رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟

محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
(الضحك) ليس مجرد استجابة عابرة لكلمة طريفة أو موقف خفيف.. إنه فعل إنساني مركّب
محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
محمد الروبي

بقلم الكاتب والناقد: محمد الروبي

مع ازدياد السخافات التلفزيونية التي تقدم إلينا كل عام تحت مسمى (الكوميديا) كان علينا العودة إلى البديهيات لنفهم أولاً ما (الضحك) وما الكوميديا – كنوع درامي – ومن ثم كيف تصنع. وهو ما سأحاول تقديمه في السطور التالية  ببساطة أرجو ألا تكون مخلة .

أتصوّر أن الحديث عن فنّ الكوميديا لن يستقيم إلا بالإجابة أولًا عن سؤال: لماذا نضحك؟

(الضحك) ليس مجرد استجابة عابرة لكلمة طريفة أو موقف خفيف.. إنه فعل إنساني مركّب، تتداخل فيه آليات الإدراك مع العاطفة، ويستجيب فيه الجسد لفهمٍ مفاجئ. نحن نضحك حين ينكسر توقّع، وحين تتكشف مفارقة، وحين يظهر تناقض بين ما اعتقدنا أنه ثابت وما يتضح أنه هش.

على مدى قرون، حاول الفلاسفة والعلماء تفسير هذه الظاهرة.. رأى أفلاطون، مثلًا، أن (الضحك) قد يرتبط بشعور خفيّ بالتفوّق؛ إذ نضحك أحيانًا حين نرى في الآخرين نقصًا لا نعترف به في أنفسنا.

أما أرسطو فميّز الكوميديا بأنها محاكاة للعيوب البشرية، ولكن من دون أن تبلغ حدّ الإيذاء أو الإذلال. ثم جاء سيجموند فرويد ليمنح (الضحك) بعدًا نفسيًا أعمق، معتبرًا إياه تفريغًا لتوترٍ مكبوت، وطريقة آمنة لإطلاق طاقة داخلية كانت تبحث عن مخرج.

إذا جمعنا هذه التصورات، أمكننا القول إن (الضحك) يولد في منطقة التناقض: التناقض بين التوقع والمفاجأة، بين الادعاء والحقيقة، وبين صورة الذات وواقعها.

من هنا يصبح السؤال التالي منطقيًا:

إذا كان (الضحك) استجابة لتناقض مُدرَك، فكيف نحول هذا الإدراك إلى فن؟ وكيف تُصنع الكوميديا؟

محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
الكوميديا ليست خفّة ظل، بل خفّة بناء.. ليست (إفيهًا) ناجحًا، بل موقفًا دراميًا محكمًا

الكوميديا ليست خفّة ظل

من الممكن أن يكون المرء خفيف الظل، سريع البديهة، حاضر النكتة.. لكن هذه الصفات، على أهميتها الاجتماعية، لا تصنع كاتبا كوميديا.

الكوميديا ليست خفّة ظل، بل خفّة بناء.. ليست (إفيهًا) ناجحًا، بل موقفًا دراميًا محكمًا.. ليست سرعة رد، بل تأمّلًا يكشف التناقض الكامن في السلوك البشري.

كاتب الكوميديا لا يطارد الضحكة بوصفها هدفًا مستقلًا، بل يبحث عمّا يجعل (الضحك) ضرورة درامية. هو لا يسأل: كيف أُضحك الجمهور؟ بل يسأل: أين المفارقة؟ أين الفجوة بين ما تريده الشخصية وما تستطيع تحقيقه؟ أين الاختلال بين الداخل والخارج؟

هنا تتحول الكوميديا إلى صناعة دقيقة: شخصيات تُبنى من الداخل، ورغبات واضحة تصطدم بعوائق حقيقية، ومواقف تتصاعد بمنطق، وتوقّع يُزرع بعناية في ذهن المتفرج، ثم يُكسر في اللحظة المناسبة.

إن الضحكة التي لا تنبع من هذا البناء تموت سريعًا، لأنها بلا جذور. أما الضحكة التي تصدر عن ضرورة درامية فتبقى، لأنها نتاج فهم.

محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
الريحاني، في (غزل البنات)، يقدّم شخصية تبدو في ظاهرها طريفة، لكنها في جوهرها مأزومة

(الضحك) بوصفه كشفًا إنسانيًا

إذا أردنا مثالًا تطبيقيًا على هذا الفهم، فلن نجد أوضح من تجربة (شارلي شابلن ونجيب الريحاني).

ما الذي يجعلنا نضحك اليوم كما ضحك جمهور الأمس؟

ولماذا لم تبهت كاريزما هذين الفنانين رغم تغيّر الأزمنة والأذواق؟

الجواب أن كليهما لم يعتمد على النكتة العابرة، بل على بناء التناقض الإنساني.

في فيلم (أزمنة حديثة) يتحول الإنسان إلى ترس داخل آلة ضخمة.. الضحك لا يصدر عن التعثر الجسدي وحده، بل عن المفارقة الكبرى (كائن صغير يحاول أن يحافظ على كرامته في عالم صناعي لا يعترف بفرادته).. الجسد يتعثر، لكن الإرادة لا تستسلم.. وهنا يتحول الضحك إلى تعاطف.

وفي (الطفل) يمتزج الهزل بالعاطفة في تركيب بالغ الحساسية.. الضحك لا ينفصل عن الحنان، بل يتجاور معه.. هذا المزج هو ما يمنح العمل عمقه واستمراريته.

أما الريحاني، ففي (غزل البنات) مثلا، يقدّم شخصية تبدو في ظاهرها طريفة، لكنها في جوهرها مأزومة.. الأستاذ البسيط الذي يحاول أن يبدو واثقًا في عالم لا يمنحه الثقة، هو صورة للإنسان العادي الذي يتشبث بكرامته رغم هشاشته.. نضحك من ارتباكه، لكننا ندرك أننا نشاركه هذا الارتباك.

كلا الفنانين اشتغلا على (الإنسان البسيط)؛ لا البطل الاستثنائي، على الفرد العادي الذي يصطدم بواقع أكبر منه، فيتولد الضحك من فجوة القوة بين الداخل والخارج، لكن التعاطف يمنع هذا الضحك من التحول إلى قسوة. وهنا تتحقق رؤية أرسطو: (محاكاة للعيب، دون تحطيم صاحبه).

محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
شارلي شابلن
محمد الروبي يكتب: (الضحك).. وكيف تُصنع الكوميديا بوصفها فنًا جادًا؟
نجيب الريحاني

عناصر البناء الكوميدي

الأن يمكننا تلخيص الصناعة الكوميدية في عدة عناصر أساسية:

أولها: القدرة على خلق مفارقة، أي أن تبني توقّعًا ثم تكسره بذكاء.

وثانيها: التوتر والتفريغ؛ توتر يخلقه تصعيد درامي يتبعه إطلاق للطاقة المكبوتة.

وثالثها: الإيقاع، وهو أمر يتجاهله الكثيرون، فيقعون في حيرة: لماذا لم يضحك الجمهور؟ هم لا يعرفون أن السر يكمن في توقيت الجملة أو الحركة؛ فالتأخر ثانية أو التقديم ثانية قد يفسد بناءً كاملًا.

وأخيرًا: الصدق الداخلي للشخصية؛ فالشخصية الجادة التي تحيا في عالم متناقض تولّد الضحك بطبيعتها.

ولنعد إلى (شابلن والريحاني): الأول اعتمد لغة الجسد والإيقاع البصري، أما الثاني فاعتمد النبرة والكلمة والإيقاع النفسي.. لكن المنهج في الحالتين واحد: (الضحك) نتيجة هندسة دقيقة، لا مصادفة عابرة.

ولهذا سيظل (شابلن)، بعصاه وقبعته، رمزًا للإنسان الصغير الذي يتحدى آلة العالم.. وسيظل (الريحاني)، بارتباكه النبيل، صورةً للكرامة الهشة التي نحملها جميعًا.

فإذا أردنا أن نصنع كوميديا حقيقية، فعلينا أولًا أن نفهم لماذا نضحك،

ثم نبني هذا الفهم.. دراميًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.