

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
خلال الأيام القليلة الماضية أثارت المطربة الخليجية (نوال)، والفنانة الكوميدية (شيماء سيف) الجدل من خلال مواقع التواصل الإجتماعي، بعد ظهورهما في برنامجين مختلفين، وكل واحدة تمنت إعتزال الفن، والأبتعاد عن الناس والجمهور.
فقد ظهرت المطربة الخليجية (نوال) من خلال برنامج (من.. إلى) مع الإعلامي (ياسر العمرو) على قناة (mbc1) وأكدت مرورها بمرحلة مفصليّة في مسيرتها الغنائية الراهنة، مؤكدة أن فكرة الاعتزال باتت تسيطر على تفكيرها بشكل جدي ومنتظم منذ عامين كاملين.
وبررت (نوال) هذا التوجه بشعورها المتزايد بالإرهاق من ضغوطات العمل الفني، واحتياجها لنوع آخر من الحياة يتسم بالهدوء والسكينة بعيدًا عن صخب الأضواء والمجاملات المهنية المرهقة.
وأوضحت (نوال) أنها لا تخطط للانسحاب المفاجئ أو الكامل، بل ترسم تصورًا لحياة مستقبلية تمارس فيها الغناء كشغف خاص، حيث تكتفي بتقديم عمل غنائي واحد كل عام أو عامين وليس غيابا صادما، وتختار بعناية الأماكن والجمهور الذي تود الغناء له.
مشيرة إلى أن هذا التحول يأتي نتيجة اصطدام حساسيتها المفرطة وعزة نفسها بظواهر فنية مثل (الواسطات، والمحسوبيات) التي باتت تؤثر في المشهد الغنائي الحالي.

شيماء سيف والنقاب
أما الفنانة (شيماء سيف) فقد ظهرت خلال برنامج (مع نيشان) الذي يعرض على قناة (الجديد)، مساء الثلاثاء الماضي، وأعلنت إن أكثر ما شغل بالها خلال العامين الماضيين هو اعتزال الفن وارتداء النقاب، والاختفاء عن أعين الناس.
مؤكدة أن رغبتها لا تعني تبرؤها من الفن أو ندمها على دخول المجال، ولكنها تعلم أن الحجاب فرض وأن الله أمرنا بارتدائه، وأضافت: (بس زيادة عنه، وربنا يسامحني عليه، أنا عايزة أتنقب عشان الناس متعرفنيش).
ونفت (شيماء سيف) اعتقادها بحرمانية الفن قائلة: (أنا مبشوفش إن إحنا بنعمل أية حاجة حرام، الفن بيغير حاجات كتير أوي في المجتمع وبنقدم حاجات كويسة).
وتابعت كلامها قائلة: (لي صديق قال لي إن والدته لم تعد لها الابتسامة بعد وفاة نجلها إلا من خلال أعمالي، مؤكدة أن هذا الأمر أسعدها وأشعرها بقيمة ما تقدمه من بسمة على قلوب الجمهور.


الحيرة بين الحلال والحرام
تصريحات المطربة (نوال) والفنانة (شيماء سيف)، ليست جديدة ولا الأولى، ولن تكون الأخيرة، حيث يواجه العديد من الفنانين في المجتمعات العربية الإسلامية صراعاً بين حبهم وشغفهم بالفن، والتزاماتهم الدينية.
وذلك بحثاً عن توازن بين (الحلال والحرام)، هذا التأرجح يعكس توتراً مستمراً بين الوسط الفني والفتاوى التحريمية، مقابل آراء تبيح الفن الهادف.
فكثير من الفنانيين لديهم إزدواجية مرعبة، ولا يؤمنون بدور الفن الهام في بناء المجتمع، ويؤدون مهنتهم على أنها معصية سيتوبون عنها في يوم من الأيام.
كما أن هناك فئة أخرى من الفنانين يغيرون من توجهاتهم نحو ما يسمى بالفن الملتزم، لضرورات ترويجية، ولتلبية طلبات المشاهدين الذين تبدلت أذواقهم.
بمعنى أن الجمهور يرى هذه الأيام أن القبلة حرام، لهذا لم نعد نشاهد أي نوع من القبلات، حتى لوقبلة بريئة!، كما أنه لا يوجد في أفلام النجوم الحاليين أي مشاهد إغراء في السرير.
وهذا التقليد المستحدث على تاريخ السينما المصرية، ليس راجعا لرغبة النجم، ولكن راجع لأن كثير من الجمهور يرفض مشاهد القبلات والسرير، ونظرا لأن كثير من النجوم الحاليين بلا وعي، ولا ثقافة، ولا موقف، لهذا استجابوا لطلبات كثير من الجمهور المشوش الذي يعاني هو الآخر من قلة الثقافة.
ولسان حال النجم يقول: (بلاها القبلات، بلاش وجع راس، طالما كده كده هقبض فلوسي، وفي ستين داهية الفن ورسالته، أو اشتراك الفيلم في مهرجانات دولية!).
حيرة الفنانيين في السنوات الأخيرة راجعة إلى أنه لم يُكتب للفن خاصة في البلدان العربية الإسلامية، أن يعيش مستقلا، عن الدين، فجدلية (الحرام والحلال) اقتحمت المجال الفني عبر هيمنة الموروث الديني على كل مناحي الحياة في بلداننا العربية الإسلامية في السنوات الأخيرة.
وصار الحديث أكثر عن فن ملتزم، وآخر غير ملتزم، وفن نظيف، وفن غير نظيف!، وشاهدنا تصريحات جارحة للفن، مثل بعض المغنيين او المؤديين الذين كان وجودهم في الفن أصلا حرام، يحرمون الفن، بعد ممارستهم كل الرذائل في علب الليل الذين كانوا يغنون فيها، وبعد ابتعادهم قالوا أنهم إقلاعوا عن عادة (سيئة) اسمها الغناء!.
ولم يعد عجيبا أن نشاهد مقطع فيديو لفنان يعلن فيه توبته عن ميدان (المجون)، ـ الفن ـ !، ليُطرح سؤال قديم جديد: (هل الفن حرام فعلا؟!.


الفن الراقي ليس حراما
ما نريد أن نؤكد عليه أن الفن الهادف الراقي ليس حراما، وقد اختلف الفقهاء بشكل كبير في موضوع الغناء، وبعض من أهل العلم والفقهاء حلل الغناء، وأكدوا بأن الموسيقى شأنها، شأن الصوت الإنساني، فيها الحسن وفيها القبيح، وأن القرآن الكريم لم يأت فيه نهي صريح عن الموسيقى والعزف والغناء.
بل أن (ابن حزم، وأبو حامد الغزالي، وأحمد بن قاسم الغمدي، وكذلك الشيخ يوسف القرضاوي)، رأوا أنه لا ضرر من سماع الموسيقى والغناء طالما لايؤديان إلى كفر وفسق.
وبالله عليكم كيف يكون غناء (فيروز، وماجدة الرومي، وأنغام، وأصالة، ولطفي بوشناق، وكاظم الساهر، ولطيفة، وسميرة سعيد، وزياد برجي، وراغب علامه، ووليد توفيق، ومعين شريف، وملحم زين، ومحمد منير، وعلي الحجار، ومدحت صالح، ومحمد الحلو، وعلي عبدالستار، وموسيقي عمر خيرت) وغيرهم من نجوم الغناء والموسيقى الراقيين المحترمين حرام؟
العبرة ليست في الغناء في حد ذاته، ولكن في ماذا يقدم الغناء؟ هل يقدم شيئا جميلا أم قبيحا؟، هل يثير الغرائز أم يثري الروح والوجدان؟ ما هي المواضيع التي يتطرق إليها الغناء؟!
وكيف يجعلها تساهم في تنمية أذواقنا، ويجعلنا أقرب إلى بعضنا وإلى نشر قيم الحب والمودة والرحمة، هذه هي الأسئلة التي يجب أن نجيب عليها بصدق، وليس تكرار نفس المواضيع الفقهية من قبيل: هل الفن حرام أم حلال؟!.
وهنا يحضرني مقولة للكاتب العالمي الإنجليري (وليم شكسبير) التى جاءت على لسان (هاملت) ذات مرة: (ليس السؤال أن تعيش أم لا، لكن السؤال هو كيف تعيش؟).
وبعيدا عن مسألة الحلال والحرام، وازدواجية النجوم الحاليين، فالفن الذي يبني المجتمع ويوحد الناس، ويرسل رسائل هادفة ويسري عن الناس في ظل الإحباطات التى يعانون منها وظروف الحياة الصعبة التى يعيشون فيها حاليا، فهو حلال كل الحلال.