
بقلم المستشار: محمود عطية *
أكتب هذا المقال بعد أن قرأت عن سحب فيلم (الست) من دور العرض ليصادف ذكراها فكان تكريما وتقديراً واعتذاراً من الملايين التي تحيا في قلوبهم وعقولهم، ليكون اعتذاراً عن جرم حدث في حقها لم يستطيعوا أن يتصدوا له ثم الجرم الآخر وهو فيلم (الملحد) الذي سحب أو في طريقه الي السحب من دور السينما عقب وصول الإيرادات الى ادنى مستوياتها.
في مشهد لا يثير الدهشة بقدر ما يفضح لعبة قديمة مكشوفة اعتمدت على شراء التذاكر في أيام العرض الاولى لايهام الناس بوجود إقبال جماهيري، وهى حيلة معروفة يلجأ اليها المنتج حين يعجز عن خلق اهتمام حقيقي، لكنها سقطت سريعا.
لأن وعي الأغلبية من جمهور السينما لا يزال بخير، ولأن الجمهور حين يقرر الرفض لا تنفع معه الضوضاء ولا التصريحات ولا التلميع المصطنع، ولولا هذا الوعي لما وقع هذا السقوط المدوي الذي كشف هشاشة العملين وخواء الرهان عليهما
فيلم (الست) لم يكن مشروعا فنيا بقدر ما كان مغامرة تجارية محسوبة على حساب رمز ثقافي بحجم (أم كلثوم)، وهى مغامرة قامت منذ بدايتها على سوء نية فنية واضح، وعلى رغبة في كسر الصورة لا فهمها وفي تشويه الذاكرة لا قراءتها.
(أم كلثوم) ليست اسما قابلا لاعادة التشكيل وفق مزاج السوق ولا شخصية عابرة يمكن إخضاعها لمعادلات الجذب الرخيص، بل هي قيمة مستقرة في وجدان امة كاملة وصوت ارتبط بالكرامة والوقار والانضباط ومن يقترب من هذا الرمز بلا احترام لا يسيء لام كلثوم وحدها، بل يسيء لفكرة الفن نفسها
فيلم (الست) لم يقدم اجتهادا ولا رؤية بل قدم نسخة مشوهة تعتمد على إثارة الجدل وتغليب الجسد على الجوهر، واختزال المسيرة في لقطات صادمة لا تضيف شيئا سوى النفور، وكان واضحا أن الهدف لم يكن إعادة قراءة تاريخية ولا تقديم معالجة إنسانية بل صناعة ضجيج سريع يضمن الحضور الإعلامي، ولو على حساب القيمة والمعنى.

محاولة للعبث بصورة (أم كلثوم)
بطلة فيلم (الست) لم تكن ضحية هذا المسار بل كانت شريكة فيه، لأنها قبلت أن تحمل هذا العبء وهي تعلم تماما طبيعة الرمز الذي تقترب منه، وتعلم حساسية الجمهور تجاه أي محاولة للعبث بصورة (أم كلثوم).
وزاد من حدة الرفض أن ذاكرة الناس لم تكن فارغة بل محملة بتجربة سابقة لها في عمل تضمن مشهدا لخلع الملابس الداخلية قُدم حينها على انه جرأة فنية بينما رآه الجمهور لحظة انكسار واضحة وانحدارا لا مبرر له.
ذلك المشهد لم يكن تفصيلا عابرا بل كان فاصلا نفسيا وأخلاقيا بين الممثلة وقطاع واسع من الجمهور الذي شعر أن الخط الفاصل بين الفن والاستعراض قد تم تجاوزه بوعي كامل، ومنذ تلك اللحظة بدأت قطيعة لم تنجح حملات الإعلام ولا أصوات المهرجين ولا جيوش المشخصاتية في ترميمها، رغم محاولات الضغط والتخوين واتهام الناس بالرجعية.
اللافت أن رد فعل الجمهور في كلتا الحالتين كان محترما إلى أبعد مدى، فلم نر فوضى ولا شتائم ولا تحريضا بل رأينا انسحابا هادئا ومقاطعة واعية وصمتا ثقيلا، لأن الجمهور أدرك أن تجاهل العمل هو الرد الأكثر إيلاما والأكثر حضارية، وهذا ما أربك صناع الفيلم لانهم كانوا ينتظرون معركة كلامية لا برودا قاتلا.
فشل فيلم (الست) لم يكن فنيا فقط بل كان فشلا أخلاقيا ومعنويا، لأنه كشف عقلية ترى في الرموز سلعا وفي الاستفزاز طريقا وفي المال مقياسا وحيدا للنجاح، وهى عقلية لا تنتج فنا بل تنتج ضجيجا مؤقتا سرعان ما يخفت حين يغيب الجمهور الحقيقي.
أما فيلم (الملحد) فقد جاء ليؤكد أن الأزمة واحدة، وأن اختلفت الواجهات فهو عمل قام منذ عنوانه على تحدي المجتمع لا محاورته وعلى استفزاز العقيدة لا مناقشتها، وعلى تقديم الهجوم بوصفه شجاعة، بينما الحقيقة أنه لم يكن سوى مقامرة رخيصة على الجدل.
حين تم منع الفيلم لم يتحرك صناع العمل بدافع الدفاع عن فكرة فكرية عميقة، بل بدافع حماية استثمارات مالية وأجور دُفعت وأجزاء اخرى تنتظر العرض كالمعتاد، وتباروا في مدح الفيلم والترويج له قبل أن يراه الناس، وحين صدر حكم بعرضه تحول الأمر إلى احتفال أجوف حضرته وجوه معروفة بعدائها لقيم المجتمع، وكأن المسألة انتصار شخصي لا نقاش فكري.

لم يكن طرحا فكريا جادا
لكن ما حدث بعد العرض كشف حجم الوهم، فالفيلم لم يجد جمهورا حقيقيا ولم يحقق قبولا فعليا وسقط سريعا، لأن الناس رأت بوضوح أن ما قُدم لم يكن طرحا فكريا جادا بل استفزازا مقصودا، وأن من يهاجم عقيدة الناس ثم يطلب منهم التصفيق يعاني من انفصال كامل عن الواقع.
المشترك بين فيلم (الست) وفيلم (الملحد) هو الاحتقار الضمني للجمهور، والاعتقاد أن الناس يمكن خداعها بالدعاية، وأن الضجيج قادر على تعويض غياب القيمة، لكن ما حدث أثبت العكس تماما، فالجمهور أسقط العملين بهدوء، وكشف زيف الادعاء وترك المنتجين والمشاركين في مواجهة حقيقة واحدة وهى أن الاحترام لا يشترى وأن القبول لا يفرض.
الجميع قبض أجوره أو ينتظرها، لكن الخسارة الحقيقية كانت خسارة الصورة وخسارة الثقة وخسارة ما تبقى من رصيد معنوي، لأن الفنان أو المنتج حين يعلن عمليا استعداده لبيع الرمز أو العقيدة مقابل المال يفقد شيئا لا تعيده مواسم ولا تصلحه حملات.
ما جرى لم يكن انتصارا للمنع ولا هزيمة للفن، بل كان انتصارا للوعي العام الذي قال كلمته دون ضجيج، وأثبت أن المجتمع لا يزال قادرا على حماية رموزه وقيمه، وأن الفن الحقيقي لا يولد من التحدي الأجوف بل من الصدق والموهبة والاحترام، وأن السقوط حين يأتي لا يكون صاخبا دائما بل يكون صامتا وحاسما.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع