

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
لم يعد تسريب صور من شركة (باراغون سوليوشنز) الإسرائيلية مجرد خطأ تقني عابر، بل كشف عن حجم النشاط الخفي لشركات التجسس الرقمي وخطورته على الصحافة وحرية التعبير.. الواقعة تبرز هشاشة الحدود بين الأمن القومي وانتهاك الخصوصية، وتفتح سلسلة من الأسئلة حول دور هذه الشركات في العالم الرقمي الحديث، ومنها (باراغون سوليوشنز) بتقنية (غرافيت).
تسريب جزء من واجهة تشغيل برنامج تجسس داخلي على منصة (لينكد إن)، قبل أن يتم حذفه سريعًا، سلط الضوء على نشاط (باراغون سوليوشنز) الخفي عبر تقنية (غرافت) ، وما يثيره من شكوك حول تتبع الأفراد واختراق خصوصياتهم، خصوصًا الصحفيين والنشطاء حول العالم.
وأشار باحثون على منصة (إكس) إلى أن الصورة نشرت عبر حساب مرتبط بالشركة، ما أعاد النقاش حول طبيعة صناعة التجسس الرقمي وحدودها القانونية والأخلاقية إلى الواجهة، من خلال تقنية (غرافيت).
لم يعد الأمر مجرد خطأ تقني، بل يطرح تساؤلات جوهرية عن هوية الشركات المطورة لأدوات اختراق متقدمة، وعن دورها في عمليات التجسس العابرة للحدود، وهل تُستخدم هذه التقنيات فقط ضمن مظلة الأمن القومي، أم أنها أداة لملاحقة الصحفيين والمعارضين وتقويض حرية التعبير.
تأسست (باراغون سوليوشنز) عام 2019 في (تل أبيب) على يد مجموعة من الضباط السابقين في وحدات الاستخبارات الإسرائيلية، بمن فيهم القائد السابق لوحدة 8200 (إيهود شنيورسن)، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة مثل رئيس الوزراء الأسبق (إيهود باراك). هذا التأسيس يعكس ارتباط الشركة الوثيق بالبنية الأمنية والعسكرية منذ البداية.
تقدم شركة (باراغون سوليوشنز) نفسها كمطورة لأدوات (مراقبة موجهة) مخصصة للجهات الحكومية وأجهزة إنفاذ القانون، في محاولة للتمايز عن شركات أخرى واجهت فضائح كبرى. لكن التسريبات والتحقيقات الدولية أظهرت أن نشاطها يتجاوز الخطاب الرسمي حول الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات.

أدوات الاختراق
يركز نشاط الشركة على تطوير برمجيات اختراق متقدمة، أبرزها برنامج (غرافيت) القادر على النفاذ إلى تطبيقات المراسلة المشفرة مثل (واتساب)، (سيغنال)، و(فيسبوك ماسنجر)، واستخراج البيانات دون علم المستخدم، وأحيانًا دون أي تفاعل من الضحية.. توفر هذه الأدوات قدرات تحليل ومراقبة رقمية متقدمة للجهات الأمنية، مع تركيز خاص على جمع المعلومات الاستخباراتية من الهواتف الذكية.
رغم التأكيدات الرسمية على أن الأدوات مخصصة لمكافحة الجريمة والإرهاب، كشفت التحقيقات أن برمجيات الشركة استخدمت لاستهداف الصحفيين والنشطاء في أكثر من 25 دولة، ما يطرح تساؤلات حول حدود الرقابة الرقمية ومخاطرها على الحريات.
حصلت (باراغون سوليوشنز) على عقود مع جهات حكومية بفضل تقنية (غرافيت)، بينها مؤسسات أمنية أمريكية، ما أثار مخاوف حقوقية حول استخدامها في تتبع مهاجرين أو ناشطين أو معارضين سياسيين.
الصفقات الاستثمارية الكبرى، بما فيها الاستحواذ عليها من قبل صندوق استثماري أمريكي بمئات الملايين، تعكس الأهمية المتزايدة لسوق برامج التجسس التجاري عالميًا، لكنها أثارت قلقًا أمنيًا حول انتقال ملكية تكنولوجيا حساسة إلى جهات أجنبية.
بطبيعة الحال تمثل أدوات الشركة تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة وخصوصية الصحفيين. فبرنامج (غرافيت) يمكّن الجهات القادرة على شرائه من اختراق الهواتف الذكية للوصول إلى الرسائل والملفات والمراسلات المشفرة دون علم المستخدم، ما يتيح رصد تحركات الصحفيين ومصادرهم، ويعرضهم للضغط والملاحقة.
وهنا يشير خبراء حقوقيون دوليون إلى أن استخدام هذه البرمجيات لمراقبة الصحفيين يضعف الأطر القانونية الدولية لحماية حرية التعبير ويقوض حماية المصادر الإعلامية. أي تحقيق صحفي حساس يمكن أن يصبح هدفًا للاختراق، مما يهدد سلامة الصحفيين الميدانية ويحد من الشفافية في المجتمعات الديمقراطية.

انتهاك الصحافة وحرية التعبير
نشاط (باراغون سوليوشنز) جزء من شبكة واسعة من الشركات الإسرائيلية التي تطور أدوات تجسس رقمي، مثل (إن إس أو) المطورة لبرنامج (بيغاسوس)، و(NSC Global) و(Verint Systems). كشفت تحقيقات دولية عن استخدام هذه البرمجيات لاختراق هواتف الصحفيين والمسؤولين في مناطق حساسة حول العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
كما يتجاوز الاستخدام أحيانًا نطاق الأمن القومي ليصبح أداة ضغط على الصحفيين المستقلين، وتقويض حماية مصادرهم، وملاحقة التحقيقات الاستقصائية الحساسة، ما يضع الصحفيين أمام مخاطر شخصية وقانونية ويخلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية.
الأمر لا يقتصر على تلك الشركة فحسب، إذ شهدت السنوات الماضية سلسلة من الفضائح التي كشفت عن استخدام برمجيات التجسس المتقدمة المطورة من مجموعة NSO، الشركة الإسرائيلية المطورة لبرنامج (بيغاسوس)، في استهداف صحفيين ومراسلي إعلام دولية في أكثر من موقع حول العالم. تحقيقات مشتركة بين منظمات حقوقية مثل Citizen Lab وشبكة Forbidden Storie.
ومؤسسات إعلامية دولية كشفت أن نحو 36 صحفيًا من شبكة (الجزيرة) تم اختراق هواتفهم في عام 2020 باستخدام (بيغاسوس)، ما مكّن الجهات العميلة من الوصول إلى الرسائل والمراسلات الخاصة لهم دون علمهم، في سياق حملات مراقبة كانت ترتبط بمحاكمات سياسية أو حكومية في المنطقة.
كما تظهر بيانات أخرى أن البرنامج استُخدم في الفترة بين 2019 و2021 على نطاق واسع لاستهداف صحفيين ونشطاء في دول مثل الأردن، المغرب والهند، كما تم إدراج أكثر من 180 صحفيًا عالميًا كأهداف محتملة للتجسس عبر أرقام هواتفهم في تسريب ضخم لعام 2021، مما يثير مخاوف حقوقية كبرى حول التجسس على الإعلام المستقل.
كذلك وفي تطور أحدث يستهدف صحفيين في مناطق ديمقراطية، كشف تقرير لخبراء (Citizen Lab) في يونيو 2025 أن برامج التجسس المتقدمة المطورة من قبل شركة (باراغون سوليوشنز) الإسرائيلية – تحديدًا أداة (غرافيت) – استُخدمت لاستهداف أجهزة ثلاثة صحفيين بارزين في أوروبا، بينهم اثنان من محرري موقع التحقيقات الإيطالي (Fanpage.it).
مما أثار تحقيقًا برلمانيًا ومخاوف من إساءة استخدام هذه التكنولوجيا حتى في دول تعتبر ديمقراطيات.
التقرير ذاته أوضح أن بعض الهجمات تعود إلى أواخر أبريل 2025، وقد شملت الوصول إلى بيانات هواتف الصحفيين عبر ثغرات في تطبيقات التراسل المشفرة. هذه الوقائع تؤكد أن تهديدات التجسس الرقمي لم تعد محصورة في بعض الدول الاستبدادية، بل امتدت لتشمل الفاعلين الإعلاميين في أوروبا، ما أثار نقاشات قانونية وأمنية حول حدود استخدام هذه البرمجيات حتى في سياقات تُدَعى أنها مرتبطة بالأمن القومي

التهديد للصحفيين الفلسطينيين
من اللافت كذلك أن نشاطات شركات التجسس الرقمي الإسرائيلية لم تقتصر على الصحفيين العالميين فحسب، بل امتدت لتشمل الإعلاميين الفلسطينيين بشكل مباشر خاصة في أعقاب عملية (طوفان الأقصي) في السابع من أكتوبر 2023.
فقد وثّقت عدة تحقيقات استخدام برمجيات متقدمة لمراقبة هواتف الصحفيين والمراسلين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك تتبع الرسائل والمكالمات والملفات المخزنة في تطبيقات مشفرة مثل (واتساب) و(سيغنال).
هذا التتبع لم يقتصر على جمع المعلومات الاستخباراتية، بل أحدث تأثيرًا مباشرًا في خلق حالة من الرعب والرقابة الذاتية بين الصحفيين الفلسطينيين، مما قلل من قدرتهم على تغطية الأحداث السياسية والإنسانية بحرية واستقلالية.. النمط المتكرر يشبه ما جرى مع شركات أخرى مثل (إن إس أو)، حيث تُستخدم أدوات التجسس لملاحقة الأصوات الإعلامية المستقلة وكشف الانتهاكات.
تظل هناك حاجة ماسة لقيام وسائل الإعلام العربية والدولية بدور حيوي في فضح النشاطات القذرة لشركات التجسس الرقمي، خاصة تلك التي تستهدف الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين. الكشف عن استخدام أدوات الاختراق والتتبع الرقمي يساهم في حماية حرية الصحافة وحقوق الإنسان، ويضع ضغطًا على الجهات المستفيدة من هذه التكنولوجيا للامتثال للقوانين والأعراف الدولية.
وهنا يمكن للإعلام العربي نشر الوعي حول مخاطر هذه البرمجيات مثل (غرافيت)، وتسليط الضوء على تجاوزاتها والمطالبة بمساءلة الشركات والدول التي تستخدمها لملاحقة الأصوات المستقلة، ليصبح خط الدفاع الأول ضد التعتيم الرقمي ويعزز حماية الصحفيين والمجتمعات من الانتهاكات الرقمية.. وللحديث بقية.