رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حدود صلاحيات (نقابات المهن التمثيلية) بين نص القانون وإرادة البرلمان

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حدود صلاحيات (نقابات المهن التمثيلية) بين نص القانون وإرادة البرلمان
هذا القانون حدد اختصاصات النقابات المهنية، ونظم مواردها المالية، وأوجب إخطار النقابة بعقود العمل وقيمتها

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري

في خضم الجدل الدائر حول الرسوم التي تفرضها (نقابات المهن التمثيلية) على الشركات المنتجة، تتجدد الحاجة إلى قراءة هادئة للنصوص القانونية الحاكمة، بعيداً عن الانفعال أو التصعيد، وبمنظور يحترم دور النقابات المهنية دون أن يتجاوز حدود الاختصاص التي رسمها لها القانون.

خلال الفترة الأخيرة، برزت شكاوى من قيام (نقابات المهن التمثيلية) بفرض رسوم مرتفعة، مع إلزام الشركات بتحصيلها من الممثلين وسدادها نيابة عنهم، بل وربط إصدار الخطابات المطلوبة لوزارة الداخلية لمنح تصاريح التصوير بسداد هذه المبالغ. وهو ما ترتب عليه – عملياً – تعطيل بعض الأعمال الفنية، وتحميل الشركات أعباء مالية وإدارية لا يرد بشأنها نص صريح في القانون.

المرجعية الحاكمة في هذا السياق هي القانون رقم 35 لسنة 1978 المنظم لعمل نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، وهو القانون الذي لا يزال سارياً بصيغته الأصلية. هذا القانون حدد اختصاصات النقابات المهنية، ونظم مواردها المالية، وأوجب إخطار النقابة بعقود العمل وقيمتها.

لكنه لم يُحمّل الشركات المنتجة مسؤولية تحصيل رسوم العضوية أو الاشتراكات نيابة عن الأعضاء، كما لم يمنح النقابة سلطة فرض جزاءات مالية استثنائية خارج الإطار المحدد.

وتزداد الصورة وضوحاً عند استحضار موقف مجلس النواب المصري برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي في ديسمبر 2021، حين أعلن رفض مشروع قانون حكومي كان يستهدف تعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لسنة 1978.

وقد استند الرفض إلى اعتبارات جوهرية، في مقدمتها التحفظ على منح النقابات سلطات واسعة في الضبطية القضائية أو فرض رسوم وغرامات مرتفعة دون ضوابط كافية، فضلاً عن التخوف من تعارض بعض الصلاحيات المقترحة مع حرية الإبداع وتجاوزها للدور التنظيمي الطبيعي للنقابات المهنية.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حدود صلاحيات (نقابات المهن التمثيلية) بين نص القانون وإرادة البرلمان
إن رفض البرلمان لهذه التعديلات يحمل دلالات قانونية واضحة

دلالات قانونية واضحة

إن رفض البرلمان لهذه التعديلات يحمل دلالات قانونية واضحة؛ فهو يعني بقاء صلاحيات (نقابات المهن التمثيلية) في إطارها المحدد بالقانون القائم، دون إضافة سلطات عقابية أو مالية موسعة. ومن ثم، فإن أي رسوم أو غرامات تُفرض خارج الإطار المحدد قانوناً تظل محل جدل قانوني، وقابلة للطعن أمام القضاء المختص إذا ثبت تجاوز حدود الاختصاص.

كما أن تحميل الشركات التزام التحصيل أو السداد الإجباري نيابة عن أعضاء النقابة لا يستند – في ظل النصوص الحالية – إلى سند تشريعي صريح. والأمر ذاته ينطبق على ربط إصدار خطابات التصاريح بإجبار الشركات على السداد، إذ يثير تساؤلات جدية حول مشروعية استخدام أدوات إدارية كوسيلة ضغط مالي في غياب نص قانوني واضح يجيز ذلك.

لا خلاف على أهمية الدور الذي تضطلع به (نقابات المهن التمثيلية) في حماية أعضائها وتنظيم المهنة وصون كرامتها. غير أن هذا الدور، بحكم طبيعته القانونية، يظل مقيداً بحدود النصوص التشريعية، احتراماً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون. فالتوازن بين حماية الحقوق النقابية وضمان حرية الإبداع واستقرار الاستثمار في الصناعة الفنية ليس خياراً، بل ضرورة دستورية واقتصادية.

إن الالتزام الصارم بالقانون رقم 35 لسنة 1978، كما هو قائم، هو الضمانة الحقيقية لاستقرار العلاقة بين النقابات والشركات المنتجة.. وأي تطوير مطلوب في الاختصاصات أو الموارد ينبغي أن يمر عبر المسار التشريعي الطبيعي، لا عبر إجراءات تنظيمية قد تُفسر باعتبارها توسعاً غير مستند إلى نص.

في النهاية، القضية ليست صراعاً بين (نقابات المهن التمثيلية) وشركات الإنتاج، بل اختبار لمدى احترامنا لمبدأ أن لا سلطة بلا نص، ولا التزام بلا سند تشريعي واضح.. وهذه هي القاعدة التي تكفل حماية الجميع، أفراداً ومؤسسات، في إطار دولة القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.