

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
على الرغم من زحف مارثون الدراما الرماضية إلا أنني آثرت الكتابة عن مسلسل (لعبة وقلبت بجد) – قبل الدخول في وحل الإسفاف والبلطجة والتكرار الممل لأفكار مستهلكة – وذلك لأن هذا المسلسل يعتبر أحد الأعمال التي حاولت اللعب على وتر (دراما الغموض والإثارة) الممزوجة بالصراعات النفسية والاجتماعية.
يمثل (لعبة وقلبت بجد) حكاية مثيرة بأحداث مشوقة، حين يطغى الطموح على المنطق الدرامي، مؤكدا أنه لطالما كانت ثيمة (الألعاب التي تخرج عن السيطرة) مادة دسمة لصناع السينما والدراما، فهي تمنح الكاتب فرصة لوضع الشخصيات في مأزق أخلاقي ونفسي حاد.
ومن هنا فإنه في مسلسل (لعبة وقلبت بجد) حاول المخرج والكاتب تقديم رؤية عصرية لهذه التيمة، لكن النتيجة جاءت متأرجحة بين بريق البدايات وعثرات التنفيذ، فعلى مستوى السيناريو والحبكة، شهدت الحلقات انطلاقة قوية، لكن شابه تشتت في المنتصف.
بدأ (لعبة وقلبت بجد) بإيقاع سريع وجاذب، حيث نجح في خلق حالة من الفضول لدى المشاهد حول ماهية (اللعبة) وحدودها، ومع ذلك، عانى السيناريو من مشكلة (المط والتطويل) في الحلقات الوسطى، حيث تكررت بعض المواقف دون تقديم إضافة حقيقية للصراع الدرامي.
ولعلي هنا أشير إلى أن من أهم إيجابيات (لعبة وقلبت بجد) أن الحوار كان واقعيا في كثير من الأحيان، وملامسا لواقع الشباب المعاصر، ومع ذلك يبدو الاعتماد المفرط على (المصادفات القدرية) لحل العقد الدرامية، هو الذي واجه ضعفا ما من منطقية الأحداث.
نقطة القوة الحقيقية في مسلسل (لعبة وقلبت بجد)، أن التمثيل كان (طوق النجاة) للعمل، فعلى مستوى البطولة الجماعية، نجح الممثلون الكبار والشباب في تجسيد التحولات النفسية من الفرح واللامبالاة إلى الرعب والارتباك، فضلا عن الكيمياء بين الأبطال كانت واضحة، مما جعل المشاهد يشعر بعمق الصداقة (أو العداوة) التي تربط بينهم.




براعة (أحمد زاهر)
فقد اجتهد الفنان (أحمد زاهر) ببراعة في تجسيد شخصية (شريف) المسحول بين عمله الوظفي، وعمله الثاني (سائق أوبر)، والذي يصادف نماذج مختلفة من المجمتع، ما صنع نوعا من الكوميديا الخفيفة بأدائه الناعم الذي خفف من كارثة ابتزاز الأطفال بفعل اللعبة التي قلبت بجد، لتتلاحق الكوارث التي أصبحت تحاصر أطفالنا وشبابنا.
كذلك جاء أداء (عمر الشناوي) هادئا ناعما فيه قدر من التحدي والكبرياء الذي أوقعه في مستنقع الخيانة التي قبلت حياته رأسا على عقب قبل أن ينقذه ابنه ويحول دفة العلاقة الزوجية إلي منحدر سرعان ما عاود الحياة لطبيعتها.
وأعجبني أداء السورية (ريام كفارنة) بلهجة مصرية متقنة في انسجام تام مع (أحمد زاهر) في رسائل تؤكد عمق العلاقة الزوجية إذا كانت قائمة على أسس من الحب والتعاطف، وأيضا (زينب يوسف شعبان) التي سجلت حضورا مميزا – على قلة مساحة الدور – أكد موهبتها، ما يلفت النظر إلى نجمة قادمة بثقة.
ولعب الفنان القدير حجاج عبد العظيم دورا تربويا رائعا، حيث ضمن حواره رسائل مهمة في تربية (Z) المتمرد بطبعه على أساليب التربية التقيلدية التي نشأنا عليها في سنوات الزمن الجميل.
لم يعجبني أداء (رحمة أحمد) حيث تبدو متكلفة في محاولة للزج بمواقف كوميدية نمطية اعتادتها في أعمالها السابقة، ومن ثم لم تنجح في اختبار (لعبة وقلب بجد) فقد جنحت نحو منطقة (الأوفر).
نجح المخرج (حاتم محمود) في استخدم كادرات تعكس حالة التوتر والقلق، معتمدا على زوايا تصوير ضيقة في لحظات المواجهة العاصفة، ومن هنا قدم مدير التصوير قدم لوحة بصرية تعتمد على (الدراما اللونية).
وذلك باللجوء إلى الزوايا الضيقة، فقد ركزت الكاميرا بشكل مكثف على وجوه الأبطال، ليس فقط لنقل التعبير، بل لخلق شعور بـ (الاختناق) والحصار، وكأن الكادر نفسه يضغط على الشخصية.
ولعبت الإضاءة دورا كبيرا في تحديد هوية العمل، حيث غلبت عليها الألوان الداكنة والباردة لتعزيز جو الغموض الذي جرت فيه الأحداث، أما الموسيقى التصويرية، فكانت موفقة في أغلب الأحيان، لكنها سقطت أحيانا في فخ (المبالغة) في أحيان كثيرة، حيث كانت تفرض شعوراً بالخوف في مشاهد لا تستدعي ذلك.
ومع ذلك يمكنني القول بأن مسلسل (لعبة وقلبت بجد) هو تجربة درامية (جيدة ومسلية) وموجعة في الوقت ذاته، ومن ثم نجحت في جذب الجمهور لمتابعتها حتى النهاية بفضل أداء ممثليها الأكفاء جميعا، لكنها مع ذلك لا تترك أثرا عميقا بسبب الثغرات في بناء الحبكة وتكرار بعض الكليشيهات الدرامية.

الشخصيات داخل رقعة شطرنج
ظني أن (لعبة وقلبت بجد) هو عمل يصلح للمشاهدة السريعة، ولكنه يفتقد لعمق الأعمال التي تناقش سيكولوجية النفس البشرية بشكل أكثر نضجا يتناسب مع الأحداث، ومع ذلك يظل المسلسل خطوة شجاعة في تقديم نوعية مختلفة من الدراما بعيداً عن القوالب التقليدية، ويستحق الإشادة على جرأة الفكرة.
شخصيات مسلسل (لعبة وقلبت بجد) تحتاج للنظر إليها كأدوات داخل رقعة شطرنج؛ كل شخصية تمثل جانبا من جوانب النفس البشرية عند وضعها تحت ضغط الخوف أو إغراء الربح، غالبا ما تكون هذه الشخصية هى الأكثر ذكاء وهدوءا، لكنها تبقى الأكثر خطورة.
دوافع الشخصية في الغالب تدفعها الرغبة في السيطرة أو الانتقام من عقد قديمة، والسمات العامة لها هى برود أعصاب غير مبررة في بعض الأحيان، وقدرة عالية على التلاعب بمشاعر الآخرين، لذا تظهر هذه الشخصية في البداية كصديق (مبادر)، لكنها تنكشف كعقل مدبر يرى الآخرين مجرد قطع في لعبته الخاصة.
الضحية في مسلسل (لعبة وقلبت بجد) تمثل الضمير الحي في المجموعة، لكنه ضمير ضعيف أمام الخوف بسبب أن فكرة النجاة بأقل الخسائر الممكنة هى التي تدفع للتردد الدائم، البكاء، ومحاولة إرضاء الجميع.
التحول: هى الشخصية التي تعاني من أكبر صدمة نفسية، وغالبا ما تكون هى (الضحية الأولى) للعبة، أو أول من يفقد عقله، في المقابل تبدو الشخصية الانتهازية أو البراجماتية، هذا النمط هو الذي يظهر الوجه القبيح للطموح عندما (تقلب اللعبة بجد).
ورغم براعة الممثلين في تجسيد هذه الأنماط، إلا أن هناك مأخذا نقديا يتمثل في (ثبات الشخصية) لبعض الأبطال؛ فبعضهم ظل يتصرف بنفس الطريقة من الحلقة الأولى حتى الأخيرة دون (قوس شخصية) واضح، مما جعل تصرفاتهم متوقعة في بعض الأحيان.

(مرآة) كشفت زيف الشخصيات
نأتي الآن إلى (اللحظة الحاسمة) التي قسمت آراء الجمهور والمقادير النقدية؛ فالنهاية في مسلسل (لعبة وقلبت بجد) لم تكن النهاية مجرد ختام للأحداث، بل كانت (المرآة) التي كشفت زيف الشخصيات أو عمق مأساتها، ربما تعتمد نهايات هذا النوع من المسلسلات عادة على (الواقعية الصادمة)، وفي هذا العمل، جاءت النهاية لتؤكد عدة نقاط:
* الشخصية (المخططة) شهدت (الانهيار العظيم).
* النهاية بالنسبة لهذه الشخصية كانت بمثابة (انقلاب السحر على الساحر).
* ومع ذلك كانت النهاية مناسبة جدا، لأن الشخصية التي تعتقد أنها تمتلك كل الخيوط غالباً ما تسقط بسبب (خيط صغير) لم تحسب له حسابا.. خسارتها لم تكن مادية فقط، بل كانت خسارة لـ (كبريائها الذهني)، وهو أقسى أنواع العقاب لمثل هذا النمط.
* كثيراً ما تنتهي الشخضيات الانتهازية بما يسمى (الفوز بطعم الهزيمة)، وهى غالبا ما تنجو جسديا أو ماليا، ولكنها تخسر آدميتها، ولهذا بقاء هذه الشخصية على قيد الحياة أو فوزها في اللعبة كان قراراً درامياً ذكياً، لأنه يعكس واقعاً مريراً؛ وهو أن (الأكثر دهاءً والأقل ضميراً) هم من يعبرون الجسور دائماً، لكنهم يعيشون في عزلة نفسية تامة.
الخلاصة: إن نهاية (لعبة وقلبت بجد) لم تكن نهاية سعيدة بالمعنى التقليدي، بل كانت (نهاية كاشفة)، لقد أثبتت أن اللعبة لم تكن في القوانين الموضوعة، بل في (ردود أفعال) البشر تجاه تلك القوانين، ومن ثم تبدو الملاءمة هنا لم تكن في (ماذا حدث؟) بل في كيف كشفت النهاية المعدن الحقيقي لكل شخصية؟
على أية حال النهايات الواضحة هى التي تصنع (الكلاسيكيات)، لأنها تعيش في الذاكرة كقصة كاملة الأركان، بينما النهايات الضبابية غالبا ما تذوب مع الوقت لأنها لم تقدم (إجابة) تشفي غليل التساؤلات التي كانت نتدور في ذهن المشاهد طوال الوقت.