

بقلم الكاتب الصحفي: محمد جاب الله*
لم أكن أتوقع، بعد نشر الحلقتين السابقتين، أن يتحول السؤال إلى هاتفٍ يرن.. ردود الفعل كانت إيجابية على نحو لافت نحو مشروع قناة للأطفال.. رسائل من آباء، ومعلمين، وشباب يعملون في الجرافيك والأنيميشن، يخبرونني أن لديهم أفكارًا وسيناريوهات كرتونية (مصرية مية المية) تنتظر فقط فرصة مثل شخصية (سينا).. وبعضهم تحدث بحماس البدايات، وبعضهم بنبرة العتب: لماذا لا يرى أحد ما نصنعه؟
لكن اتصالًا واحدًا جعلني أتوقف طويلًا.
(ألو أستاذ محمد… المقال رائع).
كان صوتًا هادئًا، واثقًا.. عرّفتني بنفسها: هيا، تعمل في وكالة (موبايل ميديا).. ظننتها مكالمة تقدير عابرة، قبل أن تفاجئني بجملة لم أكن مستعدًا لها: (أنا بدأت حلمي من سبع سنوات… وبدأت أنفذه فعليًا من عامين)
تحدثت عن مشروع مسلسل كرتوني مصري خالص للأطفال، مسلسل أنيميشن منفّذ بالكامل بتقنية الرسوم المتحركة الثنائية الأبعاد (2D)، يحمل اسمًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: (سينا)، أما البرومو الدعائي للعمل، فقد استعان ببعض أدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذه البصري لأغراض ترويجية فقط، دون أن يؤثر ذلك على طبيعة العمل الفنية أو أسلوب إنتاجه.
(سينا).. فتاة مصرية جميلة، ليست أميرة خيالية بملامح مستوردة، ولا بطلة تعيش في مدينة لا تشبهنا.. فتاة تنطلق في مغامرات عبر ربوع مصر؛ بين جبال سيناء، ووديان الصحراء، وسهول الدلتا، وضفاف النيل.. تبحث في كل حلقة عن (مكونات الهوية المصرية) من خلال تحديات ومغامرات، يتعلم فيها (الأطفال) معنى القيم الأصيلة، والانتماء، والولاء، والعمل الجماعي.

ليست رحلة جغرافيا… بل رحلة وعي
دعتني هيا (creator وthe executive producer)، والسيد محمود نديم، مدير وكالة (موبايل ميديا)، لمشاهدة البرومو الخاص بعمل الأطفال (سينا).. دخلت وأنا أحمل حذر الكاتب الذي لا يريد أن ينخدع بالحماس، وخرجت وأنا أحمل قشعريرة لم أتوقعها.
لم تكن الرسوم وحدها هي ما أثارني، ولا التقنية، ولا الموسيقى.. كان هناك صدق واضح.. إحساس بأن هذا العمل لم يُصنع من أجل (ترند)، بل من أجل فكرة.
ويجدر التنويه أن مشروع (سينا) مسجّل ومحفوظ حقوقه كملكية فكرية كاملة، في إطار قانوني يضمن حماية الفكرة وصُنّاعها.
في تلك اللحظة، أدركت أن السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة تغيّر.
لم يعد: لماذا غابت القناة؟، بل أصبح: كيف ندعم ما بدأ بالفعل؟
قصة (سينا) ليست حكاية فردية ملهمة فحسب، بل نموذج عملي لما يمكن أن يحدث حين تتوافر الإرادة، حتى ولو بإمكانات محدودة.. فتاة بدأت حلمها قبل سبع سنوات، طوّرته بأدوات العصر دون أن تتخلى عن روح الحرفة، فبقي العمل أنيميشن كاملًا، بينما جاء الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة في الترويج لا بديلًا عن الفن.
لم تنتظر ميزانية دولة، ولا ستوديو ضخمًا، ولا قرارًا وزاريًا.. بدأت.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة والجميلة في آنٍ واحد: إذا استطاعت مبادرة شابة أن تنتج نواة مشروع كرتوني وطني، فماذا يمكن أن تفعل دولة كاملة بكل مؤسساتها وخبراتها وإمكاناتها؟
نحن لا نفتقد الأفكار، ولا نفتقد المواهب، ولا نفتقد التكنولوجيا، ما نفتقده هو الإطار الذي يحتضن هذه المبادرات.

رؤية مصرية للأطفال 2026
لسنا بحاجة إلى معجزة لإطلاق قناة مصرية للأطفال، نحن بحاجة إلى قرار.
كل ما يلزم موجود بالفعل: جامعات تُدرّس التحريك والمؤثرات البصرية، كوادر شابة تبحث عن فرصة، تاريخ كرتوني يسبق معظم المنطقة، أرشيف درامي ضخم يمكن تحويله إلى أعمال تحريك، وسوق إعلاني عطشان لمحتوى آمن للأسرة.
المشكلة لم تكن يومًا في الإمكانيات، بل في غياب الرؤية المتكاملة.
أولًا: الرؤية – ليست قناة للترفيه فقط، بل منصة لبناء الهوية، وتنمية الخيال، وتعليم ناعم يمر عبر الضحكة لا عبر المحاضرة.. قناة تفهم أن الطفل ليس مستهلكًا.. بل مواطنًا صغيرًا.
ثانيًا: المحتوى، بدل شراء مكتبات أجنبية مدبلجة، نبدأ بإنتاج مصري أصيل: قصص من النوبة وسيناء والدلتا، شخصيات من التاريخ المصري القديم والحديث، أبطال معاصرون يعيشون تحديات اليوم: التكنولوجيا، البيئة، العمل الجماعي، التفكير النقدي، وحتى شخصيات وطنية ملهمة مثل الشهيد المنسي، التي يمكن تحويلها إلى مغامرات كرتونية بوليسية أو وطنية تعلم الأطفال الشجاعة، التضحية، وحب الوطن.
لدينا آلاف الحكايات الشعبية غير المستثمرة، وأدب أطفال مهمل يمكن تحويله إلى سلاسل ناجحة، وروايات قصيرة تصلح للتحريك أكثر مما تصلح للدراما التقليدية.
والأمر المدهش أن الكثير من الأعمال الكرتونية والأنيمي الأجنبية تناولت حضارتنا الفرعونية، بعضها تعليمي، وبعضها كوميدي، أو خيالي يركز على المومياوات واللعنات القديمة، ومن أبرز هذه الأعمال: فيلم (أمير مصر – Prince of Egypt) وأنيمي (يوغي يو – (Yu-Gi-Oh! الذي يدور حول فرعون قديم، وفيلم (مومياوات – (Mummies الكوميدي.
ومع ذلك، لا يوجد حتى اليوم أي فيلم كرتون مصري أو سلسلة وطنية تتناول تاريخنا القديم وتقدمه لـ (الأطفال) بطريقة ممتعة وتعليمية.
ثالثًا: الشراكة، لا تتحمل مؤسسة واحدة العبء.. تحالف بين الإعلام، الثقافة، التعليم، والقطاع الخاص.

استثمار مشترك يضمن الاستدامة
رابعًا: المنصة الرقمية، القناة لن تعيش فقط على القمر الصناعي، بل تطبيق آمن، وموقع تفاعلي، ومحتوى قصير ينافس خوارزميات المنصات العالمية، إذا كانت المعركة رقمية.. فالحضور يجب أن يكون رقميًا.
خامسًا: الجدول الزمني، ستة أشهر إعداد/ عام واحد لإطلاق أول ثلاث سلاسل أصلية/ ثلاث سنوات لبناء مكتبة محتوى قابلة للتصدير عربيًا وأفريقيًا.
يا عزيزي: القوة الناعمة لا تُقاس بعدد الأغاني الوطنية، بل بعدد الأطفال الذين يكبرون وهم يحبون لغتهم، ويفهمون تاريخهم، ويثقون بأنفسهم.
حين أطلقت اليابان (أنميها)، لم تكن تصدر رسوماً متحركة فقط، بل كانت تصدر فلسفتها، وحين بنت الصين صناعة كرتونية متكاملة، لم تكن تملأ وقت فراغ، بل كانت تبني اقتصادًا معرفيًا.
ومصر؟ مصر تملك الحكاية.. لكنها لم تقرر بعد أن تحكيها.
القناة المصرية للأطفال لن تكون مشروعًا ترفيهيًا، بل مشروع هوية، اقتصاد، ووعي، الطفل الذي يرى نفسه على الشاشة، لن يبحث عن قدوة بعيدة، والأب الذي يجد محتوى آمنًا، لن يترك ابنه رهينة الخوارزميات.
لسنا متأخرين.. نحن فقط لم نبدأ بعد.. والمسألة ليست ترددًا على قمر صناعي، بل تردد قرار.
إن أردنا فعلًا استعادة ريادتنا، فلنبدأ من حيث يبدأ كل شيء.. من الطفل.
الأمل موجود، وقد رأيته بعيني في استوديو صغير، في حلم بدأ قبل سبع سنوات، في فتاة قررت ألا تنتظر.
ربما لا يكون السؤال بعد اليوم: أين القناة؟
بل: متى نحتضن (سينا) وأخواتها من الأفكار الكرتونية.. لنكتب معًا أول فصل حقيقي في عودة مصر إلى شاشة الطفل؟
.. ويبقى القرار!
* كاتب صحفي وروائي