما ربط بينهما الحب ليخرجهما من حالة العزلة الاختيارية التي فرضها كل منهما على نفسه، تغيرت حالتهما النفسية وضحكت لهما الحياة، ظروفهما قبل اللقاء وقبل الحب متشابهة.
والحب وحد بينهما، وظروف حسن وإحساسه بالمسؤولية تجاه ابنه وخوفه من تأثير ارتباطه بغير أمه رغم طلاقهما هو الذي دفعه لينهي العلاقة مع نور، التي أعادته مقبِلاً على الحياة وأعادت إلى وجهه الابتسامة التي فارقته ثلاث سنوات هي عمر طلاقه ونادية أم إبنه، أغلق صفحة نور برسالة (واتس أب) بمجرد أن طلبت منه طليقته منح علاقتهما فرصة ثانية.
التغير في الملامح النفسية والسلوكية للشخصيات لم يقتصر على (نور وحسن) فقط بل امتد أيضاً إلى (وفاء) والتي تجسدها (صابرين النجيلي) وزوجها، وإلى شقيق نور، وإلى مها (ناردين فرج) صديقة حسن وزوجها.
مع تطور الأحداث في المسلسل لم يعد كل من هؤلاء نفسه بل أصبح آخراً مختلفاً، وهو ما يؤكد قدرة المؤلفة (رنا أبو الريش) على الغوص في أعماق شخصياتها النفسية، وإبراز التغيرات التي يفرضها عليها الزمن والظروف المحيطة.

مسلسل ناعم في ظاهره
ورغم أن المسلسل يبدو لمشاهده حكاية حب رومانسية جميلة إلا أنه ليس كذلك فقط ولكنه أيضاً دراما نفسية تكشف عن العقد التي تتمكن من أغلبية البشر وتجعلهم يعيشون الحياة وهم محملين بالهموم ومطاردين من الماضي ومستسلمين للأزمات.
(اثنين غيرنا) مسلسل ناعم في ظاهره حاد في جوهره عميق في معانيه، يربط مشاهده بعلاقة مع شخصياته، يحبهم ويغضب لغضبهم ويستمتع بأسلوب مخرجهم خالد الحلفاوي في سرد حكايتهم، وعندما تخلى حسن عن نور ضجت السوشيال ميديا ببوستات الغضب منه، فكيف له أن يتخلى عن هذا الحب؟
رغم أنه فعل ذلك من منطلق الواجب تجاه ابنه، لم يتركها لأنه عاد لحب زوجته التي تخلت عنه، بل لأنه يخاف من تأثير الارتباط الجديد على ابنه.
هو حكاية حب وحكاية تحليل نفسي، وأيضاً حكاية نجمة مشهورة تعاني من نظرة المحيطين بها إليها، وهي نظرة تعبر عن نظرة مجتمعية عامة إلى أهل الفن، نحبهم ونتابع أعمالهم ونتتبع أخبارهم ولكن يحلو لنا اختلاق وتناقل الشائعات عنهم والخوض في خصوصياتهم.
والغريب أن ذلك لا يحدث فقط من الجمهور الذي يرتبط بعلاقة بهم من خلال أعمالهم ولكنه لا يعرفهم شخصياً، ولكن يحدث أيضاً من الأشد قرباً لهم، الأهل والإخوة والأزواج، ولعلنا نتذكر العديد من الفنانات اللاتي كن هدفاً لأشقاء وأزواج وأقارب، طعنوا فيهم وأشاعوا عنهم ونالوا منهم، ولن تكون شيرين عبدالوهاب آخرهم والتي حاولوا تدميرها فنياً وإنسانياً وبيولوجياً.
وما تعرضت له (نور أبو الفتوح) في (اثنين غيرنا) من شائعات ومطاردات من إعلام الابتذال وفضائح على قنوات الفضائح، نراه ونسمعه ونقرؤه ونشاهده من يوم لآخر مع نجمات وفنانات، فالكل يحشر أنفه في خصوصياتهن، والكل يستهدفهن نميمة وافتراءً وكذباً.
وللأسف أن بعضهن هن اللائي يتركن مساحة من حياتهن لمن يريد العبث متوهمات أن بقاءهن على رأس التريند يضمن لهن البقاء في قلب دوائر الضوء بصرف النظر عن الأثمان المدفوعة لذلك.


الرجل أيضاً يدفع أثماناً باهظة
إذا كانت العديد من الأعمال الدرامية قد تناولت تأثير الطلاق على المرأة فإن المؤلفة (رنا أبو الريش) أرادت أن تقول أن الرجل أيضاً يدفع أثماناً باهظة للطلاق، أثماناً نفسية تدفعه للانزواء والانعزال والهروب من أي علاقات يمكن أن تغريه بإعادة التجربة.
الرجل يكتئب بعد الطلاق خاصة إذا كان سوياً ارتبط عن حب ولديه أطفال كان يتمنى أن يكبروا بينه وبين أمهم، وهو ما حدث مع حسن سويلم، السوي جداً في حياته المهنية كأستاذ جامعي، ومدرب سلة، ومسؤول عن أمه وشقيقته التي يعاملها كابنة له خاصة مع كبر فارق السن بينهما، و(صاحب صحبه).
حيث أنه السند لأصدقائه، ولكن إجبار زوجته (نادية) له على تطليقها وسفرها مع ابنهما إلى أمريكا أفقده الكثير من توازنه النفسي حتى التقى بنور أبو الفتوح.
أيضاً ناقش مسلسل (اتنين غيرنا) عنف الزوج تجاه زوجته من خلال علاقة وفاء بزوجها، وخيانة الزوج من خلال مها (ناردين فرج) وزوجها.
حالة من التميز الأدائي ساهمت بشكل كبير في نجاح (اتنين غيرنا) مع قصته وإخراجه، وهذه الحالة قادتها المتألقة دينا الشربيني مع آسر ياسين ونور إيهاب وناردين فرج، وتركت فيه كل من فدوى عابد في دور شهيرة وسحر رامي في دور والدة حسن بصمة وكانتا من أهم مصادر الفرح والبهجة سواء داخل البناء الدرامي للأحداث أو عند المشاهدين.