
بقلم المستشار: محمود عطية *
تعددت (الفضائيات) المصرية في السنوات الأخيرة بشكل لافت، حتى ظن البعض أن هذا التعدد كفيل بصناعة حالة إعلامية ثرية ومتنوعة تعكس حيوية المجتمع وتنوع أفكاره وتياراته.
غير أن المشهد على أرض الواقع يكشف عن مفارقة صادمة فالمحتوي واحد واللغة واحدة والوجوه تتشابه والأطروحات تدور في دائرة مغلقة لا تكاد تخرج عنها، فبدلا من أن يكون التعدد مدخلا للتنافس الشريف والإبداع الحقيقي، أصبح في كثير من الأحيان مجرد تعدد شكلي لا يغير من جوهر الخطاب شيئا ولا يضيف إلى عقل المشاهد أو وجدانه أو معرفته جديدا يذكر.
المحتوي متشابه إلى حد التطابق، فلا جديد ولا برامج محترمة تخاطب العقل والعلم والمعرفة، ولا مساحات حقيقية للنقاش الجاد أو التحليل الرصين أو استضافة أصحاب الخبرة المتخصصة القادرين على تفكيك القضايا المعقدة.
بل يغلب على شاشة (الفضائيات) خطاب انفعالي يعتمد على الإثارة وتكرار الشعارات وتقديم الموضوعات في إطار سطحي يفتقد العمق والبحث والتوثيق، حتي أصبح المشاهد يدرك مسبقا ما سيقال وكيف سيقال ومن سيؤيده ومن سيعارضه في مشهد أقرب إلى مسرحية محفوظة النصوص والأدوار.
الاسكريبتات تبدو موزعة على الجميع بصياغة تافهة ممنوع الخروج عنها ولو بكلمة واحدة، وكأن هناك نصا مركزيا يتم تعميمه ثم يعاد إنتاجه بوجوه مختلفة، فإذا تحدث مذيع في قناة خاصة سمعنا الصياغة نفسها تقريبا في قناة أخرى.
وإذا طرحت قضية معينة تكررت العبارات ذاتها والزاوية ذاتها والتركيز ذاته علي نقاط بعينها مع تجاهل متعمد أو غير متعمد لزوايا أخرى قد تكون أكثر أهمية للمواطن، وهنا يفقد الإعلام أهم خصائصه وهى التعددية والقدرة على طرح الرؤى المختلفة وفتح المجال أمام العقل لكي يختار ويقيم.

منظومة إعلامية حقيقية
من هنا يبرز السؤال المشروع هل يستطيع وزير الدولة للإعلام تغيير هذا الواقع المؤلم الذي نحياه إعلاميا في (الفضائيات)؟، وهل يمتلك الأدوات والإرادة لإعادة بناء منظومة إعلامية حقيقية تقوم على المهنية والاستقلال واحترام عقل المشاهد، أم أن المنظومة أعمق وأكثر تشابكا من أن يغيرها قرار وزاري أو توجه فردي؟
إن المسؤولية لا تقع علي شخص بعينه بقدر ما تتعلق بفلسفة كاملة تحكم العلاقة بين السلطة والاعلام وحدود الحركة المتاحة ومساحات الحرية المقبولة.
وعندما ننتقل إلى الحديث عن تطوير (ماسبيرو) يتجدد السؤال ذاته، فقد سمعنا منذ سنوات عن خطط للتطوير وإعادة الهيكلة وضخ دماء جديدة وتحديث المحتوي والأدوات، لكن الواقع لم يشهد نقلة نوعية حقيقية يشعر بها المواطن العادي، فماسبيرو بوصفه رمز الإعلام الرسمي المصري يحتاج إلى رؤية شاملة لا تقتصر على تغيير بعض القيادات أو دمج قطاعات.
بل تتطلب إعادة تعريف دوره في عصر المنصات الرقمية والتنافس الشرس علي جذب الانتباه وتقديم محتوي يليق بتاريخ هذه المؤسسة، ويستعيد ثقة الجمهور التي تآكلت عبر عقود من الجمود والبيروقراطية.
والاعلام بفضائياته لا يختلف كثيرا عن حال الدولة والحكومة والموقر، فعندما تأتي أوامر بضغط إعلامي علي موضوع تريده الحكومة نجد ضغطا فج بلا عقل وبلا تنوع في الطرح وبلا محاولة لاقناع حقيقي، بل يعتمد الأمر على التكرار الكثيف واللغة الحادة والاتهامات المعلبة.
حتى يظن القائمون على هذا النهج أن الصوت العالي يمكن أن يحل محل الحجة القوية، وأن كثرة الظهور تغني عن جودة المحتوي، غير أن المواطن المصري سواء كان صغيرا أو كبيرا قد حفظ هذه الطريقة عن ظهر قلب، وأصبح يميز بسهولة بين النقاش الصادق والحملة الموجهة.
ولنا أمثلة كثيرة على ذلك من بينها برنامج (دولة التلاوة) الذي أثير حوله جدل واسع وكذلك ما عرف بـ (فنكوش المقامات)، حيث تحولت قضايا كان يمكن تناولها بجدية وهدوء في (الفضائيات) إلى مادة للسخرية والتهكم والضجيج بدلا من تقديم شرح علمي رصين أو استضافة متخصصين في علوم القراءات يوضحون للناس الفروق والاسس دون تهويل أو تهوين.
كما شهدنا قبل ذلك الجدل حول ما سمي بقانون العار المسمي (الإيجارات القديمة)، والذي وصل التخبط فيه إلى مداه من حيث التصريحات المتناقضة والتفسيرات المتباينة والرسائل الإعلامية التي بدت أحيانا منفصلة عن واقع ملايين المستأجرين ومعاناتهم الحقيقية.

حوار مجتمعي كاف
إن استمرار رئيس الوزراء في هذا السياق كما يرى البعض ليس في صالح المستأجرين ويتحمل كل تبعات القانون وسخط المستأجرين على هذا القانون الذي وضحت آثاره بالغة السلبية على المواطن، خاصة في ظل الطريقة العشوائية التي فرضت بها قرارات لتحديد المناطق دون حوار مجتمعي كاف أو دراسة وافية لتداعيات التنفيذ علي الفئات الاأثر ضعفا.
وهنا يثور سؤال آخر هل يجرؤ الإعلام على مناقشة هذه الآثار المدمرة للقانون دون تعليمات واضحة، أم أنه ينتظر الإشارة قبل أن يفتح الملف أو يغلقه؟
الواقع يشير إلى أن مساحة الجرأة محدودة وأن من يخرج عن النص قد يجد نفسه خارج المشهد تماما، ولذلك أصبح الالتزام بما يسمي سلو بلدنا هو القاعدة العامة، فالمذيع في (الفضائيات) يعلم الحدود والضيف يعلم ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، والمشاهد يعلم بدوره أن هناك خطوطا حمراء لن يتم تجاوزها فيشاهد وهو يدرك أن الحقيقة الكاملة قد لا تكون حاضرة على الشاشة.
حتى اختيار الوزراء وقبله أعضاء الموقر والشيوخ يثير لدي كثيرين تساؤلات حول معايير الاختيار، ومدى اعتمادها على الكفاءة والتخصص مقابل دوائر المعارف والعلاقات الشخصية، فهناك انطباع واسع بان الدولة خطفت لصالح مجموعة تتحكم فيها تستبعد من تريد وتأتي بغيرهم من نفس الدائرة الضيقة.
ومن يكون في منصب يأتي بكل أو بأغلب من كانوا يعملون معه في مواقع سابقة فتتكرر الوجوه وتضيق الفرص أمام الكفاءات المستقلة التي لا تملك سندا إلا خبرتها واجتهادها.
وفي خضم ذلك كله يشعر قطاع من المواطنين بأنهم مجرد كومبارس في مشهد كبير يكفيهم أن يتنفسوا هواء ربنا ولم يمنعوه عنهم دون أن يكون لهم تاثير حقيقي في صناعة القرار او صياغة السياسات العامة، أو حتي في توجيه الخطاب الإعلامي الذي يتحدث باسمهم ويتناول قضاياهم، وهنا تتعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع ويتحول الإعلام من جسر للتواصل الي حاجز يزيد من سوء الفهم وانعدام الثقة.
والواضح أن الدولة في نظر هؤلاء لم تسعد المواطن باجراء واحد يوحد الله كله ضرب ضرب مفيش شتيمة، في اشارة إلى أن الخطاب السائد يغلب عليه الطابع الأمني والتحذيري بدلا من الطابع التنموي التشاركي الذي يبني الثقة، ويحفز الناس علي المشاركة الايجابية في مواجهة التحديات.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى قرارات صارمة، بل يحتاج أيضا إلى إحساس بالعدل والشفافية والمصارحة والاعتراف بالأخطاء عندما تقع.

مساحات للنقاش العلمي الرصين
إن إصلاح الإعلام لا يمكن فصله عن إصلاح المجال العام ككل فلا إعلام قوي في بيئة تخشي الاختلاف ولا حوار حقيقي في ظل خوف دائم من المساءلة أو العقاب، فاذا أردنا (الفضائيات) المتعددة بحق فعلينا أن نقبل بتعدد الآراء، وأن نتيح مساحات للنقاش العلمي الرصين، وأن نشجع البرامج التي تخاطب العقل وتستضيف الباحثين والخبراء وتناقش الأرقام والبيانات بدلا من الاكتفاء بالشعارات والانفعالات في (الفضائيات).
كما أن تطوير ماسبيرو يتطلب استقلالا إداريا وماليا نسبيا يتيح له التحرك بحرية أكبر في اختيار موضوعاته وضيوفه وصياغة خطابه، بعيدا عن الضغوط اليومية قصيرة المدي مع الاستثمار في تدريب الكوادر الشابة على أساليب الإعلام الحديث والتحقيق الاستقصائي، وصناعة الوثائقيات الجادة التي ترفع وعي الجمهور وتقدم له معرفة حقيقية لا مجرد انطباعات عابرة.
يبقي السؤال مفتوحا هل توجد إرادة حقيقية للتغيير في (الفضايات)، أم أن الأمر سيظل يدور في حلقة مفرغة من الوعود والخطط المعلنة دون تطبيق فعلي، إن الاجابة لا تتوقف علي وزير بعينه ولا علي برنامج محدد، بل على رؤية شاملة تعيد الاعتبار للعقل المصري وتحترم وعيه، وتعامله كشريك لا كتابع وكصاحب مصلحة لا كمتلق سلبي.
لله الامر من قبل ومن بعد، لكن الأوطان لا تبني بالدعاء وحده بل بالعمل الصادق والنقد المسؤول والإعلام الحر الذي يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وعندها فقط يمكن أن نقول إن تعدد الفضائيات لم يعد مجرد رقم في قائمة، بل أصبح قيمة حقيقية تضيف إلى الوطن ولا تكرر صدى الصوت نفسه في كل اتجاه.
ألا قد بلغت اللهم فاشهد.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع