
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
عندما بدأ التخطيط للدورة السادسة عشر لمهرجان (المسرح العربي) كانت إحدى النقاط الهامة و الحساسة هي أسماء المكرمين، ففي كل دورة من دورات المهرجان كان يجرى تكريم مجموعة من كبار مسرحيي الدولة التى تستضيف الدورة، ويتم اختيارهم تبعا لقواعد أرستها الهيئة العربية للمسرح فلا يجوز تكريم أسماء الراحلين.
وأن يكون المكرم من قدامى المسرحيين – أي أمضى سنوات طويلة في خدمة (المسرح العربي) – وأن تكون تلك السنوات أثمرت وأظهرت تأثيرا في الحركة المسرحية في بلده ويفضل ان يكون هذا التأثير قد امتد للوطن العربى، و ألا يكون قد سبق تكريمه من الهيئة بطبيعة الحال.
وفي بداية الاجتماعات أعلنت الهيئة أنها تترك مهمة تحديد أسماء المكرمين كاملة لوزارة الثقافة المصرية، وأنها لن تعترض على أي اختيار للوزارة – داخل القواعد المعدة سلفا – تحت شعار تبنته الهيئة طوال الوقت (أهل مكة أدرى بشعابها).
وكنت أؤمن بأن الهيئة صادقة في تنفيذ ذلك ، ليس فقط لأننا أدرى بالشعاب و لكن يضاف له سبب آخر جعل الهيئة تعلن وبإصرار وتأكيد في كل موقف – سواء في التكريم أو في غيره – على أن تلك اختيارات وزارة الثقافة.
اعتقد أن ما حدث في دورة السابقة من المهرجان التي عقدت بالقاهرة (الحادية عشر) جعلت الهيئة (حساسة) من ردود أفعال بعض المسرحيين المصريين.. ففي تلك الدورة تركت الهيئة للجنة من كبار النقاد المصريين تقرير مسار ندوات عن تاريخ المسرح المصرى ، وإذا بناقد مصري يقود اللجنة الى اعتبار أن المسرح المصرى الحديث بدأ عام 1905.
لأن كل الفرق المسرحية التي كانت تعمل قبل هذا التاريخ لم تكن فرقا مصرية وبالتالى لا يطلق على تلك الفترة مسرحا مصريا – من وجهة نظره – و إنما يشمله عنوان آخر هو (المسرح في مصر)، نافيا بذلك جهود عديدين سبقوا ذلك التاريخ مثل (يعقوب صنوع).

نشأة المسرح المصرى الحديث
وعندما قيل هذا الرأي في الندوة ثارت الدنيا ليس ضد الناقد ولكن ضد الهيئة، و طالتها سهام الانتقاد التي وصلت الى حد الاتهام (بتزوير) تاريخ نشأة المسرح المصرى الحديث، وإلغاء فترة منه، ظنا من المنتقدين أن ذلك يصب في مصلحة دول أخرى لتقول أن المسرح بدأ فيها قبل مصر، وبذلك تكون لها الريادة !!
ومما أزاد الأمر اشتعالا أن أعضاء اللجنة تبرأوا من رأى زميلهم ولم يُبرأوا الهيئة من الاتهامات ربما خوفا من شدة الهجوم .
كان بعض المسرحيين من الجانب المصرى يدركون تلك الحساسية، ولكن كانت لديهم مشكلة أخرى ليست في تحديد أسماء المكرمين من مصر في مهرجان (المسرح العربي)، بل في عدد المكرمين، فلقد حددت الهيئة العربية عدد المكرمين بعشرة فقط – وهذا هو الحد الأقصى في أى بلد.
ولكن مصر و لله الحمد تمتلئ بمئات الأسماء التى تستحق التكريم في مهرجان (المسرح العربي)، حتى أن الهيئة في الدورة السابقة كرمت 25 مسرحيا مصريا، و لكنها هذه المرة تمسكت بالرقم المحدد ربما خوفا من أن يصبح تجاوزه قاعدة لبقية الدول، وأطلت مشكلة جديدة برأسها : كيف سيتم الاختيار من بين عشرات المسرحيين؟
قام الجانب المصرى من اللجنة التنسيقية بوضع عدة معايير عامة الى جانب المعايير التي وضعتها هيئة (المسرح العربي)، وهى: أن تكون الاختيارات من الأجيال الأقدم و يفضل من كان مستمرا في العطاء الى الآن، وأن يكون المكرم صاحب تأثير واضح في الحركة المسرحية.
وأن تكون الأسماء المختارة من جميع أفرع الفنون التي يشملها الفن المسرحى، كالتمثيل والتأليف والإخراج والديكور والنقد والتنظير والتدريس الأكاديمي، على أن تضم القائمة أنواع الإنتاج المسرحى كالقطاع العام والخاص والثقافة الجماهيرية والمسرح المستقل ومسرح الطفل، أما مسرح العرائس فسيتم التكريم في ملتقى الدمى.
تم وضع ترشيحات بأسماء كثيرة بلغت ضعف العدد المطلوب، وبدأت مفاوضات طويلة مع هيئة (المسرح العربي) لزيادة عدد المكرمين، وانتهت إلى وضع قائمة من 17 اسم أساسي، وقائمة احتياطية بعد أن وصلنا الى حل يرضى جميع الأطراف وهو أن يتم تكريم (كيانات) ساهمت في الحركة المسرحية لسنوات متصلة ودفعت إليها بعشرات بل بمئات المبدعين في كافة المجالات.

المسرح داخل الثقافة الجماهيرية
وكان المثال الأوضح: تجربة (نوادى المسرح) بالثقافة الجماهيرية، فتكريم تلك التجربة تكريم لأجيال كثيرة بدأت فيها، وأصبحت الآن تقود حركة المسرح داخل الثقافة الجماهيرية وخارجها.
إنه تكريم لصاحب فكرتها الدكتور عادل العليمى و للأستاذ سامى طه المخرج صاحب الخبرة الإدارية، والذى تبنى التجربة وساعد على نشرها وترسيخها بعد سفر (العليمى) الى الخارج.
وهو أيضا تكريم لأجيالها الأولى التى مازالت تحمل شعلة المسرح داخل وخارج الثقافة الجماهيرية كالأساتذة (عزت زين وحمدى حسين والدكتور جمال ياقوت)، وصولا الى جيل (شاذلى فرح ومحمد الطايع وسامح عثمان وكثيرين آخرين لا مجال لذكرهم جميعا.
فعلى مدار سنوات التجربة الممتدة منذ عام 1983 (عندما صدر قرار إنشائها من الدكتور سمير سرحان رئيس جهاز الثقافة الجماهيرية وقتها) وحتى الآن أدت دورا هاما في المسرح المصرى، يشرحه الناقد الدكتور محمد سمير الخطيب في دليل مهرجان (المسرح العربى)بقوله:
إن تجربة نوادي المسرح ساهمت في توسيع قاعدة المشاهدة وأفقها في مسرح الأقاليم، بالإضافة إلى ضخ دماء جديدة بحركة الثقافة الجماهيرية من مخرجين وممثلين وكتاب، كما أصبحت أيضًا مختبرًا للنقاد الشباب لتنمية أدوتهم النقدية حينما يقدمون تحليلاتهم عن العروض المسرحية من خلال الندوات التطبيقية.
بالإضافة إلى تنمية قدراتهم وتكوين رؤاهم عبر الكتابة النقدية في النشرات التي صاحبت المهرجانات الختامية لنشاط النوادي.
ففي البداية، قامت فكرة نوادي المسرح على بعد تعليمي وتثقيفي؛ الهدف منه إنشاء وعي مسرحي جديد ونشر الثقافة المسرحية في الأقاليم المصرية، في ظل غياب الأكاديميات والمعاهد المتخصصة بها.
لذلك اعتمدت فلسفة النوادي في تلك الفترة على تثقيف الشباب مسرحيًا من خلال إقامة الندوات والمحاضرات وإصدار النشرات وعروض الفيديو ومعامل المسرح، وأن يكون إنتاج العروض هو المحصلة النهائية لنادي المسرح، ثم حدث تطور في فلسفة نوادي المسرح منذ تسعينيات القرن الماضي إلى الآن.
خاصة بعد إقامة المهرجان الأول لنوادي المسرح في محافظة دمياط عام 1990، لتتحول نوادي المسرح إلى صيغة إنتاجية/ تنافسية لصناعة عروض مسرحية تثير الخيال والإبداع برغم التكاليف المادية البسيطة.


عروض نوادي المسرح
وبعد تجارب متراكمة؛ تحولت عروض نوادي المسرح إلى وسيلة تعبير لكل جيل جديد عن أفكاره و قضاياه ورؤيته الجمالية، ومتنفسا لقطاع مهم من هواة المسرح في الأقاليم.
ومما زاد من أهمية نوادي المسرح كصيغة إنتاجية هو اهتمام ابنائها بصناعة عروض مسرحية تخرج من الأطر المسرحية السائدة لتلتحق بركب التجريب المسرحي حتى أن أحد عروضها (كلام في سرى) فاز بجائزة أفضل عمل جماعي في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2007.
وللأسف الشديد مازالت تجربة نوادى المسرح – برغم مرور كل هذه السنوات – غير مقننة داخل جهاز الثقافة الجماهيرية ، فإدارة نوادى المسرح لا توجد بالهيكل التنظيمى للهيئة العامة لقصور الثقافة، وهى تقوم بعملها بناء على قرار من رئيس الهيئة السابق، ويستطيع إلغاؤه أي رئيس للهيئة لاحق!!.
وعندما حاولت استحداثها كإدارة مستقلة داخل إدارة المسرح – وقت ان توليت رئاستها – وقفت ضد المشروع عوامل كثيرة من بينها أبناء نوادى المسرح انفسهم الذين ظنوا أن وضع لائحة للنوادى و تقنين وضعها بشكل مؤسسى طريق لتصفيتها او على الأقل استلابا لحريتها!!!
وهكذا يقتل الشك وتغتال الظنون كثيرا من النوايا الطيبة.
وللحديث بقية..