رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
(مي عمر) هزمت كل تصورات العالم، وكشفت سر قبح (الست موناليزا)
(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

(الموناليزا) أو (الجيوكاندا) كانت لوحة تحمل الجمال والاحترافية والغموض في آن واحد، وهى أحد أشهر اللوحات على مر العصور، سعى الكثيرون لسرقتها واقتنائها، بينما سعى آخرون للبحث عن سرها وكشفه!، حتى جاءت (مي عمر) بمسلسلها (الست موناليزا) لتنفض عنها غبار السنين، وتلبسها ثوب فتاة الاسماعيلية لتضفي عليها أجواء الكآبة والحزن بعد أن كانت لوحة ترمز للجمال والبراءة.

لطالما احتار أكبر الفنانين في الدقة التي رسمت بها هذه اللوحة، ومدى براعة (ليوناردو دافنشي) واحترافيته، لكن ليس هذا فقط ما حير العالم أجمع حتى اليوم، بل ظل لغز (الست موناليزا) غامضا أيضا، فلا توجد حقيقة واضحة وصريحة تجعلنا نجزم بهويتها بل جميعها مجرد أقاويل فسرها كل شخص برغبته، ليزداد الولع بهذه اللوحة دون غيرها.

لكن (مي عمر) هزمت كل تصورات العالم، وكشفت سر قبح (الست موناليزا) وكيف حصلت على هذه الشهرة الواسعة حين ألبستها شخصية فتاة الإسماعيلية بتفاصيلها القبيحة.

وبينما استخدم (ليوناردو دافنشي) في لوحته أسلوب فريد من نوعه وهو تصوير المرأة المرسومة من الجانب والإمام معا، ما أعطى اللوحة طابع ثلاثي الأبعاد قليلا، وساهم في إظهار تفاصيلها بشكل أوضح، إلا أن (مي عمر) أثبتت أن لها وجه واحد هو القهر والخوف والتثبث بمافرقات الميلودراما في سوداوية مطلقة.

لست أدري لماذا اختار صناع (الست موناليزا) تشويه اسم تلك اللوحة الجميلة بعدما ظلت السيدة المرسومة في لوحة (الجيوكاندا) سرا حتى اليوم، فلا أحد يعرف على وجه التحديد من هى، البعض يدعي أنها والدته، والبعض الآخر يقول أنها من نسج خياله، أو امرأة عابرة ألهمت خياله، بينما الست (مي عمر) كشفت السر وجعلتها شخصية كريهة وكئيبة إلى حد الاسمئزاز.

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
(الست موناليزا) بحسب (مي عمر) شخصية تمزج بين الكوميديا السوداء والدراما، كئيبة مبالغة في مشاعرها

كئيبة مبالغة في مشاعرها

أهم ما يميز لوحة (الجيوكاندا) عن غيرها هى الابتسامة الغامضة التي تزين وجها، لكن (الست موناليزا) بحسب (مي عمر) هى شخصية تمزج بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، كئيبة مبالغة في مشاعرها ودوافعها التي اختزلها خيال مؤلف غير واع بأبعاد ورمزية لوحة (الموناليزا).

ولهذا فقد انقسم الجمهور حول شخصية (الست موناليزا)؛ فبينما رآها البعض تمثيلا واقعيا للمرأة القوية التي تحاول حماية (مملكتها) الخاصة بأي ثمن، اعتبر آخرون شخصية سمية (Toxic) تروج لنموذج غير سوي في العلاقات الأسرية، خاصة في تعاملها مع من حولها ببرود شديد.

وجه البعض انتقادات أخلاقية حين رأو أن المسلسل يتجاوز الخطوط الحمراء في تصوير الصراعات العائلية والمؤامرات النسائية، بينما هنالك آخرون وجهوا إشادات فنية على مستوى الجرأة في كسر القوالب التقليدية للمرأة (المثالية) في الدراما العربية، وتقديم صورة أكثر تعقيداً وواقعية.

ومما لاشك فيه أنه كان هناك إجماع كبير على براعة الأداء التمثيلي من جانب (سوسن بدر، وأحمد مجدي)، لكن الجدل تركز على (تون) العمل، المدافعون: رأوا أن الغموض والبرود في الأداء يخدم فكرة المسلسل المبنية على الغموض (الذي يشبه لغز لوحة (الموناليزا)، أما المعارضون فقد شعروا أن إيقاع المسلسل كان بطيئا بشكل (مستفز) في بعض الحلقات.

حدث نقاش واسع حول: ما إذا كان مسلسل (الست موناليزا) يقتبس أحداثا حقيقية أم أنه مجرد خيال درامي، وهو ما جعل المشاهدين يحللون كل حركة وإشارة في الديكور والملابس للبحث عن رسائل مبطنة.

ومن وجهة نظري الشخصية أنه لتحليل حلقات مسلسل (الست موناليزا)، يمكننا تقسيم العمل إلى محاور درامية ونفسية تعكس أسباب الجدل الذي أثاره على النحو التالي:

 البناء الدرامي (تصاعد الغموض): بدأت الحلقات الأولى بإيقاع بطيء يبدو مدروسا لوهلة ، في محاولة لتعريفنا بعالم (الست موناليزا) المنغلق.. هذا البطء كان مقصودا من جانب المخرج لخلق حالة من التوجس لدى المشاهد.

نقطة التحول في منتصف الحلقات، أظهر أنه بدأ القناع يسقط عن الشخصيات، وتحولت الدراما الاجتماعية إلى ما يشبه (الثريلر) النفسي، حيث اكتشفنا أن كل شخصية في المنزل لديها سر تخفيه.

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
مي عمر ظهرت بوجه جامد في كل تحولات الشخصية

تعبيرات وجه جامدة

مسلسل (الست موناليزا) حلل فكرة (الأمومة المتسلطة) أو (المرأة القائدة) التي تظن أن حمايتها لعائلتها تبرر لها التحكم في مصائرهم، كما يبدو البرود العاطفي، حين تعمد المخرج إظهار البطلة بتعبيرات وجه جامدة (تشبه لوحة الموناليزا)، مما جعل الجمهور يتساءل طوال الحلقات: (هل هى ضحية لظروفها أم هي المحرك الأساسي للشر؟).

أظهرت الحلقات العشر الأولى فجوة كبيرة بين جيل (الست موناليزا) الذي يتمسك بالتقاليد والمظاهر الاجتماعية، وبين الجيل الأصغر الذي يحاول التمرد وكسر هذه القيود، وهو ما أدى إلى الصدامات العنيفة التي رأيناها في الحلقات (من الثامنة حتى العاشرة).

ربما هناك رمزية واضحة في الإخراج والديكور، فالمنزل كـ (سجن) تم تصوير معظم الأحداث داخل مكان مغلق بإضاءة خافتة، ليعكس الشعور بالاختناق الذي تعيشه الشخصيات تحت سلطة البطلة، فضلا عن استخدام الألوان الداكنة كان يرمز للسوداوية والماضي الذي يطارد الجميع.

تعتبر المواجهة الكبرى ولغز الدقيقة الأخيرة في مسلسل (الست موناليزا) هما ذروة العمل الفنية، حيث تحول المسلسل من دراما اجتماعية هادئة إلى (سيكودراما) أو (دراما نفسية) صادمة.

في مشهد المواجهة الكبرى، لم يكن الصدام مجرد شجار عائلي، بل كان تصفية حسابات تاريخية، بمعنى أن المخرج عمد إلى التعرية النفسية: لأول مرة نرى (الست موناليزا) تفقد سيطرتها وهدوءها الأيقوني.. المواجهة كشفت أن جبروتها ليس نابعا من القوة، بل من (الخوف من الفقد).

على مستوى لغة الجسد: استخدم المخرج زوايا تصوير قريبة جدا (Close-ups) لإظهار التناقض بين كلمات (موناليزا) القوية وارتعاش يديها، ما جعل الجمهور يتعاطف معها ويخاف منها في آن واحد بعض الوقت، كما كان الحوار باترا يعتمد على جمل قصيرة وصادمة، حيث واجهها الأبناء بحقيقة أن حمايتها لهم كانت في الواقع سوى سجن خنق أحلامهم.

الابتسامة الغامضة في اللقطة الأخيرة، نظرت البطلة إلى الكاميرا بابتسامة طفيفة تذكرنا تماما بـ (موناليزا) ليونادرو دافنشي.. هذه الابتسامة توحي بأنها لا تزال تسيطر على اللعبة، أو أنها حققت نصرا خفيا لا يعرفه أحد غيرها، إضافة إلى تعمد المخرج قطع الصوت أو وضع موسيقى تصويرية غامضة في اللحظة التي كانت ستنطق فيها بالسر الأخير.

مما ترك للمشاهد ثلاث احتمالات: أنها كانت تخفي جريمة قديمة لم تظهر للنور، أن كل ما حدث كان بتخطيط مسبق منها لتربية أبنائها (بالنار)، أو أنها ببساطة استسلمت لجنونها الخاص.

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
طوال الحلقات، كانت (الست موناليزا) تستمد قوتها من صورتها كإنسانة (لا تقهر) ومسيطرة تماما

إنسانة مسيطرة (لا تقهر) 

طوال الحلقات، كانت (الست موناليزا) تستمد قوتها من صورتها كإنسانة (لا تقهر) ومسيطرة تماما – وهذا هو أسلوب (مي عمر) المكرور في كل أعمالها – اعترافها بالهزيمة في الدقيقة الأخيرة يعني أنها أدركت أخيرا أن الخوف الذي زرعته لم يحفظ لها عائلتها، بل عزلها عنهم.. الابتسامة هنا هى (ابتسامة يأس)، شخص أدرك أن اللعبة انتهت ولم يعد لديه ما يخسره.

ربما تصدر مسلسل (الست موناليزا) قائمة الأعمال الدرامية الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تصدره نسب المشاهدة على منصة (شاهد) في عدد من البلدان العربية والأوروبية – بحسب تصريحات صناع – وهو في ظني جاء استنادا لإحصاءات مزيفة.

وعلى الرغم من النجاح الجماهيري المزعوم لمسلسل (الست موناليزا)، تبدو حبكة المسلسل تقليدية إلى حد بعيد، وتعتمد على تكرار نماذج درامية مألوفة، مع استثناء وحيد يتمثل في فكرة جمع البطلة بين زوجين، وهي النقطة التي يعود العمل إلى تفكيكها عبر تقنية (الفلاش باك) لكشف المسارات التي قادت إليها.

في مستهل العمل، تظهر عبارة (عن قصة حقيقية)، وهى جملة كانت كفيلة بإشعال موجة من التساؤلات لدى قطاع من المشاهدين: هل يمكن بالفعل وجود امرأة تبلغ هذا القدر من السذاجة أو التضحية غير المبررة؟، وكيف لعمل يقدم نفسه بوصفه واقعيا أن يزخر بكل هذه الثغرات المنطقية؟

ومن ثم تتراكم علامات الاستفهام، بدءا من غياب أي دور للأهل في السؤال عن العريس أو معرفة مكان إقامة ابنتهم بعد الزواج، مرورا بنقل الأثاث إلى منزل الزوجية عقب الزفاف مباشرة، وهو أمر لا يتسق مع العادات المصرية الشائعة، وصولا إلى عدم زيارة الأسرة لابنتهم لأشهر طويلة.

ويضاف إلى ذلك استمرار البطلة في تقاضي معاش والدها بعد الزواج، فضلا عن حصولها على قرض بضمانته، في مخالفة لا يجيزها القانون، هذه التفاصيل أثارت استياء عدد كبير من المتابعين، الذين شعروا بأن العمل لم يراع منطق الواقع أو ذكاء المشاهد.

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!

(مي عمر) تشوه لوحة (الست موناليزا)، وتقهر (ليوناردو دافنشي) في مرقده!
على الرغم من هذا الأساس الواقعي، يبقى العمل غير متماسك على مستوى السرد

عمل غير متماسك

وعلى الرغم من هذا الأساس الواقعي، يبقى العمل غير متماسك على مستوى السرد، ويعاني من مشكلات فنية حقيقية؛ أبرزها السيناريو المفكك الذي قدم معالجات سطحية وسريعة لقضايا حساسة، وعجز عن بناء دوافع مكتملة للشخصيات.

يضاف إلى ذلك التمثيل المتواضع من معظم طاقم العمل، على رأسم (مي عمر)، فضلا عن الحوار الضعيف المباشر، والخطوط الثانوية الباهتة، وأخيرا، الميل المفرط إلى الميلودراما والمونولوجات الدرامية الطويلة لاستدرار التعاطف لا أكثر، مع الاعتماد شبه الكلي على مفاجآت غير متماسكة من حيث البناء الدرامي بهدف رفع نسب المشاهدة.

طوال الحلقات العشر من المسلسل اشتعل الجدل سريعا حول مشاهد العنف وتعذيب الزوجة، لتجد الدراما نفسها في قلب سؤال نسوي ملح: هل نحن أمام عمل يفضح بنية القهر داخل مؤسسة الزواج، أم أمام معالجة درامية تعيد إنتاج صورة المرأة كضحية أبدية؟

هذه المقاربة لم تدعني أتعاطف مع (الست موناليزا)، خاصة على مستوى أداء (مي عمر) الذي اتسم بالمبالغة دون اللجوء إلى تكنيك احترافي يمكن أن يقنعي بأن هذا العمل مأخوذ عن قصة واقعية.

أغلب الظن أنه تم إضافة بهارات خاصة من جانب (مي عمر) على السيناريو، في محاولة لجذب جمهور صنفها في النهاية بأنها (أوفر) أكثر من اللازم، ويلزمها تدريب كي تحرك صورة وجهها الجامد، فقد فشلت في الانصهار داخل الشخصية بشكل حقيقي يؤكد أنها ممثلة تستحق إسناد دور بطولة كاملة لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.