
بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
أعرف بالعمر والخبرة أنه لا يجوز النقد لعمل فني من حلقاته الأولى، ولكن ومنذ الإعلان عن مسلسل (صحاب الأرض) توقعت عملاً يستحق الإشادة والاهتمام، وخصوصاً حين وجدت العمل من إخراج المبدع (بيتر ميمي)، وبطولة الموهوبة صاحبة العيون المعبرة (منة شلبي) التي أتابع أعمالها باهتمام، فهي تقبض على مكنون الشخصيات التي تتقمصها وتساعدها عيونها المعبرة.
هذه هى هم أدوات الممثل، وأتذكر لمن لا يعرف عيون (أودري هيبورن، سالي فيلد سير أنطوني هوبكينز، آل باتشينو، سوزان ساراندون)، ومن مصر (عمر الشريف محمود المليجي، زكي رستم، سعاد حسني، أحمد زكي) تلك فقط أمثلة.
مع بدايات تترات مسلسل (صحاب الأرض) في الحلقة الأولى وعيون (منة شلبي) تشاهد من زجاج الميكروباص وهى تعبر من معبر رفح المصري، إنها طبية الحالات الحرجة، تعبر لتساعد أهالي غزة المنكوبة ببشاعة الاحتلال الدموي قاتل الأطفال.
وتظهر كادرات المخرج انعكاسات الدمار والفزع في كلوز (لقطة مكبرة للوجه) وبدون أي مكياچ للطبيبة، وهى تنظر للهدم والخراب والنار والمعاناة، ثم التتر والشجن في اختيار الأغنية، وهى من الفولكلور الفلسطيني، وتقول الكلمات مع أداء ناي البرغوثي وأمير عيد:
(يمه الهوا يمه مويلية
ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا
ياليل طاح الندى يشهد على جراحي
وانسل جيش العدا من كل النواحي
بارودةالجبل اعلى من العالي
بارودة الجبل أعلى من العالي
مفتاح درب الأمل والأمل برجالي
يا شعبنا البطل أفديك بعينا).


الإنسانية بوثيقة فنية
يظهر أبداع مخرج (صحاب الأرض)، فيقدم لقطات لأمهات تحاول البقاء وشباب مطارد وأطفال وبقايا لعب الأطفال، وقد دمرتها جحافل الجيش الذي حاول الكاذبون في دولة الاحتلال تصديره بوسائل الأكاذيب الإعلامية.. إنه جيش أخلاقي ففضحتهم غزة.
وتصوير كيف تعامل الاحتلال مع الجثث، وكيف يقذف بها من أعلى المنازل، وكيف يعامل الأسرى؟، وجاء (صحاب الأرض) يسجل للتاريخ وللمتجاهلون وأعداء الإنسانية بوثيقة فنية، حيث تقدم بشاعة استخدام القوة بصلف وقسوة سيتذكرها التاريخ وكل صاحب قلب رحيم.
لقد انزعج الاحتلال ومن الحلقة الأولي، فكانت طلقة في جسد المحتل ستعيش ليشاهد العالم، ولن يعيش محتل أكدت أفعاله، أنها طلقات في جسد كل شعارات الإنسانية والرحمة وقوانين الحرب في مراعاة المدنيين والأطفال والنساء ومعاملة الأسرى وشعارات حقوق الإنسان والحيوان.
لقد فضحت غزة أكاذيب وشعارات امتهنت في غزة نحن أمام عمل يؤكد قيمة الفن المصري الواع بدور الدراما في تقديمة قيمة مضافة للجمهور وللأجيال القادمة، فمصر قدمت الولاء للوطن في فيلم (في بيتنا رجل)، وأفلام قدمت ملاحم حرب السادس من أكتوبر، وشاهدنا ايضاً فيلم (الممر).
ومن الحلقة الأولى من (صحاب الأرض) تأكدت أنني أمام عمل يستحق الاهتمام، فمع أداء المبدعة الموهوبة (منة شلبي) كان اختيار الرائع (إياد نصار) موفق وإضافة، وساعدت لغتة الصحيحة في الأداء فهو من أصول فلسطينية إلى تأكيد المصداقية، ثم جاءت نهاية الحلقة الأولي شديدة الذكاء المهني.
فالنهاية هي تدمير غرفة عمليات وطفل تحاول الطبيبة المصرية إنقاذه وانفجار ضخم تنتهي به الحلقة.. نهاية شديدة الجذب للمشاهد، وهنا نعرف أن هذا المحتل هو المدمر للمستشفيات دون أي رحمة أو معايير إنسانية، إنه المحتل الذي يقتل الأطباء والأطفال والمرضى، لم انتظر لنهاية الحلقات، ولكن تأكدت مقولة الجواب يعرف من عنوانه، سأتابع الحلقات وسأكتب بالتفصيل بعد نهايته.
وهنا أقول أن الدراما المصرية تستطيع تقديم أعمال تضاف لتاريخ حافل بما نفتخر به.


قيمة اشتباك الدراما المصرية
عظمة مسلسل (صحاب الأرض) أنه يكرس لقيمة الأرض والوطن والمنزل، وكيف تكون الأرض هوية وذاكرة وليست فقط جغرافيا.. إننا أمام عمل يكرس لقيمة الصمود وكيف لا يكون الصمود بالشعارات، إنما الصمود رغم المعاناة والصراع من أجل الماء والبقاء والأسرة والانتماء.
تلك قيم تستحق المتابعة من خلال عمل فني تمت صياغته بمهنية رفيعة المستوي فكانت الموسيقي للمبدع (أمين بوحاقة) من نسيج التراث الفلسطيني فكانت إضافة للسرد ولم تكن فقط للتجميل الزخرفي، فقد استخدم أسلوب النقر المتقطع الاستيكاتو staccato على بساچات آلة التشيللو لمنح الشجن المكبوت والنقر يضيف التوتر والقلق.
لقد أعاد (صحاب الأرض) قيمة اشتباك الدراما المصرية مع القضايا الإنسانية العربية.
شكراً كتيبة الإبداع لهذا العمل الذي يستحق الاحتفاء والتقدير، التأليف (عمار صبري، ومحمد هشام أبو عبية)، والإخراج للمبدع بيتر ميمي أداء تمثيلي متألق ملتحف بصدق، (كامل الباشا وعصام السقا وتارا عبود) لقد شاركتم في ملحمة تسجل بشاعة محتل لن تغفرها البشرية والانسانية.
ونضال شعب صاحب الأرض يؤكد أنه لا بقاء لمحتل رغم أكاذيب ومحاولات طمس الحقائق وإبادة الأخضر واليابس، ولكن عظمة التمسك بالأرض فضحت انتهاكات المحتل والصمود بذرة لإنبات الحرية.