

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
تابعت مقال الناقد (طارق الشناوي) الذي كتبه قبل ثلاثة أيام بعنوان: (الكبار حائرون.. يفكرون يتساءلون فى جنون)، ولاحظت أنه تعمد إثارة الجدل بتصريحاته المستفزة عن الكاتب الكبير (محمد جلال عبد القوي) بهدف ركوب (الترند)، وذلك في أعقاب رسالته الموجعة للشركة المتحدة، التي تجاهلت أعماله واستبعادها من خارطة رمضان للعام الرابع على التوالي.
(طارق الشناوي) عرف بالسطحية والسباحة ضد التيار حتي يبدو مختلفا في تناوله النقدي دون قراءة أو مشاهدة متأنية لأي من الأعمال التي يتعرض لها، ومنها بالطبع أعمال الكاتب العظيم (محمد جلال عبد القوي)، الذي أضاء حياتنا الدرامية بروائع الأعمال، لذا وقع في شرك الجهل بتعليقه على رسالة (عبد القوي).
فكيف يعترف بأنه ارتبط اسم (عبدالقوى) بالعديد من الأعمال الدرامية التى كانت الأسرة المصرية تتحلق حولها طوال شهر رمضان، ثم يخضعه لما أسماه (قانون العرض والطلب) الذي يتماشى مع منطق السوق، باعتبار أن الدراما سلعة تباع وتشترى، وظني أن قانونه لايقوم على أسس موضوعية في الاختيار، بقدر ما يخضع لأهواء شخصية التي لاتمت بصلة لواقع ما ينبغي أن يعرض على الجمهور.
نعم (طارق الشناوي) ناقض نفسه استنادا إلى مبدأ (خالف تعرف)، ادعى أن قانون العرض والطلب الذى من المفترض أنه عادل جدا، صار فاقدا العدالة والموضوعية، ومن ثم هو السبب في تجاهل أعمال (محمد جلال عبد القوي) واستبعاده من (جنة المتحدة) التي تدفع بالغث والتافه من دراما تخاصم الواقع في موسم رمضان وغيره من المواسم الموازية.
لقد أصابتني الدهشة من تساؤل (طارق الشناوي) – الذي يتجاهل تعاقد المتحدة قبل سنتين بالفعل – قائلا: (لست أدرى هل تم التعاقد معه أم لم يصل الأمر لتلك المرحلة، مع أنه يؤكد: من الواضح أن الأعمال التى تقدم بها، كما ذكر الأستاذ (محمد جلال عبد القوى)، تصب فى زيادة الوعى وتقديم رسالة إيجابية وطنيا ودينيا واجتماعيا.
وأضاف متلاعبا بالألفاظ من قبيل التقعير والتدليس والاستخفاف بعقولنا: (يجب أن نضع فى المعادلة أن الرسالة التى يحملها العمل الفنى لا تكفى، يجب التوقف أمام هذا العنصر (تكنيك) التناول تغير مع تغير أيضا كل الأجهزة التقنية، وهنا أتوقف عند تغاضية عن رسالة العمل)، وأتساءل بدوري: إذا اتيح لك أن تقدم عملا دراميا دون رسالة؟، فماهى وظيفة الدرما بالتحديد؟


لغة لا تواكب العصر الحالي
الغريب والمستفز في الأمر أنه اتهم الكاتب الكبير (محمد جلال عبد القوي) بأن لغته لا تواكب العصر الحالي، متشدقا بقوله: لنا أسوة حسنة فى كبار ظلوا قادرين على هضم الزمن، أتحدث عن مواهب فى العديد من المجالات، بحجم (نجيب محفوظ ويوسف شاهين ومحمد عبدالوهاب وصلاح طاهر وتوفيق الحكيم) وغيرهم.
ومع أنه لديّ يقين بأن (طارق) لم يقرأ السيناريوهات الأعمال التي تعاقد عليها الأستاذ (محمد جلال عبد القوي) مع المتحدة، وهى (علي إبراهيم – أبو الطب في مصر)، أو (أسد سيناء – سيد زكريا خليل)، أو (زين الحسني)، الذي يحكي قصة شاب انقذ مواطنا مصريا حاول أن يلقي بنفسه في النيل، فإنه تشدق بقوله: (يجب أن نذكر أننا شاهدنا فى السنوات الأخيرة بعض تجارب العودة لعدد من الكبار لم تكن أبدا تتوازى مع حالة الترقب والانتظار.
وهو هنا يشير بخبث إلى أن (محمد جلال عبد القوي) من بين هؤلاء الذين تتوازى أعمالهم مع حالة الترقب والانتظار، رغم أن (عبد القوي) لم يعرض له أي من إبداعه منذ آخر أعماله (شرف فتح الباب – 2008،) أي أنه لم يختبر في معمل (طارق الشناوي) وشلة المسيطرين على الإنتاج في المتحدة منذ 18 عاما.
يقول (طارق الشناوي) مشفقا على (عبد القوي) وأقرانه: (أدرك ما الذى يعنيه أن يكبت فنان إبداعه، لكنه ناقض نفسه بقوله: (مؤمن أيضا وبنفس الدرجة بأن الماضى الجميل لا يعنى بالضرورة أن المبدع لايزال محتفظا بلياقته الفينة، عليه هضم الأبجدية الجديدة فى التعبير).
لكنه تراجع ليقول: (يجب ألا نخلط الأوراق بين تناول واقع وكيفية التعبير عنه، من حق أى مبدع تناول كل الظواهر، والأعمال الوطنية أو الدينية لا تنجح لأنها كذلك، هذا لا يكفى، يجب أن تدعمها برؤية عصرية منذ كتابة النص وتسكين الأدوار والرؤية الإخراجية.. هناك عدد من المبدعين وقف على الخط فاقدا القدرة على التجدد، لا يدرك أن المشكلة لديه).
يا (أخي): كيف بالله عليك أن تلمح إلى أن (محمد جلال عبد القوي) بأنه يفتقد القدرة على التجديد وأنت الذي قلت من قبل أن (الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي) ركيزة أساسية في تاريخ الدراما العربية، وتحديدا في قدرته على رسم ملامح (البطل الشعبي) برؤية فلسفية واجتماعية عميقة؟
ألست نفسك الذي قلت: أن (محمد جلال عبد القوي) ليس مجرد كاتب سيناريو، بل هو أديب يكتب للدراما، وتثني دائما على قدرته في تقديم أعمال (ملحمية) (مثل سوق العصر، والمال والبنون) حيث لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يغلفها بصراع أزلي بين الخير والشر، وبين المبدأ والمصلحة.
وأشرت أيضا في كتاباتك ومداخلاتك التلفزيونية إلى أن (محمد جلال عبد القوي) يمتلك (ترمومتر) خاصا بالشخصية المصرية، كما ترى أن أعماله تمثل الدراما المحافظة بمفهومها الإيجابي، أي الدراما التي تتمسك بالقيم والأصول والشهامة، وتنتصر دائماً للحق في النهاية، وهو ما جعل أعماله تعيش طويلاً في وجدان الجمهور.
(فورمة) درامية ناجحة
كثيراً ما تحدثت يا (طارق) عن الكيمياء الخاصة التي جمعت بين عبد القوي والمخرج مجدي أبو عميرة، ويرى أن هذا الثنائي استطاع تقديم (فورمة) درامية ناجحة جدا جماهيريا وفنيا، حيث استطاع (أبو عميرة) ترجمة لغة عبد القوي الرصينة إلى كادرات بصرية قوية ومؤثرة.
ورغم التقدير الكبير للأديب (محمد جلال عبد القوي)، إلا أن طارق الشناوي (كعادته في الصراحة المزعومة) وجه أحيانا عتابا أو نقدا يتعلق الغياب، لقد أسف (الشناوي) في عدة مقالات على ابتعاد قامات مثل (محمد عبد القوي) عن الساحة في السنوات الأخيرة لصالح موجات جديدة من الكتابة قد تفتقر لنفس العمق.
يا أخ (طارق): كفاك عبثا وتناقضا في كتاباتك التي على ما مايبدو تتأثر بحجم المردود الذي تتلقاه، بل وللأسف تكتب على مقاسه، متناسيا أن التاريخ يقف لك بالمرصاد ويعد عليك أنفاسك، فما بين الشهيق والزفير تغير مواقفك طبقا للحاجة والطلب، ولست تكتب بوخز من ضمير حي يعنى بمصلحة الوطن والمواطن، بل تكتب لمصلحتك الشخصية، أو ما يجعلك تركب (الترند)على الأقل.
أيها الناقد الذي يسبح دوما ضد التيار، أحب أن أعرفك: أنه لم تقتصر مهمة (محمد جلال عبد القوي) الإبداعية على الحفاظ على الهوية المصرية فقط، وإنما أيضا على الهوية القومية العربية في غالبية أعماله الفاتنة بمنطق الدراما الحقيقية، وشيئا من هذا القبيل تجلى ذلك في مسلسل (المرسى والبحار)، وهذا دليل عملي على عبقريته وإبداعه الذي لا يصدأ ولا تغيره أعتي التقنيات الحديثة.
عند هذا الحد أتوقف وأكتفي بنشر مقاطع من رد (محمد جلال عبد القوي) البليغ على (طارق الشناوي) حيث يقول في أسى: (لسنا أهل الكهف أو عذير، لو تعرف حكايته لتتملكنا الغرابة ويطيح بنا التغريب كما تتصور، نحن من أرسى قواعد الدراما التلفزيونية وأبدعنا قمتها باعترافكم وإذا قدر لها العودة على رأس العالم العربي..
فلن يكون الأعلى أيدينا الجادة الحريصة على كرامة المواطن وإعلاء شأن الوطن، لا طرح الشخوص والقيم المتردية، التى لا تمت لمجتمعنا باعتراف رئيس الجمهورية).
واستطرد (محمد جلال عبد القوي): (إذا كان رأيكم أننا اغتربنا وفقدنا بوصلة الإبداع فما عليك إلا أن تدلنا على الدراما العصرية فيما يعرض – يقصد ما يقدم من عنف وقسوة ومخدرات وكوميديا تافهة – والتى تحب أن ننهج نهجها شريطة ألا يكون المحتوى كما ترى سيادتكم، وبالطبع لا أحسبك توافق على أن يكون هذا المحتوى هو المثل لشباب بلدنا العظيم وأطفاله أيضا، بالمناسبة أنا لم أطلب العمل ولن أطلب).

إصابه الجيل الذهبى بالصدأ
واختتم (محمد جلال عبد القوي): (أرجوك اقرأ رسالتى السابقة ستكتشف بسهولة أننى فقط لا أريد إلا عودة الأمور إلى نصابها وتصحيح المسار ولو على يد غيرى من كتاب الجيل الذى تتخوف أن يكون إصابه الصدأ، والحقيقة هذا الجيل الذهبى لن يطاله الصدأ، بل سيظل مشعا بالأصالة والنور طالما تعرض أعمالنا ويتحلق حولها أهلنا بلا خجل أو خوف من خدش حياء أو نابى الألفاظ).
وفي النهاية لابد لي أن أعيد وأكرر قولي ما ذكرته في مقالة أول أمس هنا في (شهريار النجوم): (بعد أن فاض الكيل، أتوجه للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي راجيا ضروة التدخل الفوري والسريع، في ظل السقوط المدوي للشركة المتحدة في (موسم ضبط معايير الدراما المصرية).
لقد نوهت سيادتكم قبل سنة، وأعدت التنويه قبل شهر تقريبا من بدء موسم رمضان 2026، (ولو كنت هنا قد أسمعت وناديت حيا)، فلا تدعني سيادتكم أنا وغيري أن نصاب باليأس ونقول (لا حياة لمن تنادي)، بعدما وصلنا إلى الدرك الأسفل في صناعة الدراما المصرية التي سبقتنا فيها الأمم جميعا، حتى الدول العربية الشقيقة التي دخلت المعترك مؤخرا، بينما نحن نتراجع ليس إلى الخلف بل ننحدر سريعا إلى حافة الهاوية!