محمد الروبي يكتب: طقس اللعنة السنوي.. لماذا نسب (رامز جلال) ونشاهده؟



بقلم الكاتب والناقد: محمد الروبي
في ظني أن السؤال لم يعد متعلقًا بالبرنامج الذي يقدمه (رامز جلال) بقدر ما أصبح متعلقًا بنا نحن، وبالطريقة التي نستقبل بها هذا الحدث المتكرر كما لو كان جزءًا ثابتًا من طقوس الشهر.
فمنذ اللحظة الأولى للإعلان عن برنامج (رامز جلال) تبدأ موجة الرفض، وتتعالى الأصوات التي تحذر من الإسفاف والانحدار، غير أن هذا الرفض نفسه يتحول، بهدوء ودون أن ننتبه، إلى إعلان غير مباشر عن موعد المشاهدة، وإلى مشاركة فعالة في صناعة الحدث الذي نزعم أننا نقاومه.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة ليست في ارتفاع نسب مشاهدة (رامز جلال) رغم الهجوم، وإنما في طبيعة هذا الهجوم ذاته، إذ يبدو وكأنه ضرورة نفسية واجتماعية معًا؛ ضرورة تتيح للمشاهد أن يحتفظ بصورة أخلاقية عن نفسه، حتى وهو ينجذب إلى لحظة الصدمة والتوتر.
فالتنافر بين ما نعلنه من قيم وما نمارسه فعليًا لا يُحل بالانسحاب، بل يُحل غالبًا بإدانة الشيء الذي نستهلكه، وكأن اللعن هنا ليس رفضًا خالصًا، وإنما تطهير رمزي يسمح بالاستمرار.


متنفس آمن
غير أن القراءة النفسية وحدها لا تكفي، لأن الظاهرة تتجاوز الفرد إلى المجال الاجتماعي الأوسع، حيث يعيش المجتمع ضغطًا متراكمًا يبحث عن متنفس آمن، وحيث تتحول الصدمة المصطنعة إلى مساحة تفريغ جماعي، يضحك فيها الناس لا لأنهم قساة، بل لأنهم مرهقون، ويشاهدون الخوف المعروض على الشاشة بوصفه خوفًا يمكن السيطرة عليه، ومن ثم يمكن احتماله.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم تلك اللذة الخفية التي تصاحب رؤية المشاهير في لحظة ارتباك، إنها (لذة كسر الهالة)، إذ لا يتعلق الأمر بالشماتة بقدر ما يتعلق بإعادة ترتيب رمزي للعلاقة بين النجم والمتلقي.
فالنجم الذي نراه طوال العام محاطًا بالشهرة والامتيازات، يظهر فجأة مرتبكًا وخائفًا، حيث تسقط الهالة للحظة، ويصبح الجميع متساوين أمام المفاجأة.. إنها لحظة تمنح المشاهد شعورًا خفيًا بالعدل الكوني، فيقول لنفسه في فرح: (ها هو أيضًا يخاف ويصرخ ويسب بأقذع الألفاظ!).

ذكاء لا يمكن إنكاره
ثم إن اختيار لحظة الإفطار تحديدًا يضيف بعدًا آخر إلى الصورة، لأن تلك اللحظة ليست مجرد وقت بث مرتفع المشاهدة، بل هى ذروة يوم كامل من الانتظار، وموضع اجتماع أسري نادر، وانتباه عاطفي مكثف.
ومن ثم فإن إدخال عنصر الصدمة في قلب لحظة الطمأنينة يصنع توترًا محسوبًا، يجمع بين الدعاء والضحك، وبين أول رشفة ماء وأول صرخة على الشاشة، في تداخل يبدو متناقضًا ظاهريًا، لكنه من الناحية الإعلامية بالغ الذكاء، لأنه يستثمر لحظة التوقف الجماعي التي لا تتكرر في أي وقت آخر من اليوم.
وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة المجال العام المعاصر، حيث تتحول مشاهدة (رامز جلال) إلى مادة فورية للتعليق والتداول، أدركنا أن الغضب لم يعد انفعالًا عابرًا، بل صار شكلًا من أشكال الحضور الاجتماعي، فالمشاركة في الهجوم تمنح صاحبها موقعًا أخلاقيًا ورمزيًا، وتجعله جزءًا من النقاش العام، حتى لو كان هذا النقاش نفسه يعيد إنتاج ما ينتقده.
وهكذا يصبح ما يمكن تسميته بـ (اقتصاد الغضب) جزءًا من آلية العمل، إذ يتغذى البرنامج على الاعتراض كما يتغذى على الإعجاب، بينما يظل الجمهور مقتنعًا بأنه خارج اللعبة.
من هنا لا يبدو نجاح برنامج (رامز جلال) لغزًا بقدر ما يبدو مرآة، لأنه يكشف عن مجتمع يعيش توترًا دائمًا بين المثال والواقع، ويحتاج إلى لحظة جدل مشتركة بقدر حاجته إلى لحظة ضحك، ويبحث عن موضوع يتفق على رفضه كما يتفق على متابعته.. ولذلك فإن السؤال لم يعد “هل البرنامج جيد أم رديئ”، بل “لماذا أصبح اللعن نفسه طقسًا لا يكتمل المشهد بدونه؟!
هذا ما أظن.. والله أعلم.