* (اسرار اللحظات الأخيرة قبل الافتتاح)

بقلم المخرج الكبير: عصام السيد
مع أول أيام العام الجديد اجتمع أعضاء اللجنة التنسيقية للدورة السادسة عشر من مهرجان (المسرح العربي) الذى تقيمه الهيئة العربية للمسرح كل عام في بلد عربى مختلف، لتضع اللمسات الأخيرة للدورة التي ستقام في القاهرة للمرة الثالثة، وتفتتح يوم 10 يناير و تستمر الى يوم 16.
كانت التحضيرات لدورة مهرجان (المسرح العربي) قد بدأت منذ شهر يوليو من العام الماضى بعد فترة مراسلات طويلة، فلقد خططت الهيئة للدورة تخطيطا دقيقا لتكون دورة متميزة و فارقة، من ناحية الكم و الكيف، ففي القاهرة سيجتمع أكثر من 400 ضيف عربى، بمشاركة أكثر من 300 فنان مصري.
وستقوم وزارة الثقافة المصرية بالتعاون مع الهيئة بتنفيذ وقائع الدورة من خلال أكثر من 600 موظف وإدارى وفنى، يتوزعون بين قطاعات الأوبرا و قطاع المسرح وقطاع صندوق التنمية الثقافية و الهيئة العامة لقصور الثقافة و المجلس الأعلى للثقافة.
وستشهد دورة مهرجان (المسرح العربي) عدة نشاطات و فعاليات تتنوع مابين: مسابقة أفضل عرض عربى في نسختها الثالثة عشر و التي تتنافس فيها 15 فرقة مسرحية عربية على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة – حاكم الشارقة لأفضل عرض عربى وقيمتها 100 ألف درهم إماراتى.
وللمرة الأولى يحمل مهرجان المسرح العربي معه الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة.
ولم يكن التخطيط لمهرجان (المسرح العربي) قاصر على أن يحتوى على مجرد عروض فقط، بل يشمل ندوات فكرية وجلسات نقاش بين المسرحيين والنقاد، تُعنى بقضايا المسرح العربي الراهنة ومستقبله، مما يشجع التحليل النقدي ومراجعة التجارب، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في تنمية الوعي المسرحي لدى الجمهور والممارسين على حدٍ سواء.

النقد المسرحي العربي
فقد تم التحضير لعقد مؤتمر فكرى عن النقد المسرحى يحمل عنوان (نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي)، يتطرق الى الخصوصية المفتقدة في النقد المسرحي العربي، وجهود تحديثه مرورا بأزمة المصطلح المسرحي والنقدي.
ويضم المؤتمر الفكرى – الذى سيعقد على مدار يومين – أبحاثا محكمة ومداخلات متعددة ، الى جانب مؤتمرات صحفية تعريفية بالفرق المشاركة و ندوات نقدية تطبيقية للعروض.
إلى جانب كل هذا سيقام معرض للكتاب يضم جميع إصدرات الهيئة السابقة الى جوار 10 كتب جديدة أصدرتها الهيئة بمناسبة الدورة المصرية، وكتابين إلكترونيين، كما يسبق الافتتاح الرسمي لدورة مهرجان (المسرح العربي) مجموعة من الورش الفنية في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا تنطلق في ثلاث محافظات مصري.
هى الإسكندرية والإسماعيلية وأسوان تلبية لطلب الأستاذ الدكتور احمد فؤاد هنو وزير الثقافة ورئيس اللجنة العليا للمهرجان وإصراره على أن يستفيد أبناء الأقاليم من الفاعليات الثقافية و لا تقتصر على العاصمة.
كل هذا الزخم حوته (نوتة) صغيرة وجهاز كومبيوتر محمول في صحبة الصديق المخرج (غنام غنام) مسئول الملف الاعلامى للمهرجان وجهاز آخر تحمله الأستاذة (ريما الغصين) مسئولة العلاقات العامة بالهيئة، و كل ما تحويه هذه الأجهزة تجده مسجلا في عقل الكاتب (إسماعيل عبد الله) أمين عام الهيئة .
أثناء الاجتماع لفت نظرى أن (غنام) هو ذاكرة مهرجان (المسرح العربي)، وعنده جداول كاملة ملونة ومنسقة تنسيقا بديعا ، مسجل فيها ما سيجرى فى المهرجان بالدقيقة والساعة، ومعه (هارد ديسك) ينقل عليه كل المادة من باب الإحتياط، أما (الغصين) فعلى جهازها كل التأشيرات وجوازات السفر و تذاكر الطيران و مواعيد الوصول!
وجاءتنى فكرة سيطرت على عقلى: ماذا لو فُقدت هذه الأجهزة فجأة؟، ماذا سيكون مصير المهرجان؟
طردت تلك الأفكار السوداء من عقلي، و لكن سؤالا آخر ألح على خاطرى، ماذا لو لم يفكر الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي كرجل مسرح يؤمن برسالته و يعشق خشبته في تكوين هذه الهيئة كهيئةٌ غير حكومية غير ربحية ويوفر لها مصادر التمويل؟

اكتشاف مؤلفين تجدد دماء المسرح
بالتأكيد كنا سنفقد أشياء كثيرة أولها المسابقات التي تقيمها الهيئة من العام التالى لنشأتها (2008) كمسابقة تأليف النص المسرحى الموجه للكبار والأطفال، لتثري المكتبة العربية بعدة نصوص لتثبت أنه لا أزمة في النص المسرحى، وتساهم في اكتشاف مؤلفين تجدد بهم دماء المسرح.
كنا سنفقد المسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي، التي تقيمها الهيئة لتشجيع الدراسات المسرحية الأكاديمية، مما يفتح آفاقًا جديدة للبحث والنقد والمعرفة المسرحية، استكملتها باصدار العديد من الكتب والدراسات المسرحية التي تغطي جوانب فنية وتاريخية ونقدية.
مثل أعمال عن المسرح الغنائي والمسرح العالمي، وهو جهدٌ يتجاوز الدعم الفني ليصل إلى التعمق المعرفي في الثقافة المسرحية، كنا سنفقد توثيق وقائع أهم المهرجانات العربية مثل مهرجان قرطاج وتندثر جهوده بلا توثيق او تسجيل كما حدث لمهرجانات أخرى ، وكانت بعض البلدان ستفقد الدعم السخى الذى قدمته الهيئة من اجل إقامة مهرجاناتها الوطنية و أيضا دعمها لبعض المهرجانات الدولية.
كنا سنفقد المشروع الأهم – من وجهة نظرى – الذى رعته الهيئة و هو تطوير المسرح المدرسي في الدول العربية ودمج التربية المسرحية في المناهج التعليمية، وقد قام المشروع بشكل علمى من خلال وضع استراتيجية للمسرح المدرسى وبرنامج تدريبى تم تنفيذه في عدة دول عربية.. و بهذا سعت الهيئة لأن يكون المسرح العربي ليس فقط فناً للعرض، بل ثقافةً للحياة، ولغةً للتفاهم، وصوتًا للمجتمعات.
كنا سنفقد مهرجان (المسرح العربي) نفسه ، الذى أصبح ساحة للقاء بين المسرحيين وتحقيق التعارف فتحا لآفاق التعاون من أجل أن يكون للمسرح دورٌ جوهري في تشكيل الوجدان الجماعي والحفاظ على روح الابداع الفني الذي يُسهم في التنوير والتعبير عن قضايا الإنسان العربي.
انتبهت على صوت (غنام) وهو ينهى مكالمة تأكد خلالها من أن وقائع الدورة بالكامل سوف تبث بالصوت والصورة، وبشكل مباشر بالتعاون ما بين الهيئة و المركز القومى للمسرح كى يتسنى للجميع متابعة وقائع الدورة من المحيط الى الخليج.
استكملنا العمل، وفجأة سألنى صديقى المخرج الكبير خالد جلال منسق عام المهرجان، لماذا وضعت مؤتمرات صحفية للمكرمين على 4 جلسات في يومين متتالين؟، ألا يكفى أن يضمهم مؤتمر صحفى واحد؟ هذا جهد مضاعف.
قلت: أنهم 17 شخصية مسرحية مصرية لها تاريخ طويل في فن المسرح وأثرت في مسيرته، فلو تكلم كل منهم عن مسيرته 10 دقائق، ثم أجاب على أسئلة الصحفيين لأمتد المؤتمر لساعات طويلة.

قصة المسرح المصري
بالإضافة أن كلهم نجوم في التمثيل والإخراج والنقد والتأليف والديكور والتدريس الأكاديمي، ويغطون جوانب العملية المسرحية بالكامل في القطاع العام والخاص والثقافة الجماهيرية، ومن حق الناس ان تستمع لقصص كفاحهم فهى جزء من قصة المسرح المصري، ولذا وضعت في اليوم الأول 11 مكرم و في اليوم الثانى 6 شخصيات الى جانب 5 جهات تم الاتفاق على تكريمهم.
كان مهرجان (المسرح العربي) في هذه الدورة يتبع تقليدا جديدا لم يقم به أى مهرجان عقد على أرض مصر بتكريم خمس جهات – وليس افراد – هذه الجهات أخذت على عاتقها المشاركة في الحركة المسرحية تدريبا وإنتاجا، وساهمت في ترقية المسرح المصري، وقدمت جهدا واضحا في رفعته.
فالمسرح المصرى ليس أفرادا فقط، ولا هو المسرح المحترف وحده ولا المسرح الحكومى منفردا، بل هو خليط من كل اشكال النشاط المسرحى المحترف والهاوى و الحكومى والأهلي.
ولذا فإن اللجنة التنسيقية رأت أنه إذا كانت كل المهرجانات تكرم الافراد فلا يجب ان نغفل عن تكريم الكيانات التي اتاحت لكثير من هؤلاء الأفراد الفرصة لممارسة شغفهم، فعلمتهم ودربتهم وأعطتهم مساحة للظهور، وكلها كيانات نشأت بجهود أفراد و لم تكن قائمة بحكم القانون أو العرف.
فهى ليست معاهد فنية و لا نقابات مهنية من واجبها ترقية المهنة بحكم قانون انشائها، بل هى جهات أُستحدثت للعمل مع الهواة بكافة أطيافهم، ولم تبخل عليهم بجهدها وكلها كانت جهات غير هادفة للربح.
فما هي هذه الجهات وكيف تم اختيارها؟
ذلك حديث آخر..