
بقلم المستشار: محمود عطية
في ليلة رمضانية كان القمر فيها يؤدي دوره التقليدي في الإضاءة المجانية، بينما كان الضوء الحقيقي منبعثا من عدسات المصورين، تحركت مواكب المشخصاتية ذكورا وإناثا نحو مائدة (السحور) العامرة التي دعا إليها (طال عمره)، فتحولت القاهرة في تلك الليلة إلى مهرجان سيرك متنقل عنوانه الكبير من لم يحضر فقد فاته الشرف والدولار، ومن حضر فقد نال البركة الإعلامية والتوثيق الرقمي عالي الجودة.
لم يتخلف أحد وكأن دعوة (السحور) نزلت عليهم وحيا من السماء لا يرد، أو كأن بطاقة الدعوة كانت مشفوعة بجهاز تتبع يقيس درجة الولاء ونسبة اللمعان في الابتسامة، فمنذ سنوات طويلة لم يجتمع هذا العدد من الوجوه اللامعة في مكان واحد إلا إذا كان هناك كاميرا أو شيكا أو نقدا أو الثلاثة معا.
والحق يقال إن (السحور) كان عامرا بالنجوم، حتى ظن البعض أن السماء قررت النزول إلى الأرض لتأكل فول وطعمية على حساب غيرها
العجيب ليس في الحضور فالحضور مهنتهم الأولى النفاق والسفلقه حياتهم، والثمن معروف كما قالت كاريوكا، بل في الإجماع الكامل الذي لا يعرف الغياب ولا الاعتذار ولا حتى نزلة برد مفاجئة، كلهم حضروا وكأن بينهم ميثاقا سريا اسمه لا تترك لقمة على الطاولة ولا تترك صورة دون ظهور.
ولا تترك فرصة دون توثيق فالظهور في مثل هذه الليالي ليس مجرد حضور عابر بل هو تمرين احترافي على فن الاصطفاف حول المائدة الأقوى ويجوز توصية إلى المتحدة.
ترى الممثلة التي كانت قبل سنوات قليلة تبكي على حال الفن والفنانين تتصدر المشهد بابتسامة عريضة، كأنها اكتشفت فجأة أن الحل ليس في النص الجيد ولا في الدور المركب، بل في المقعد القريب وجهاد السراير علي رأي بلبلة ومن صاحب الدعوة، وترى الممثل الذي كان يحدثنا عن الاستقلالية والكرامة الفنية يقف منتظرا دوره في السلام، وكأنه ينتظر دوره في مشهد صامت لا يتطلب سوى الانحناءة المناسبة.
والحقيقة أن المشخصاتي بطبيعته كائن اجتماعي يعيش على التصفيق كما يعيش السمك على الماء، فإذا انقطع عنه التصفيق جف حلقه وإذا ابتعدت عنه الكاميرا ذبلت روحه، ولذلك فإن أي مناسبة تضمن له صورة مع رجل نافذ، أو على الأقل خلفية ذهبية مضاءة تصبح عنده واجبا وطنيا لا يجوز التفريط فيه.

وليمة رمضانية مكتملة الأركان
الطريف أن بعضهم حاول أن يقنعنا بأن الحضور كان بدافع المحبة والتقدير وأنهم لبوا الدعوة لأنهم يؤمنون برسالة الفن وجسور التواصل الثقافي وكأن (السحور) كان ندوة فكرية عن مستقبل المسرح العالمي، لا وليمة رمضانية مكتملة الأركان لكننا شعب خبر هذه اللغة جيدا ونعرف أن جسور التواصل غالبا ما تبنى فوق موائد عامرة.
في تلك الليلة لم يكن الفول هو البطل ولا الكنافة ولا القطايف بل كانت الكاميرا هى الطبق الرئيسي، وكانت الابتسامة هة الصلصة السحرية، وكان التصفيق هو المشروب الغازي الذي ينعش الروح الفنية، فكل صورة تساوي عندهم عقدا محتملا، وكل مصافحة تساوي دورا قادما، وكل ضحكة عالية تساوي تصريحا صحفيا في الصباح التالي.
ولأن المشخصاتي بطبيعته لا يحب أن يفوته قطار فقد حضروا جميعا بلا استثناء، حتى من كانوا بالأمس القريب يتحدثون عن التقشف الفني وعن معاناة الصناعة، وعن ضيق الحال تحولوا فجأة إلى سفراء بهجة يوزعون الضحكات كما توزع الحلويات في العيد، فلا معاناة ولا شكاوى في حضرة المائدة الكبيرة.
والأطرف من ذلك أن البعض أخذ يكتب منشورات مطولة عن ليلة لا تنسى، وعن روح الأخوة وعن الدعم اللامحدود للفن، وكأن الفن كان ينتظر هذه الليلة ليولد من جديد، وكأن السينما لم تعرف الإنتاج إلا بعد التقاط تلك الصورة الجماعية التي تصلح لأن تكون ملصقا دعائيا لدرس في مادة الولاء العملي.
الناس في الشارع يتساءلون بدهشة: كيف اجتمع هذا العدد في وقت قياسي، بينما لو دعوا إلى فعالية تخص مهنتهم نفسها لتعلل نصفهم بالانشغال والنصف الآخر بالتصوير خارج البلاد، لكن يبدو أن البوصلة الفنية أصبحت تعمل بنظام الاستشعار عن بعد تلتقط إشارات الدعوات المميزة بدقة لا تخطئ.
ليس في الأمر سر كبير فالمهنة نفسها قامت منذ نشأتها على فكرة الضوء، ومن الطبيعي أن يميل أصحابها إلى أي مصدر إضافي للضوء، خصوصا إذا كان مصحوبا بموائد مفتوحة وأبواب واسعة وكلمات رنانة عن الدعم والرعاية، فالفنان عندنا قد يختلف على نص مسرحي أو على أجر فيلم، لكنه لا يختلف أبدا على قيمة الصورة المشتركة في لحظة مناسبة.

شيء من السخرية الصامتة
والغريب أن بعضهم بدا كأنه يحضر امتحانا عمليا في مادة الامتنان، فتراه يبالغ في الشكر ويطيل في الثناء ويستدعي مفردات ضخمة تكاد تلامس سقف القاعة، كل ذلك في سبيل تأكيد أنه كان هناك، وأنه جلس، وأنه أكل، وأنه ضحك، وأنه التقط الصورة من الزاوية الصحيحة.
في المقابل كان الجمهور يتابع المشهد بشيء من السخرية الصامتة، فالناس التي تكافح يوميا لتدبير لقمة عيشها رأت بأم عينها كيف يتحول (السحور) إلى عرض أزياء اجتماعي، وكيف يصبح طبق الفول جسرا للعلاقات العامة، وكيف تتحول المائدة إلى منصة عرض للولاءات المرنة.
ولأن السخرية قدر هذا البلد، فإن السؤال الذي دار في المجالس لم يكن عن طعم الطعام بل عن طعم الحضور، هل هو بدافع الحب أم بدافع الحسابات وهل هى سفرة عابرة أم رسالة مشفرة؟، لكن مهما تعددت التأويلات تبقى الصورة واضحة الجميع كان هناك، والجميع أراد أن يقال عنه إنه كان هناك.
المشهد كله بدا كأنه بروفة ضخمة لمسرحية عنوانها الكبير (فن الظهور في الوقت المناسب)، فكل واحد يعرف مكانه بدقة، ويعرف متى يبتسم ومتى يصفق ومتى يقترب خطوة ومتى يتراجع نصف خطوة حتى لا يخرج من الكادر، فالموهبة هنا ليست في التمثيل، بل في إدارة المسافة بين الكاميرا والكرسي الأقرب.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض هؤلاء الذين احتشدوا في تلك الليلة هم أنفسهم من يشتكون دوما من هيمنة رأس المال على الفن، ومن تغول المنتجين، ومن تراجع القيم الجمالية، لكنهم حين يلوح رأس المال من بعيد يتذكرون فجأة فضيلة التواصل وأهمية الشراكة وروعة الانفتاح.
إنها ليست أول وليمة ولن تكون الأخيرة، لكنها كشفت لنا بوضوح أن المشخصاتي في زمننا الحديث لم يعد ينتظر النص الجيد بقدر ما ينتظر الدعوة الجيدة، ولم يعد يسأل عن مضمون العمل بقدر ما يسأل عن قائمة الحضور، فالمعيار تغير والبوصلات أعيد ضبطها على اتجاه الضوء الأقوى.
وفي النهاية لا أحد يمنع أحدا من تلبية دعوة أو حضور (السحور) فهذه حرية شخصية، لكن ما يثير السخرية حقا هو هذا الإجماع الحديدي، وهذا الاصطفاف الكامل، وهذا التنافس المحموم على إثبات القرب، وكأن الغياب جريمة لا تغتفر، وكأن المائدة اختبار ولاء لا يقبل الرسوب.


مهرجان ولاءات موسمي
يا لها من ليلة أثبتت أن فن التمثيل عندنا لا يقتصر على الشاشة بل يمتد إلى الحياة نفسها، وأن بعض النجوم لا يحتاجون إلى مخرج ليقول لهم حركة لأنهم يتحركون تلقائيا نحو أي مصدر للضوء وأن السحور يمكن أن يتحول في لحظة إلى مهرجان ولاءات موسمي يختصر في صورة واحدة حكاية زمن كامل.
هكذا ببساطة اجتمعوا وأكلوا وابتسموا وعاد كل منهم إلى بيته يحمل في هاتفه دليلا دامغا على أنه كان جزءا من المشهد، أما الفن نفسه فقد بقي في الخارج ينتظر دعوة أخرى ربما تأتي وربما لا تأتي، لكنه تعلم درسا قاسيا في تلك الليلة مفاده أن الكاميرا أحيانا أهم من النص، وأن المقعد القريب أحيانا أهم من الدور الكبير، وأن المائدة العامرة قد تختصر طريقا طويلا من الكفاح.
يا خسارة يا مصر حين يصبح الحدث الفني مجرد صورة، وحين تتحول الموهبة إلى بطاقة دعوة، وحين يصبح السؤال ليس ماذا قدمت للفن بل أين جلست في السحور ومن صافحت قبل أن تبرد الكنافة وتنطفئ الأضواء.
ويبقى المشهد معلقا في ذاكرة الناس كواحد من أكثر عروض العام طرافة وسخرية دون أن يكون على خشبة مسرح، أو أمام شاشة سينما، بل حول مائدة قالت كل شيء دون أن تنطق بكلمة واحدة.. يكفي نداء (أبو ناصر) من المغنيه الصلعاء.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع