

كتب: محمد حبوشة
خلال الأيام القليلة الماضية، اشتعلت السوشيال ميديا بهجوم ضاري ضد مسلسل (كلهم بيحبوا مودي) للفنان المهذب والمحترم (ياسر جلال) الذي يدخل به في خضم السباق الرمضاني الغارق في خضم الموبقات، على جناح الكوميديا لأول مرة، حيث تعرض لحملة عشوائية تطالب بوقف المسلسل، بحجة أنه لا يليق بعضو في مجلس الشيوخ.
بدأت حملة الهجوم على (ياسر جلال) من جانب من يسمون أنفسهم (نشطاء) السوشيال ميديا، حيث طالبوا بأن لايعرض المسلسل بحجة (إن ماينفعش عضو في مجلس الشيوخ المصري يطلع على الشاشة بيرقص ويغني، وهو المفروض إنه بيمثل واحد من أهم المجالس النيابية في مصر).
وانتشرت صورة لـ (ياسر جلال) من كواليس المسلسل، وهو يمسك بميكروفون يغني يرقص على المسرح ووراءه الفرقة الموسيقية، هذه الصورة نالها كثير من التعليقات إلى حد أن طالب (نشطاء الغبرة) بوقف عرض المسلسل، وقالوا (إن الشكل ده مايناسبش عضو مجلس شيوخ).
الصورة انتشرت انتشار النار في الهشيم على مواقع التواصل، لكن في المقابل هناك كثير من محبي (ياسر جلال) دافعوا عنه، وقالوا (إن المسلسل متصور قبل ما يبقى عضو في مجلس الشيوخ، ومش صح نلومه على شغل اتفق عليه قبل ما يبقى نائب).
والحقيقة أن مثل هذا الهجوم على (ياسر جلال) ومسلسل (كلهم يحبو مودي) ساذج شكلا ومضمونا، كما أن التبرير الذي كتبه المدافعون عنه أكثر سذاجة، من المهاجمين لأنهم يقرون بخطأه في الاختيار.
الهجوم أرجعه مهاجموا (ياسر جلال) إلى أنه لا يجوز بعضو مجلس الشيوخ (ياسر جلال) أن يرقص ويغني، والمدافعون يؤكدون أنه صور المسلسل قبل أن يتم تعيينه في الشورى، أي أنهم كالدبة التي تقل صاحبها، لأنهم ببساطة لأنهم أقروا بأن الدور لا يليق به كشخصية سياسية ويجرح وقاره.


كوميديا مشرقة ونظيفة
وللفريقين أقول: مسألة أن كونه عضوا بمجلس الشيوخ لا يحرم أبدا على (ياسر جلال) مهنته (التمثيل) لنوعية معينة من الأداور، هو مبرر واهي، ولا يصح أن يتدخل جمهور السوشيال بالحكم على مهنة الفن (عمال على بطال)، خاصة أن مسلسل (كلهم بيحبوا مودي) باعث على البهجة بكوميديا مشرقة ونظيفة في لوحة رمضان الشائهة، حيث تعج وسط ركام المسلسلات التي تروج للمخدرات والبلطجة والعنف.
وأقول لهؤلاء من كتائب السخف (السوشيلي)، تلك التي أصبحت تنغص علينا حياتنا: كفاكم استخفافا بخيالكم المريض الشاطح نحو مناطق مجهولة، فبدلا من الإشادة بـ (ياسر جلال) أنه فنان تصدى هذا الموسم بمسلسل كوميدي يخفف من حدة الأيام القاسية التي يعيشها الشعب المصري حاليا تحت وطأة الظروف الاقتصادية الضاغطة، آثرتم الهجوم دون أدني مبرر غير أنكم تسعون لركوب الترند المعلون.
(ياسر جلال)، قيمة وقامة فنية يشار لها بالبنان، على مستوى احترام المهنة والإيمان برسالة الفن، وهو الوحيد في جيله الذي يسعى دوما لتنوع كبير في أعماله سواء الوطنية الهادفة (الاختيار)، أو الاجتماعية التي تعالج قضايا شائكة – وهى كثيرة يصعب حصرها – أو حتى الفنتازيا الغارقة في الخيال الباعث على التشويق ودفء العلاقات الإنسانية (جودر) نموذجا.

يملك موهبة نقية ونادرة
وأؤكد دوما أن (ياسر جلال) يملك موهبة نقية ونادرة تقترن بالأخلاق الرفعية والسمو برسالة الفن في تجميل شكل وملامح الحياة، ومن يتابعه من بدايته وحتى خلال السنوات الخمس الأخيرة سوف يدرك صدق ما أقول، فلم ينجح نحو الأكشن البغيض باستعراض العضلات، بل يسعى في كل أعماله إلى تهدئة النفوس بقدر من العقل والضمير الحي، حتى ولوكان السيناريو مخططا بطريقة تعتمد الإثارة والحركة على حساب القيمة.
إن (ياسر جلال) هو ذلك المغامر الذي يعمل برباطة جأش وحكمة على أن يسود الخير والسلام والطمأنية داخل نفوس المصريين، ليس في نهاية العمل الذي يقوم به أو الشخصية التي يجسدها، بل يسعى في كل (شوط من البداية حتى النهاية) بكل أدواره أن يعكس جانب الخير الذي يسكنه بصدق وروية.
تأمل معي أدواره الأخيرة سترى حرصه الشديد على عدم شرب الخمر أو المخدارات أو الزحف إلى مناطق البلطجة والعنف، حتى ولو كان عمله يسقط على الحارة المصرية الشعبية بتناقضاتها، أو حتى مجتمع الوفرة الذي يمثل أحد أبنائه، فتراه يقدم نماذج مصرية من لحم ودم تعيش بيننا، ولا يسعى أبدا لتحقيق شهرة زائفة تدفعه إلى مناطق المحرمات والجنون الذي يسعى إليه أقرانه.
لايصح أن نكون أوصياء على (ياسر جلال)، نختار أدواره سواء كان عضوا في مجلس الشيوخ أو غيره، فهو إنسان يمتهن أقدس مهنة في التاريخ الإنساني، وهو بالأساس ممثل له حق الاختيار فيما يشاء من أداوار.. المهم أنه لا يجرح شعور المواطن أو يرسخ للأذى بدعوى الحتمية الدرامية التي يتشدق بها غيره.
كفاكم عبثا وجهلا بقيمة الناس والفن، فالممثل نتاج بيئة تربى ونشأ فيها، ومن ثم تنعكس أعماله على الشاشة، ولقد تربي (ياسر جلال) في بيئة صحية، ويكفي فقط أن نحاسبه على ما قام به من أعمال أظنها جميعا تكتب في ميزان حسناته، لقد اختار الصعب وفهم جيدا طبيعة المجتمع المصري، فلم يغلبه نزق الشهرة الزائفة، ولا وقع في براثن الشر المطلق الذي أصبح ديدن كثير من نجومنا.
إنه نموذج ينبغي أن يحتذى في الموهبة والأداء والأخلاق والثبات الانفعالي الذي يؤكد حسن تربيته وأخلاقة التي أظن أنه لايزايد عليها أحد حتى من جانب أشد مهاجميه، ومن ثم سيبقى (ياسر جلال) نجما عفيف اللسان، صاحب القلب الرقيق والخلق القويم، عذب الأداء، الذي يأسرنا في كل عمل جديد يطل علينا من خلاله.