

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
(صحاب الأرض) مسلسل تمنيناه وانتظرناه، انتظرنا أن يقول الفن المصري كلمته فيما تعرضت له غزة على مدار عامين وأشهر من حرب ظالمة استهدفت إبادة البشر وتدمير الحجر وتهجير أصحاب الأرض من وطنهم تحت تهديد أعتى الأسلحة الأمريكية.
انتظرنا أن يتماهى الفن المصري مع موقف مصر الدولة والشعب، الذي تم التعبير عنه بلغة الدبلوماسية ولغة الشارع كل الوقت منذ الاشتعال في أكتوبر 2023 وحتى اليوم والغد وبعد الغد، طالما أن العدو يمارس العربدة ويتجاوز القوانين والأعراف ويعتدي على القيم ويقتل ويحاول إذلال من لا يقبلون الذل.
انتظرنا عملاً يعبر عن نبض الشارع ومواقف الدولة التي رفضت العدوان وأدانت جرائمه وتصدت لمخططاته الخبيثة ومنعت التهجير، وقبل أن يهل هلال رمضان جاءتنا البشرى بوجود مسلسل (صحاب الأرض) ضمن الخريطة الدرامية الرمضانية، ليكون درة الإنتاج وأيقونة الإبداع.
دراما توقعنا لها النجاح منذ الإعلان عنها، فمجرد إنتاج عمل عن حرب غزة هو تعبير عن موقف منها ومحاولة لفضح ارتكابات العدو خلالها، وخصوصاً أن ما يمكن حكيه كثير كثير، في غزة وحدها 2 مليون حكاية تستحق أن تروى، أبطالها 2 مليون فلسطيني ذاقوا المر وصمدوا في وجه الظالمين وتشبثوا بالأرض وضحى منهم ما يقرب من 80 ألفاً بحياتهم.
وبمجرد علمنا أن مسلسل (صحاب الأرض) من إخراج (بيتر ميمي) أدركنا أنه سيفاجئنا بأفضل مما نتوقع، تاريخه يتحدث عنه، فهو الأكثر تصدياً للباطل والأكثر تعبيراً عن الحق، يكفيه ثلاثية (الاختيار) التي فضحت الإخوان بعد ثورة 30 يونيو، و(الحشاشين) الذي كشف جذور الإرهاب وتوظيف الدين لتحقيق مطامع خاصة واستباحة قتل من يناهض الفكر المتطرف.

بطولة الذين شاركوا فيه
أسماء الأبطال أيضاً أكدت أنه سيكون عملاً مختلفاً، (منة شلبي) فنانة لا تقبل أن يرتبط اسمها إلا بما يضيف إليها، و(إياد نصار) الذي عرفناه من خلال تجسيده لدور (حسن البنا) في مسلسل (الجماعة) للمبدع الراحل (وحيد حامد)، وقدم الكثير من الأعمال الناجحة.
وفي (صحاب الأرض) لا تتوقف البطولة عند (منة وإياد) فقط، ولكن كل الممثلين الذين شاركوا فيه أبطال، (كامل الباشا وآدم بكري وعصام السقا وتارا عبود وسارة يوسف وديانا رحمة وإياد حوراني)، جميعهم أبطال يتساوى في ذلك من أدى مشهداً واحداً مع من قدم أكبر عدد من المشاهد.
والبطولة فيه ليست للممثلين فقط ولكن لكل من شارك فيه خلف الكاميرا أو أمام الكاميرا، الديكور والإضاءة والتصويرلـ (حسين عسر) والمونتاج والموسيقى وغيرهم من عناصر العملية الإبداعية.
أما البطل الحقيقي في المسلسل فهو الموضوع والقضية، قضية شعب جار عليه الزمن ووقع في مصيدة الطامعين المحتلين الظالمين الحاقدين الضالين المضلِلين، إسرائيل وداعموها سواء بالمال أو بالدبلوماسية أو من خلال الإعلام أو الفن.
حرب غزة تابعناها عبر الشاشات التليفزيونية والإلكترونية ومواقع التواصل يوماً بيوم، ولا زلنا نتابعها، عرفنا عنها الكثير، تابعناها بعيون المراسلين والغزيين والمحللين والسياسيين وصناع القرار العالمي، شاهدنا مشاهد حية للقصف والقتل العشوائي والتدمير والتخريب.
ومشاهد حية للتجويع وحصار المستشفيات واستهداف النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والأطباء والمسعفين ورجال الدفاع المدني والإعلاميين، تابعنا الناس وهم ينزحون بمئات الآلاف من منطقة إلى أخرى حاملين القليل من متاعهم ومرضاهم وعجائزهم وأطفالهم.
تابعنا عدّاد القتلى والمصابين يوماً بيوم، ورغم كل ذلك إلا أننا أقبلنا على متابعة مسلسل “صحاب الأرض” بلهفة وشوق وكأننا نتابع دراما جديدة علينا تقدم لنا ما لا نعرفه، وبالفعل قدم لنا المسلسل ما لا نعرفه، تفاصيل حياة ووجع الناس، خوفهم وهلعهم والرعب اليومي الذي يعيشونه، معاناة الأفراد وتفتت الأسر، ومفاجآت استشهاد عائلات بأكملها ومفاجآت استشهاد أفراد يظنهم ذووهم أحياء.
عظمة مسلسل (صحاب الأرض) في أنسنته لفواجع الحرب، أخذ المشاهد معه ليتجول مع شخصياته داخل المستشفى وبين الركام وداخل البيوت في الضفة، عرفنا أكثر كيف أن البيت هوية والأرض شرف والهروب منها قضية شرف.

المقاومة ليست في حمل السلاح
لم يكتف مسلسل (صحاب الأرض) بتعريفنا بالجواسيس وحقد الاسرائيليين على كل مقاوم، بل أكد أن المقاومة لا تتمثل في حمل السلاح فقط وإنما كل متشبث بأرضه مقاوم وكل متحدّ للبطش الصهيوني مقاوم وكل مدافع عن حقه في الحياة مقاوم، وكل مساند وداعم لأهل غزة مقاوم.
وكل متطوع في مستشفى أو في دفاع مدني مقاوم، وكل سائق قاد شاحنة لإدخال المساعدات مقاوم، وكل مدافع عن الحق الفلسطيني سواء من أبناء فلسطين أو من أي مكان في العالم هو أيضاً مقاوم.
مأساة غزة تستلزم وحدها عشرات بل مئات المسلسلات والأفلام، ومأساة الضفة والقدس تستلزم التعبير عنها عبر كل الأدوات، وأي عمل حتى لو كان بسيطاً عن فلسطين سيجد من يصفقون له ولو على استحياء مثلما حدث مع الفيلم القصير (صوت هند رجب).
ومسلسل (صحاب الأرض) ربط بلغة فنية بارعة بين ما يحدث في غزة وما يحدث في الضفة، من خلال شخصية ناصر في غزة وبناته وجدتهم في الضفة، المعاناة ذاتها ولو كانت بأشكال مختلفة، فالهدف قتل وحصار وتضييق الحياة على كل ما هو فلسطيني حتى يرغم على ترك الأرض والهجرة.
ولكن الفلسطيني لن يترك أرضه وسيتصدى وسيقاوم وهو ما عبر عنه المسلسل من خلال عدة مواقف وعدة شخصيات، أبرزهم عم إبراهيم الذي جسده الفنان الفلسطيني (كامل الباشا)، كما أن المسلسل حسم موقفه من ذلك وبشكل قاطع من خلال اسم (صحاب الأرض).
أهم إنجاز حققه هذا المسلسل أنه استفز الاسرائيليين وجاء بمثابة صفعة لهم من مصر، وهم يدركون جيداً قيمة الفن والفنان المصري المؤثر والمشاهَد على مساحة الأرض العربية كلها كما أن ترجمة الحلقات بالإنجليزية تستهدف الوصول به وبما يحمله من حقائق كاشفة وفاضحة لممارسات الصهاينة إلى خارج المحيط العربي.
استفزهم في اسمه وفي مضمونه وفي حرفيته كتابة من خلال كل من (عمار صبري ومحمد هشام عبية) وإخراجاً للمبدع (بيتر ميمي) وتمثيلاً وديكوراً وغناءً، وكل شيء، وهو ما لم يثر حفيظة الإعلام الإسرائيلي الذي يعوي ندباً ليلاً ونهاراً من المسلسل متهمين إياه وصناعه بمعاداة السامية وخرق اتفاق كامب ديفيد.

(إيلا واوية) تخرج عن المنطق
بل أثار حفيظة الجيش الاسرائيلي لتخرج المتحدثة باسمه (إيلا واوية) عن المنطق والعقل وتحاول قلب الحقائق التي أصبحت واضحة وضوح الشمس للعالم كله لتهاجم المسلسل وتقول (الفن رسالة إذا كان نظيفاً، أما غير ذلك فهو غسيل عقول وتزييف للحقائق).
مدعية أنه (قلب القاتل إلى ضحية والضحية إلى متهم)، ووصفت (صحاب الأرض) بأنه ليس مجرد دراما بل تزوير وتزييف للحقائق، وهو كلام غير غريب على الدولة الصهيونية التي قامت على الكذب والتضليل والتزييف وجاءت حربها على غزة لتكشف حقيقتها الدموية واللإنسانية أمام العالم كله.
الفلسطينيون هم (صحاب الأرض)، والمسلسل عبر عنهم وتحدث بلسانهم وأدخل عليهم البهجة بعد أن تيقنوا أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الزيف الصهيوني والانحياز الأمريكي.
(صحاب الأرض) حقيقة وظفها المسلسل ليرد على الزيف الصهيوني، ومثل هذا العمل ينبغي أن نرى منه أجزاء عدة تؤكد المؤكد وتكشف الأكاذيب وتفضح دولة الإبادة.
ومثلما جاء (صحاب الأرض) صفعة على وجه الصهاينة جاء أيضاً صفعة على وجه المبتذلين في صناعة الدراما الذين يملأون الشاشات والحياة بلطجة وسخفاً وتفاهة.