
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
بعد أن أعد فتوات (الدراما) وعتاولة البلطجة في مصر، خطتهم الرمضانية للسيطرة على عقول المشاهدين المغلوبين على أمرهم، فوجئوا بالرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) يؤدي فقرة بلطجة في عز رمضان، خطفت الأضواء منهم، أو كما يقال في الأحياء الشعبية، نيمتهم من المغرب.
خطة (الدراما) الرمضانية الحالية كانت حافلة بسم الله.. تبارك الله بوجبة دسمة من البلطجة والفتونة والمخدرات والجنس، وكل ما ليس له علاقة بأجواء رمضان ولا روحانياته التي باتت مجرد ذكرى عند الأجيال الأكبر سنا، اعتمادا على عاملين:
العامل الأول: أن المشاهدين من أبناء الطبقة الوسطى المطحونين – ولا مؤاخذة (من فوق ومن تحت) – ممن يرفضون دراما البلطجة، لا يملكون من أمرهم شيئا، فهم المفعول بهم دائما في أي معادلة محلية، سواء مع الحكومة أو شركات الإنتاج الفني، وحتى في الملاعب، حيث يتم إجلاسهم خلف المرمى بعيدا جدا عن الملعب في مشهد مذل غير معروف الأسباب.
العامل الثاني: أن المتيمين بدراما الفتونة الذين تراهن عليهم شركات الإنتاج هم العامة والسوقة والغوغاء، والرهان عليهم غالبا ناجح لأنهم يسيطرون على الشارع تقريبا، سواء لكونهم أصحاب المقاهي والعاملين فيها، أو غالبية الزبائن في تلك الأماكن من سائقي التكاتك والميكروباصات والصنايعية.
لكن كما يقول المثل (كل قوي له اللي أقوى منه) جاء البلطجي الأكبر أو عميد بلطجية العالم (دونالد ترامب) ليضرب كرسي في كلوب نادي فتوات (الدراما) الرمضانية، بعد عشرة أيام فقط من بداية الشهر الكريم.

متابعة الفتوة الأول في العالم
لا أعرف على وجه التحديد إذا كان ترامب اختار غزو ايران في هذا التوقيت منطلقا من غيرته الحمقاء المعتادة من أي شيء أو شخص يحاول سرقة الأضواء منه، أو أن يخطف منه (الحديدة)، وهو تعبير يطلقه الفكاهيون على الميكروفون الذي يرفض بعض الزعماء التنازل عنه لأحد.
لكن المؤكد أن (ترامب) نجح بشدة.. ليس فقط في خطف الأضواء من فتواتنا المحليين، ولكن أيضا في أن يقدم للمشاهدين المنبهرين من السوقة والغوغاء ما يجعلهم متسمرين أمام الشاشات لمتابعة الفتوة الأول في العالم.
أبرز سمات أو أسباب نجاح دراما البلطجة تتمثل في حاجة الناس إلى بطل حاسم في بيئة مضطربة، الفتوة في (الدراما)، وترامب في الحقيقة (يتوهم) يقدم نفسه في صورة الرجل القادر على الحسم السريع خارج تعقيدات القانون والإجراءات.
مثل (جعفر العمدة) مثلا في عمل رمضاني سابق، يعتمد ترامب على تصدير فكرة أنه الرجل الذي يحسم، الذي لا يخضع لما يسميه هو البيروقراطية أو النخب التقليدية، ومثل الفتوة الذي يرى العالم منقسما إلى أوفياء وخونة، أهل الحارة وخصومها، فإن الخطاب السياسي لترامب يعتمد على ثنائية بسيطة شعبوية رغم عنصريتها الفجة.. نحن مقابل هم، أمريكا مقابل الآخرين.
على غرار فتوات (الدراما) الرمضانية أيضا يقدم (ترامب) نموذجه الخاص من الفتونة، وهو الرجل الحامي، القادر على فرض الهيبة، صاحب الكلمة النهائية، يقول فيطيع الجميع.. يغضب فيهرول كل أهل الحارة، أو حكام العالم لاسترضائه وتفادي زمجرته الغاضبة.

ترامب فتوة (على قديمه)
والحقيقة أن (ترامب) تفوق في بعض المشاهد على فتواتنا في تقديم صورة الرجل القوي الذي يحصل على ما يريد بمجرد التفكير فيه دون أن يكلف نفسه عناء طلبه.
لكن لأن ترامب فتوة (على قديمه) حمل الكثير من نقائص الفتونة التي بات معظم بلطجية الدراما يتفادونها في السنوات الأخيرة، فهو لا يخفي غروره بقوته وقوة بلاده، ويظن أن سلطته وسطوته كافيتان، فلا يقدر بدقة قوة خصومه أو تحالفاتهم، مما يجعله عرضة للمفاجآت أو الخسارة في اللحظات الحرجة.
فضلا عن اتباعه المخلص لمبدأ (الفتوات) التاريخي وهو التضحية بالحق والعدل في سبيل فرض إرادته، وهو ما يولد مشكلات أخلاقية واجتماعية، ويكرس نموذج القوة كمعيار وحيد للنجاح، وليس الحكمة أو التوازن، لهذا يعيش تحت ضغط مستمر، فأي خطأ في الحساب أو لحظة ضعف يمكن أن تكلفه حياته أو مكانته.
كما يؤمن الرئيس الأمريكي أن (القوة فوق القانون)، ما يفوت عليه فرصة الاستفادة من آليات النظام، مثل التحالفات الرسمية أو وسطاء النزاع، ويضعه في مواقف يمكن تجنبها لو احترم المؤسسات، ولعلنا نتذكر حكم قضاة المحكمة العليا في أمريكا مؤخرا بإلغاء الرسوم الجمركية التي قرر فرضها على العديد من الدول.
وهو أيضا مثل فتوات زمان، لا يثق بأحد، ويعتمد على أتباع محدودين، وهذا يخلق ضعفًا استراتيجيًا، يجعله موضع تهديد مستمر، أي خيانة أو فقدان دعم صغير يمكن أن يهدد سلطته بشكل كبير.
أخيرا فإن اعتماد الفتوة فقط على الهيبة والعنف، يبعده في الغالب عن اللجوء لتكتيك طويل المدى أو دراسة بيئة خصومه بدقة، لذلك، في بعض الحالات، يستطيع الخصوم الأذكياء أو الأقل قوة التفوق عليه.