رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: أزمتا (هند صبري) والضيوف اللاجئين وجهان لعملة واحدة

محمود حسونة يكتب: أزمتا (هند صبري) والضيوف اللاجئين وجهان لعملة واحدة
الخروج عن النص وتجاوز الضيف للأعراف والقيم وعدم تقديره لكرم وترحيب المضيف تدفع الأخير للتخلي عن ثوابته

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

موقف المصريين من (هند صبري) لا يختلف عن موقفهم من الضيوف الذين اضطرّتهم حروب وأزمات في بلادهم للجوء إلى مصر، فالأولى جاءت بحثاً عن الشهرة ونالتها، وملايين الضيوف جاؤوا بحثاً عن الأمان والعيش الكريم وتحقق لهم، ولكن الخروج عن النص وتجاوز الضيف للأعراف والقيم وعدم تقديره لكرم وترحيب المضيف تدفع الأخير للتخلي عن ثوابته وتخرج منه ما ليس متأصلاً فيه.

علمونا في طفولتنا أن إكرام الضيف واجب، وأن التقصير معه عار، وأنه له الأولوية على أهل البيت لو كان مابه قليل ولا يكفي الجميع، ومن كثرة إلحاحهم على هذ الأمر وتذكيرنا به تربوياً في المنزل وتعليميا في المدرسة نثراً وشعراً.

ومن كثرة حديثهم لنا عن حاتم الطائي أبو الكرم العربي وأمثلتهم المختلفة حول سلوكيات أهل الكرم في حضارتنا وديننا، كدنا أن نفهم أن الكرم فريضة ينبغي علينا أداؤها مع كل ضيف أو ابن سبيل.

وهو عقيدة تبنتها مصرنا عبر تاريخنا الممتد في أعماق الزمن، والتي فتحت أبوابها وفتح أبناؤها قلوبهم لكل غريب لا يريد بنا سوءاً ولا يطمع في نهب بلادنا ويقدر الكرم الذي نستقبله به واللطف والمودة التي نودعه بها.

هذه الحقيقة نتبناها شعبياً كما تبنتها قيادتنا السياسية التي لم تصف يوما اللاجئين إلى مصر بسبب الحروب والاضطرابات في بلادهم سوى بأنهم ضيوف علينا، وهو ما انعكس على قرارات حكوماتنا التي جعلت لهم حصة في مدارسنا وجامعاتنا وصلت إلى حد قبولهم في الكليات بمجاميع وشروط أقل من المصريين وهو ما استفز قطاع من المصريين نتيجة عدم العدالة بينهم وبين أبنائنا، ولكنها في النهاية شيم الكرام.

إكرام الضيف في مصر لا يتوقف عند واجب تقدمه له ليذهب إلى حال سبيله، ولكن دعمه وتقديم كل أشكال العون له طوال مدة إقامته التي تطول أو تقصر حسب ظروفه، وهذا الإكرام لم يكن أمر طارئ في حقبة زمنية محددة.

محمود حسونة يكتب: أزمتا (هند صبري) والضيوف اللاجئين وجهان لعملة واحدة
طرأتمؤخرا  أزمة الفنانة المصرية (مها نصار) مع الفنانة التونسية المجنسة مصرياً (هند صبري)

(هند صبري) و(مها نصار)

فمثلاً كانت الإسكندرية في الماضي مدينة تجمع اليونانيين والإيطاليين والفرنسيين والألمان والأسبان وكانت نسبة الأجانب المقيمين فيها حينئذ 20 في المية، وهؤلاء كونوا إمبراطوريات تجارية وسياحية، واليوم تستضيف مصر ما لايقل عن 10 ملايين من جنسيات مختلفة من الدول التي تخلخلت سياسيا وأصابتها الفتنة بعد ما أسموه الربيع العربي.

نعتبرهم جميعنا قيادة وشعباً ضيوف علينا، فتحنا لهم القلوب وأبواب الاستثمار والتجارة وأيضا المدارس والجامعات و المستشفيات، ولم تميز الدولة بينهم وبين المصريين، ولم تبني لهم مخيمات لجوء ولم تحدد إقامتهم في بقع جغرافية معينة مثل غيرها ولكنها تركتهم يجوبون البلاد بكامل مساحتها بحثا عن الرزق وتحقيقاً للذات، وكونوا إمبراطوريات وحققوا نجاحات وجنوا أرباحاً ونحن لهم مكرمين داعمين.

المصريون لم يكونوا يوماً شعباً عنصرياً، وفي الفترة الأخيرة بدأت تفوح بيننا روائح عنصرية اكتسبها بعضنا بشكل إجباري من  سلوكيات بعض ضيوفنا الذين قابلوا كرمنا معهم واحتضاننا لهم بعدم العرفان، بل والتجاوز علينا وعلى قيمنا وقيادتنا وأجهزتنا الأمنية.

ولم يقتصر تجاوزهم على التنابذ عبر السوشيال ميديا بل وصل إلى حد التهديد والوعيد لنا ولبلادنا من عواقب تطبيق القانون على المخالفين منهم لقوانين الإقامة وشروط الاستضافة.

تزامن مع هذه الحملة على مصر من بعض الأفراد من أكثر من جنسية، أزمة الفنانة المصرية (مها نصار) مع الفنانة التونسية المجنسة مصرياً (هند صبري) خلال تصوير مسلسل رميحمل اسم (مناعة) من المقرر عرضه في رمضان.

أزمة (هند صبري) و(مها نصار) لا صالح لنا بها وليست الخلاف الأول ولن تكون الأخير الذي يحدث بين ممثلتين في كواليس عمل يجمع بينهما، ولا ينبغي أن ننحاز لأي منهما تجاه الأخرى، وأعتقد أن المنحازين لمها لم يبنوا مواقفهم على ماحدث بين الفنانتين.

ولكن بنوها على مواقف سابقة لهند لم تراع خلالها واجبات المقيمين على هذه الأرض في عدم دعم ما يمس أمنها وأمانها، ولم ينسوا لهند التي نالت نصيبها من الشهرة والمجد وحب الناس في مصر دعمها لقافلة الصمود التي اتخذت من حرب غزة ذريعة للعبث بالأمن القومي المصري وانتقاداتها للموقف المصري الذي رفض دعم هذه القافلة .

محمود حسونة يكتب: أزمتا (هند صبري) والضيوف اللاجئين وجهان لعملة واحدة
لا ننسى أن بيرم التونسي كان من تونس مثل (هند صبري)، ولكنه كان يغضب من لقبه اعتزازا بمصر

اعتزازها بجنسيتها التونسية

في مواقف سابقة رفضت (هند صبري) علانية تصنيفها على أنها فنانة مصرية رغم حصولها على الجنسية المصرية، معبرة عن اعتزازها بجنسيتها التونسية، وهو حق لها، فالمصريون يدركون أن من حق كل إنسان الاعتزاز بوطنه الأصلي، ولكنهم أيضا يريدون من قبل قضاء عمره في مصر وتحقيق مجده فيها، ونيل جنسيتها التعبير عن قدر من الاعتزاز بهذا الوطن وما منحه إياه عبر تاريخه.

ومثلما كانت مصر كريمة مع كل من طرقوا أبوابها من جنسيات مختلفة عبر التاريخ، كانت شديدة الكرم مع الفنانين الذين أتوْا إليها بحثا عن فرص للانتشار والشهرة، وستظل أبوابها مفتوحة لكل موهبة تطرقها. والحق يقال أن نسبة لاتذكر من الفنانين العرب الذين جاؤوا إلى مصر هم الذين أنكروا فضلها، وكل من جاء إليها تمصر إبداعاً وخلقاً وأصبح من أهلها حتى نسينا أن أصوله غير مصرية.

أطل على شاشتنا عشرات وعشرات من الفنانين القادمين إلى مصر من المشرق والمغرب  بحثا عن الشهرة، وعشرات العشرات من الفنانين الذين ولدوا في مصر ولكن أصولهم غير مصرية جاء أهلهم إلى مصر، ومنهم من رفضوا أي جنسية غير مصرية اعتزازاً وفخراً بهذا الوطن.

ولعل بعضهم قد يصدمك كونهم ليسوا من أصول مصرية ولكنهم ذابوا في هذا الوطن وأصبحوا من نسيجه الأصيل، ومن الفنانين الذين ينتمون لأصول لبنانية النجم العالمي عمر الشريف والمخرج يوسف شاهين ومواري كويتي وآسيا داغر وأنور وجدي وبشارة وأمين وزوزو ماضي وجورج أبيض ودولت أبيض وبديعة مصابني وطبعا صباح وغيرهم.

ومن ينتمون لأصول سورية ، فريد الأطرش وأسمهان وسعاد حسني ونجاة الصغيرة وماري منيب وأندريه شديد وغيرهم.وممن ينتمون لأصول تركية، ليلى فوزي وفريد شوقي ومديحة يسري وهند رستم وعادل أدهم وبوسي ونورا وشويكار وميمي شكيب وزوزو شكيب وحسين فهمي ومصطفى فهمي وزينب صدقي وشيرين سيف النصر.

ومن هذا الحيل أحمد زاهر، بل وكان لدينا من ينتمي لأصول أوروبية مثل داليدا واستيفان روستي.

هؤلاء قليل من كثير، ممن جاؤوا لمصر واحتضنتهم واعتزوا بها ولا ننسى أن بيرم التونسي كان من تونس مثل (هند صبري)، ولكنه كان يغضب من لقبه اعتزازا بمصر رغم أنه عانى كثيرا حتى نال الجنسية المصرية.

مصر كانت وستظل قبلة للفنانين العرب، ينهلون من مخزونها الكبير، ويحتضنهم مبدعوها، ويحيطهم بالحب أهلها، ولن ينال من مكانتها جحود فنان أو فنانة، بل سينال من مكانة الجاحد، وهي تحترم أن يعتز كل من استوطنها وسعى لنيل جنسيتها بموطني الأصلي، ولكنها في نفس الوقت تطلب حقها في الوفاء والعرفان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.