رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
منذ الحلقة الأولى يبدو واضحا أن العمل لا يريد تقديم حكاية تقليدية عن الحرب
(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

رغم أجواء من الكآبة التي يراها كثيرون تخيم على أجواء مسلسل (صحاب الأرض)، إلا أنه يبدو من المشهد الأول أننا أمام درما توثيقية توضح أبعاد أفعال (أبالسة الأرض) الإجرامية من جانب ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي، الذي يتشدق قادته بمواجهة إرهاب (حماس) والشعب الفلسطيني الأعزل الذي كل ذنبه أنه يمثل مقاومة مشروعة تدافع عن الأرض والعرض أمام غطرسة القوة المفرطة.

وعلى الرغم أنه من المبكر تناول عمل بعد عرض حلقات قليلة، لكن العمل يستفزك للكتابة بصناعته شديدة الإبداع على مستوى الصورة والرسالة التي يسعى المسلسل لإثبات فصول قبح أفعال العدو الإسرائيلي – بما يؤكد أن الجواب يبان من عنوانه – الذي يحاول محو الأرض والبشر والحجر من ذاكرة الفلسطينين المكلومين بضحاياهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

ومن هنا يأتي مسلسل (صحاب الأرض) المغزول بعناية شديدة على مستوى الأداء والإخراج والتصوير والديكور والإضاءة، وموسيقى (أمين بوحافة) التصويرية بالغة الأثر، ليضع المشاهد نفسه داخل هذا التحدي الصعب: كيف يمكن للدراما أن تروي قصة حرب دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو إلى استغلال عاطفي للمعاناة؟

(صحاب الأرض) الذي تقوم ببطولته (منة شلبي) ويشاركها البطولة (إياد نصار)، ويحمل توقيع المخرج المبدع (بيتر ميمي)، يقدم محاولة درامية لرصد ما يحدث داخل غزة من خلال حكاية إنسانية شخصية، ليذكرنا بأجواء (طوفان الأقصى) الذي اندلعت شرارته الأولى في السابع من أكتوبر 2023، ليسجل أمام الضمير الإنساني أفعال الجيش الإسرائيلية في حرب الإبادة الجماعية.

منذ الحلقة الأولى يبدو واضحا أن العمل لا يريد تقديم حكاية تقليدية عن الحرب، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية داخلها، فالحروب في الأعمال الدرامية غالبا ما تتحول إلى خلفية للبطولات أو المؤامرات السياسية، لكن (صحاب الأرض) يختار زاوية مختلفة: الإنسان العادي الذي يجد نفسه داخل الكارثة.

وأيضا من اللحظة الأولى يختار (صحاب الأرض) أن يبدأ من نقطة إنسانية واضحة: طبيبة مصرية تدعى (سلمى شوقي) تعمل في قسم الحالات الحرجة داخل غزة، ضمن قافلة إغاثة، حيث تجد نفسها أمام مشاهد الموت والدمار يوميًا.

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
فالمسلسل لا يريد أن يحكي قصة حرب بقدر ما يريد أن يحكي كيف يعيش الناس داخلها

ليس مجرد خلفية درامية

هذا الاختيار ليس مجرد خلفية درامية، بل هو مركز الفكرة، فالمسلسل لا يريد أن يحكي قصة حرب بقدر ما يريد أن يحكي كيف يعيش الناس داخلها.. ولعل المشاهد  هنا يدرك أن الحرب هنا ليست حدثا بعيدا، بل حالة يومية: (جريح يدخل المستشفى، طفل يبحث عن أسرته، أب يفتش عن ابنه المفقود وسط القصف).

من هذه الزاوية يبدو العمل أقرب إلى (دراما الشهادة التوثيقية) منه إلى الدراما التقليدية.. فهو يضع الإنسان في مواجهة التاريخ، ويجعل السؤال الأساسي: (ماذا يفعل البشر عندما يصبح البقاء نفسه انتصارا؟).

تقدم (منة شلبي) بلغة جسد بالغة الدقة والاحترافية أحد أهم الأدوار التي تناسب طبيعة أدائها المعروفة بالبساطة والتوتر الداخلي.. فشخصية (سلمى) ليست بطلة تقليدية، ولا تملك خطابا سياسيا واضحا، بل تعيش صراعا نفسيا مستمرا بين مهنتها كطبيبة وصدمة الواقع الذي تواجهه.

ولابد لي من القول أن ما يميز أداء (منة شلبي) في مسلسل (صحاب الأرض) هو الاعتماد على التفاصيل الصغيرة، من خلال نظرات طويلة بعد كل عملية جراحية، بينما صمت ثقيل يعتريها أمام حالات الموت، وتلك اللحظات من انكسار الإنسانية بعيدا عن الميلودراما، وظني أن هذا النوع من الأداء يمنح الشخصية صدقا كبيرا، ويجعل المشاهد يشعر أن ما يحدث ليس مجرد تمثيل، بل تجربة إنسانية حقيقية.

(منة شلبي) في (صحاب الأرض) تعود إلى المنطقة التي نجحت فيها كثيرا سابقا: من خلال الشخصية التي تقف على الحافة بين القوة والانهيار، بأداء يجمع بين العفوية وقوة الإرادة التي على مايبدو أنها تتخذ منهجا تجهز نفسها من خلاله في كل مرة تخوض فيها غمار الأداء الصعب.

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
(منة شلبي) تعد واحدة من الممثلات القادرات على تقديم الأداء الداخلي المعتمد على التفاصيل الدقيقة

واحدة من الممثلات القادرات

ولابد من التأكيد هنا أن (منة شلبي) تعد واحدة من الممثلات القادرات على تقديم الأداء الداخلي المعتمد على التفاصيل الدقيقة، وهو ما يظهر بوضوح في هذا العمل، وساعدها في هذا الكاتبين: (عمار صابر ومحمد هشام عبية)، في رسم ملامح شخصية سلمى المكتوبة بطريقة تسمح للممثلة بالاعتماد على الصمت بقدر اعتمادها على الحوار.

تأملها مليا في كثير من المشاهد، فهي لا تقول الشخصية شيئا تقريبا، لكن الكاميرا تلتقط ارتباكها أو تعبها أو شعورها بالعجز.. هذه المساحة الهادئة تمنح الأداء صدقا كبيرا، وتبعده عن الميلودراما التي تقع فيها بعض الأعمال التي تتناول الحروب.

بينما يقف أمامها في مسلسل (صحاب الأرض) الفنان المتألق (إياد نصار) بلهجة فلسطينية متقنة للغاية في ذهاب حر نحو آهاب شخصية الأب الفلسطيني الذي يحاول العثور على ابنه وسط الحرب.. هذا الخط الدرامي قد يبدو مألوفا، لكنه يؤدي وظيفة مهمة في البناء الدرامي، وهو ما حققه (إياد نصار) ببراعة أدائه.

فالشخصية هنا لا تمثل فردا فقط، بل تمثل فكرة الأب الذي يبحث عن معنى للحياة داخل الفوضى، ومن ثم فوجوده في القصة يخلق توازنا مع شخصية الطبيبة المصرية. فبينما تمثل هى (المساعدة القادمة من الخارج)، يمثل هو (الإنسان الذي لا يستطيع الهروب) أمام ذلك المصير المجهول.

هذه الثنائية تعطي المسلسل بعدا رمزيا واضحا: (النجاة مقابل البقاء)، ولعل أحد الخيارات الدرامية الأساسية في (صحاب الأرض) هو إدخال قصة حب تنشأ وسط الحرب، هذا الاختيار قد يثير الجدل دائما في الأعمال التي تتناول المآسي الكبرى، فالبعض يراه محاولة لتخفيف قسوة الواقع، بينما يراه آخرون تبسيطًا للكارثة.

لكن المسلسل يحاول استخدام العلاقة العاطفية كوسيلة لفهم الشخصيات، لا كغاية درامية بحد ذاتها، بل إن الحب هنا ليس رومانسية تقليدية، بل حالة إنسانية تشبه التشبث بالحياة، في عالم ينهار كل شيء فيه، يصبح مجرد الشعور بشخص آخر شكلًا من أشكال المقاومة.

أحداث (صحاب الأرض) تقدم لنا غزة كشخصية درامية، فالمدينة نفسها تتحول في العمل إلى شخصية، فغزة في المسلسل ليست مجرد موقع للأحداث، بل بيئة حية مليئة بالتفاصيل: (المستشفيات المزدحمة، الأزقة المهدمة، البيوت التي تحولت إلى ملاجئ)، هذا الاستخدام للمكان يمنح المسلسل ثقلا واقعيا، فالمشاهد لا يرى فقط الشخصيات، بل يرى العالم الذي تعيش فيه.

أحد أكبر التحديات في (صحاب الأرض) أنه من الأعمال التي تحاول تحقيق التوازن بين الواقعية والدراما، فالواقعية وحدها قد تجعل العمل أقرب إلى فيلم وثائقي، بينما الدراما المبالغ فيها قد تفقده مصداقيته.

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
وهذا الأسلوب ينسجم مع اتجاه جديد في الدراما المصرية يميل إلى التكثيف

دراما التكثيف المصرية

من خلال الحلقات الأولى حتى الآن يبدو أن (صحاب الأرض) يحاول السير في المسافة بين الاثنين، في ظل وجود مشاهد إنسانية هادئة، وأخرى مشحونة عاطفيا، لكن دون إفراط واضح في الخطابة، وهذا الأسلوب ينسجم مع اتجاه جديد في الدراما المصرية يميل إلى التكثيف، خصوصًا مع المسلسلات القصيرة ذات الـ 15 حلقة.

الإخراج يعكس بصمة (بيتر ميمي) المعروف بأعمال تميل إلى الإيقاع السريع والبناء المشهدي الواضح، في (صحاب الأرض) يبدو أنه يحاول تقديم أسلوب مختلف قليلًا: إيقاع أبطأ، لقطات أطول، ومساحات صمت أكبر، ومن هنا أرى أن هذه الاختيارات تناسب طبيعة القصة، لأن المشاهد المعتاد على الدراما السريعة قد يجد نفسه أمام عمل أكثر تأملًا، لكن في المقابل، هذا ما يمنح المسلسل طابعه الخاص.

قلت في البداية أنه يبدو من الصعب مبكرا الآن الحديث عن عمل يدور في غزة دون التطرق إلى البعد السياسي، لكن مسلسل (صحاب الأرض) يحاول أن يضع القضية الفلسطينية في إطار إنساني أكثر من كونه خطابا سياسيا مباشرا، فهو يركز على معاناة الناس داخل الحرب وعلى فكرة البقاء والأمل.

يبدو واضحا أن هذا الاختيار مقصودا لتوسيع نطاق التعاطف مع الشخصيات بدل الدخول في جدل سياسي مباشر، لكن في الوقت نفسه يظل العمل جزءًا من سياق ثقافي أكبر، حيث أصبحت الدراما إحدى الوسائل التي تُستخدم لطرح القضايا الكبرى في المنطقة.

تظهر قوة مسلسل (صحاب الأرض) تكمن في عدة عناصر: على مستوى الموضوع يأتي اختيار الحرب في غزة كخلفية درامية يمنح العمل ثقلًا إنسانيًا وسياسيًا، وعلى مستوى الأداء التمثيلي وجود ممثلين مثل منة شلبي وإياد نصار يمنح الشخصيات عمقًا حقيقيا.

ومن عناصر القوة في (صحاب الأرض) هو التكثيف في عدد الحلقات المحدود، وهو يمنع الترهل الذي تعاني منه كثير من المسلسلات الرمضانية، إضافة إلى التنوع العربي في فريق العمل، من خلال مشاركة ممثلين من مصر وفلسطين والأردن تضيف مصداقية للعمل.

من الناحية البصرية، يتبنى المسلسل أسلوبا يقترب من الواقعية الحديثة في التصوير، لا تعتمد الكاميرا على التكوينات الجمالية الصارخة أو اللقطات الاستعراضية، بل تميل إلى لقطات قريبة نسبيًا من الشخصيات، ما يخلق شعورًا بالاختناق أو القرب المفرط من الحدث.

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!

(صحاب الأرض).. دراما متقنة توثق شهادة إنسانية على فعل الأبالسة!
هذه البساطة تخفي بناء دراميا أكثر تعقيدا

بناء درامي أكثر تعقيدا

يعتمد المسلسل على بنية سردية تبدو للوهلة الأولى بسيطة: طبيبة مصرية تصل إلى غزة للعمل في مستشفى ميداني، لتجد نفسها داخل واقع يتجاوز قدرتها على الفهم. لكن هذه البساطة تخفي بناء دراميا أكثر تعقيدا.

فالسرد لا يتقدم وفق حبكة تقليدية تعتمد على الصراع والحل، بل يتشكل عبر سلسلة من المواقف الإنسانية.. كل حلقة تقريبا تقدم حادثة أو تجربة جديدة، ما يجعل المسلسل أقرب إلى سرد فسيفسائي تتجمع أجزاؤه تدريجيًا لتشكل صورة كلية للحياة تحت الحرب.

هذه التقنية تمنح العمل طابعا شبه وثائقي، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتكثيف المعنى، فبدل أن يروي المسلسل قصة واحدة كبيرة، يقدّم مجموعة من القصص الصغيرة التي تتقاطع حول محور واحد: محاولة الإنسان الحفاظ على إنسانيته في ظروف غير إنسانية.

وفي النهاية، قد لا يكون الهدف الأساسي من (صحاب الأرض) تقديم تحليل سياسي للحرب، بل توثيق أثرها على البشر.. الدراما هنا تتحول إلى نوع من الذاكرة الجماعية؛ وسيلة لتذكيرنا بأن وراء الأرقام والأخبار وجوها وقصصا حقيقية.

بل يبدو لنا جميعا أن (صحاب الأرض) ليس مجرد مسلسل مستقل، بل جزء من اتجاه واضح في الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، وذلك من خلال العودة إلى الأعمال التي تناقش القضايا السياسية والتاريخية، ولكن من خلال قصص شخصية، هذا الاتجاه يبتعد تدريجيا عن المسلسلات الاجتماعية التقليدية، ويتجه إلى ما يمكن تسميته الدراما الجيوسياسية.

كما يبدو أن مسلسل (صحاب الأرض) يحاول أن يكون أكثر من مجرد عمل رمضاني.. إنه محاولة لاستخدام الدراما كوسيلة لفهم تجربة إنسانية قاسية وأنبه أن نجاحه الحقيقي لن يقاس فقط بنسبة المشاهدة، بل بقدرته على جعل الجمهور يشعر بأن الشخصيات ليست بعيدة عنه.

ومع ذلك يختلف إيقاع (صحاب الأرض) عن كثير من المسلسلات الرمضانية التي تعتمد على التشويق السريع.. فالإيقاع هنا أبطأ نسبيا، ما يسمح بتراكم الحالة النفسية بدل التركيز على الأحداث الكبرى، وهذا هو سر تفوق صناع المسلسل كي يؤكدون قوة تأثير الدراما في نفوسنا جميعا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.