
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
طوال اليومين الماضيين لا حديث في مصر يعلو على واقعة (فتاة الأوتوبيس)، التي تعرضت حسبما تقول في فيديو لها للتحرش داخل أوتوبيس، من شاب قامت بتصويره، مثلما صورت عدد من ركاب السيارة الذكور وهم يدافعون عن الشاب وينتقدون ملابسها، ومن بينهم رجل مسن متدين (المظهر) بالمسبحة التي يمسكها وذقنه البيضاء.
على طريقة مباريات الأهلي والزمالك، انقسم الشعب المصري في تعامله مع واقعة (فتاة الأوتوبيس) إلى نصفين، النصف الأول يدين بشدة تصرفات الشاب ودفاع ركاب الأوتوبيس الذكور عنه وعن تصرفه، باعتبار أن التحرش جريمة قانونية وقبل ذلك أخلاقية ودينية بصرف النظر عن ملابس الفتاة وهيئتها.
النصف الثاني أو ممن يمكن أن يصنفوا ضمن المجتمع المتحرش بطبعه، الذين يحملون المسؤولية عنه لأي فتاة، (استنادا إلى فتاوى لدعاة وخطباء)، وبينهم (للعجب) نسبة غير قليلة من النساء، حاولوا التشكيك في قصة فتاة الأوتوبيس، وذهب بعضهم إلى أن الفيديو المنشور لا يوضح التحرش، كأن المطلوب من الفتاة أن تمسك الموبايل وتصور الشاب وهو يتحرش بدلا من أن تحاول منعه!!
علا صوت (المجتمع المتحرش بطبعه) بعد صدور بيان (تبين لاحقا أنه مزيف) من الجهة المشرفة على الأوتوبيس الترددي بأن الكاميرات لا تثبت وجود أي وقائع تحرش للهجوم مجددا على (فتاة الأوتوبيس)، والمطالبة بالاعتذار للشاب.
دون النظر للألفاظ والطريقة السمجة الخالية من أي مظهر للأدب التي ظهر وهو يتكلم بها مع البنت في الفيديو الذي صورته، والتي تدينه قانونيا وأخلاقيا حتى مع افتراض أنه لم يتحرش بها جنسيا أو لم تصور الكاميرات تحرشه.

تتحمل تحرش (الأنطاع)
أسوأ ما في هذا الجدال، استناد احد اطرافه على فتاوى وخطب لدعاة بأن التحرش نتيجة لملابس وتصرفات الفتيات، وأن من تخرج للشارع متبرجة عليها أن تتحمل تحرش (الأنطاع) بها الذين لا فضل لهم في الحياة سوى أن الله عز وجل خلقهم ذكورا، وخلق لهم (دعاة التحرش) الذين يلتمسون من الدين ما يبرر سلوكهم المنحرف من وجهة نظر ذكورية عنصرية مقيتة.
الربط بين التدين والتحرش أخطر وأعمق بكثير مما يظن البعض في مجتمعنا، وهنا استشهد بدراسة بالغة الأهمية أجراها الباحث (محمد فتحي علي سليمان) على عينة من 430 طالبًا جامعيًا ذكرًا من جامعة الفيوم، حملت عنوان (الانهزام النفسي وتقدير الذات ومستوى التدين كمنبئات نحو التحرش الجنسي لدى عينة من طلبة الجامعة الذكور).
وجدت الدراسة ارتباطا معنويا ايجابيا بين مستوى التدين والاتجاه نحو التحرش الجنسي في العينة، بمعنى أنه كلما زاد مستوى التدين حسب مقياس الدراسة، زادت درجة الاتجاه نحو التحرش الجنسي لدى بعض الطلاب في العينة، بما يعكس فهمهم الخاطئ للتدين الذي يكرسه بعض الخطباء والدعاة، من خلال التركيز على حصر الدين في العبادات فقط.
والإفتاء بأن التحرش جريمة تتحمل الفتيات الوزر الأكبر فيها، في تعمد واضح لتجاهل الآية الكريمة من سورة النور التي تقول (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتحدث عن حقوق الطريق ومن بينها (غض البصر)، وأنه حتى لو كانت الفتاة مثيرة المظهر فحسابها عند الله ولا يبرر هذا التحرش بها.

قدرات جنسية فائقة
كما أن (دعاة التحرش) لم يضعوا معايير للملابس والمظهر الفاضح (بافتراض أن ذلك من حقهم)، وبالتالي بات من حق اي (نطع) أن يقرر بنفسه ما اذا كان مظهر الفتاة يثيره أم لا، حتى لو كانت ترتدي الحجاب مثل فتاة العتبة الشهيرة في ثمانينات القرن الماضي، التي تعرضت للاغتصاب في أتوبيس نقل عام في ميدان العتبة في شهر رمضان وكانت ترتدي الحجاب.
هذا عن الجانب الديني والأخلاقي، أما الجانب النفسي فالتحرش يعكس أزمة عميقة لدى المتحرش في الثقة بنفسه، لأن سلوكه في المواصلات العامة وفي الشوارع مع بنات الناس، ليس أكثر من تعويض عن شعور بالنقص، نقص في الرجولة وغالبا في الذكورة أيضا، لأننا لو فرضنا أن المتحرشين ينطلقون من قدرات جنسية فائقة، لما وجدنا ارتفاعا ملفتا في نسب الطلاق المبكر، يعود 80% منها إلى اسباب جنسية بحسب ما نشر في موقع مصراوي.
لأننا لو فرضنا أن المتحرشين ينطلقون من قدرات جنسية فائقة، لما وجدنا ارتفاعا ملفتا في نسب الطلاق المبكر، يعود 80% منها إلى أسباب جنسية بحسب ما نشر في (موقع مصراوي).
واقعة طريفة أخيرة تذكرتها حدثت حينما كنت في المرحلة الإعدادية، حيث كان مدرس الدين يخصص معظم الحصص ليروي فيها قصصا عن نزواته الجنسية، مستمتعا بمنظر الطلاب المراهقين المنبهرين، بينما لم أكن سعيدا بما يقوله، لكنني لم أملك الجرأة على مقاطعته تحاشيا لتنمر (قبضايات الفصل)على شخصي المتواضع.