رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
غادر (محمد الموجي) الشقة تاركًا (أميرة سالم) خلفه

بقلم الدكتور: إبرهيم أبو ذكري*

بعد الانتهاء من إنتاج وتوزيع مسلسل (دعاء الكروان)، الذي شكّل محطة فنية مهمة في تلك المرحلة، وساهمت فيه (أميرة سالم) بصوتها إلى جانب ألحان (محمد الموجي)، سواء في تتر البداية والنهاية أو في الأغاني الداخلية، غادرتُ القاهرة متجهًا إلى أبوظبي، حيث أقمت هناك لفترة من الزمن.

كانت تلك السنوات، وبخاصة أوائل الثمانينيات، زمنًا بالغ القسوة على مستوى التواصل؛ الاتصالات الهاتفية محدودة وبطيئة، والوصول إلى القاهرة لم يكن أمرًا يسيرًا، لا من حيث السفر ولا من حيث متابعة التفاصيل اليومية للحياة الفنية والإنسانية في مصر. كانت الأخبار تصل مبتورة، متأخرة، وغالبًا بلا سياق.

كانت الشقة التي كنا نلتقي فيها باستمرار – وهي نفسها التي جرى داخلها تنفيذ الموسيقى التصويرية وأغاني مسلسل (دعاء الكروان) – مؤجَّرة باسم (محمد الموجي).

هناك تشكّلت ملامح العمل، وتداخلت التفاصيل الفنية مع الحياة اليومية، في مساحة كانت تجمع بين الإبداع والخصوصية. لكن بعد وقوع الطلاق، غادر (محمد الموجي) الشقة تاركًا (أميرة سالم) خلفه، من دون أن يقدّم لها أي دعم مادي أو يساندها حتى في تدبير أمر الإيجار، فضلًا عن أنه تركها بلا أي مصدر ثابت للإنفاق.

وجدت (أميرة سالم) نفسها فجأة في مواجهة واقع قاسٍ، بلا سند حقيقي داخل الوسط الفني. كانت معرفتها بسوق الغناء محدودة، ولم تكن قد كوّنت شبكة علاقات واسعة يمكن أن تحميها أو تفتح لها أبوابًا جديدة.. فالكثيرون لم يعرفوها إلا بوصفها زوجة محمد الموجي، أو من خلال ظهروها المرتبط به فنيًا، لا كصوت مستقل له مشروعه الخاص.

أذكر أن (محمد الموجي) كان قد اتفق معي، قبل ذلك، على أجر منخفض نسبيًا، بدافع رغبته في تقديم أميرة سالم للجمهور من خلال المسلسل، وإتاحة فرصة حقيقية لها للانتشار.. لكن بعد الانفصال، تلاشت تلك الوعود عمليًا، وبقيت (أميرة سالم) وحدها في مواجهة فراغ فني ومعيشي، في لحظة كانت أحوج ما تكون فيها إلى الدعم لا إلى الغياب.

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
وصلني خبر صادم ومؤلم: (محمد الموجي) طلّق (أميرة سالم)

(محمد الموجي) يطلّق (أميرة)

وخلال تلك الفترة من الغربة، وصلني خبر صادم ومؤلم: (محمد الموجي) طلّق (أميرة سالم)، لم يكن الخبر عاديًا، لا على المستوى الشخصي ولا الفني.. فالعلاقة بينهما لم تكن مجرد زواج.

بل شراكة إبداعية واضحة المعالم، انعكست في أعمال حملت قدرًا كبيرًا من الصدق والانسجام. جاءني الخبر جافًا، بلا تفاصيل، في وقت لم تكن فيه إمكانية السؤال أو الاستيضاح متاحة، فبدا وقعه أشد قسوة، وترك داخلي أسئلة كثيرة ظلّت معلّقة لسنوات.

كنت أحاول، قدر ما تسمح به ظروف الغربة وصعوبة الاتصالات، أن أبقى على صلة بالبيت في القاهرة.. وفي إحدى تلك المكالمات، أخبرتني زوجتي أن (أميرة سالم) باتت تتردد على منزلنا باستمرار، تسأل عني، وعن موعد عودتي إلى مصر.. لم يكن حضورها عابرًا أو مجاملة اجتماعية، بل كان متكررًا ولافتًا.

لاحظت زوجتي – بحسّها الإنساني قبل أي شيء – أن زيارات (أميرة سالم) غالبًا ما كانت تتزامن مع أوقات الطعام: الغداء، أو العشاء، وأحيانًا الإفطار.. لم تقل (أميرة سالم) شيئًا صريحًا، ولم تطلب مساعدة مباشرة، لكن المشهد كان أبلغ من أي كلام.

قالت لي زوجتي، بنبرة لا تخلو من القلق: (واضح إنها في ضيق شديد).. كانت جملة قصيرة، لكنها اختصرت حالًا كاملة من العوز الصامت، وكشفت لي حجم المأزق الذي وصلت إليه (أميرة سالم) في تلك الفترة، بعيدًا عن الأضواء، وبلا سند حقيقي.

طلبتُ منها أن تعرض على أميرة بعض المال، كمساعدة مؤقتة تخفف عنها قسوة الظروف، لكنها أخبرتني لاحقًا أن (أميرة سالم) رفضت الأمر تمامًا.. اعترفت بصراحة أنها تمر بضائقة مالية حقيقية، لكنها أكدت – وبإصرار واضح – أنها لا تريد أن تأخذ شيئًا بلا مقابل، ولا أن تكون موضع شفقة أو إحسان.

بعد فترة قصيرة، عدتُ إلى القاهرة.. وما إن وصلت إلى مكتبي، ولم تمضِ سوى دقائق على دخولي، حتى سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.. كانت (أميرة سالم) تقف هناك، كما لو أن التوقيت وحده قادها إليّ.

استقبلتها بأفضل ترحيب، وقبل أن تبدأ بأي شكوى أو تفتح باب الحديث عمّا تمر به، بادرتها بالكلام.. أخبرتها أنني كنت قد التقيت بمدير تلفزيون أبوظبي، وأنه طلب مني تنفيذ ثلاثين دعاءً دينيًا للتلفزيون.. ثم أخرجتُ عقدًا على بياض، وطلبت منها أن توقّع عليه.

وقّعت (أميرة سالم) العقد من دون تردد، بهدوء وثقة، من غير أن تسأل عن التفاصيل، أو تحاول استيضاح المقابل.. في تلك اللحظة، بدا واضحًا أنها كانت تبحث عن فرصة عمل تحفظ لها كرامتها قبل أي شيء آخر، وتمنحها إحساسًا بالاستمرار، لا مجرد مساعدة عابرة.

أخرجتُ لها مبلغ ألفي جنيه، وقلت لها بهدوء: (هذا عربون الغناء) كان ذلك المبلغ، في ذلك الوقت، كبيرًا بمعاييره، ويعادل اليوم ما يزيد على مئة وخمسين ألف جنيه تقريبًا.

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
راحت تحكي لي عن (محمد الموجي)، وعن كيف ضحّت باستقرارها الشخصي من أجله

بلا شقة، وبلا سند حقيقي

بعدها فقط، بدأت أستمع إلى شكواها.. راحت تحكي لي عن (محمد الموجي)، وعن كيف ضحّت باستقرارها الشخصي من أجله، وابتعدت عن أسرته وأولاده، ظنًا منها أنها تؤسس لحياة جديدة أكثر ثباتًا.. لكنها وجدت نفسها، فجأة، وحيدة تمامًا؛ بلا شقة، وبلا سند حقيقي.

قالت إنها اضطرت إلى ترك الشقة التي كانت تعيش فيها معه، وبدأت تبحث عن شقة أخرى أقل إيجارًا، محاولة أن تعيد ترتيب حياتها من الصفر، وأن تبدأ من جديد، وسط ظروف قاسية لم تكن تتخيل يومًا أن تصل إليها.

جلسنا في المكتب نتحدّث طويلًا عمّا حدث، عن ظروفها العاطفية القاسية، وعن الموقف الصعب الذي وُضعت فيه فجأة، من دون استعداد أو سند.. كانت تتكلم بهدوء، لكن ما بين السطور كان كافيًا ليكشف حجم ما مرت به.. قالت إن هذا العقد جاءها وكأنه إنقاذ من عند الله، في لحظة كادت تفقد فيها أي أمل.

حاولت أن أفتح الحديث عن تفاصيل الإنتاجين اللذين وقّعت عليهما، لكنها لم تكن في حالة تسمح بالنقاش الفني أو الحسابات الدقيقة، كما أنني تعمّدت التهرّب من اتخاذ أي قرار حاسم في تلك اللحظة.. تركت الأمر معلقًا، وكأن المهم فقط أن تشعر بأن هناك بابًا فُتح أمامها، لا أن تُرهق بتفاصيل جديدة.

انتهت الجلسة، وأنا أُقنع نفسي بأنني فعلت ما كان يجب أن أفعله، وأن الله – إن شاء – سيفرج عنها من جهة أخرى.. فقد كانت فتاة محترمة، ملتزمة، ذات صوت جميل ومتفرد بحق، وتستحق فرصة حقيقية لا مجرد تعاطف عابر.

خرجت (أميرة سالم) من مكتبي سعيدة بما أخذته، وبما تخيّلته من آفاق جديدة يمكن أن تفتحها تلك الخطوة. ولم تكن تعلم، في ذلك الوقت، أنني قد منحتها تلك الأموال من دون أن يكون هناك إنتاج محدد في الاعتبار، أو خطة فعلية لتنفيذ ما وُقّع عليه.. لم يكن هذا الإنتاج أصلًا ضمن خطتي، لكن ما حدث كان، بالنسبة لي، قبل أي شيء آخر، فعل إنساني فرضته اللحظة.

كانت (أميرة سالم)، في تلك اللحظة من الزمن، تقف وحيدة تمامًا؛ بلا ظهرٍ يحميها، ولا كتفٍ تستند إليه.

مطلّقة.. إمرأة خرجت من زواج لم تخرج منه ببيت، ولا بمال، ولا حتى باسمٍ يخفف عنها قسوة الأسئلة ونظرات الشك.

كانت الحكاية، في جوهرها، ظريفة وبسيطة، لكنها لم تخلُ من مفارقات الزمن الجميل.

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
كان الصوت صوت (أميرة سالم)..

صوت (أميرة سالم)

بعد يومين أو ثلاثة، رنّ الهاتف في بيتي، وكان الصوت صوت (أميرة سالم).. سألتني في ودٍّ مباشر: متى تنزل إلى المكتب؟، قلت متوجسا: (خير إن شاء الله يا أميرة؟)، أجابتني بأنها ستأتي ومعها عزّت الجندي، للاتفاق على الأغاني.

والحق أنني كنت قد نسيت الأمر تمامًا، بل كنت أتعمد نسيانه.. لم أرد أن تشعر (أميرة سالم) بأن ما أخذته لم يكن إلا مساعدة أو إحسانًا، لا عقدًا حقيقيًا.. أردت حفظ كرامتها، ولو على حساب بعض المراوغة اللطيفة.. لكن إصرارها كان أقوى، وحددت موعدًا لاجتماع في المكتب بحضورنا جميعًا.

كان عزّت الجندي هو كاتب كلمات الأغاني الداخلية، وأغنيتي البداية والنهاية لمسلسل (دعاء الكروان)، وكان يتقاضى عن الأغنية الواحدة خمسمائة جنيه، وهو رقم يُعدّ الأقل في السوق آنذاك، غير أن الصداقة القديمة التي جمعتني به جعلته يقبل بهذا الأجر دون تردّد.

حين حضر عزّت مع (أميرة سالم) إلى المكتب، عقدت العزم على إفشال الاتفاق، لا قسوةً، بل دهاءً ومزاحًا.. قلت له بخفة دم متعمدة: (ميزانيتنا عشرة جنيهات للأغنية)

أي ثلاثمائة جنيه لثلاثين أغنية كاملة.

ثار عزّت، وضرب بيده على المكتب، وتفجّرت كلمته الشهيرة – رحمه الله – من قلبه قبل لسانه: (عزيزٌ يا دمعُ الرجال!)، وكاد البكاء يخنقه، فقد رأى في العرض إهانة لا تُغتفر. وكان في انفعاله شيء من المسرح، شيء جعلني أبتسم رغم الموقف.

تدخلت (أميرة سالم)، وقد عقدت العزم على إنجاز الأمر، راحت تستعطفه قائلة: (اقبل من أجلي يا عزّت.. لا يمكن أن ترفض. .أنت تعرف كم يحبك (إبراهيم أبو ذكري)، وكم تحبه أنت، وما يطلبه منك يُنفَّذ!

وبعد شدٍّ وجذب، رضخ عزّت أخيرًا، لكنه أضاف خمسة جنيهات على أجر كل أغنية، كحلٍّ وسط يحفظ شيئًا من الكرامة.

أما أنا، فكنت أظن أن تأليف ثلاثين أغنية سيستغرق وقتًا طويلًا، فوضعت له شروطًا قاسية، وضيقّت عليه في التنفيذ، معتقدًا أن الزمن سيقف إلى جانبي.. ولم أكن أعلم أن للأيام رأيًا آخر.

لم تمرّ سوى أيام قليلة، يومان أو ثلاثة على الأكثر، حتى جاءني (عزّت الجندي) إلى المكتب بصحبة (أميرة سالم)، يحمل بين يديه ثلاثين أغنية كاملة.. ثلاثون نصًّا مكتملًا، كانت كلماتها من أجمل ما سمعت في حياتي كلها. وقفت أمامها مأخوذًا، وشعرت بحرج بالغ؛ فلم أجد سطرًا واحدًا أستطيع أن أطلب تعديله، ولا كلمة تحتمل التغيير.

أخذت الأغاني، وقلت لها بهدوء مقصود: (إن شاء الله أحتفظ بها عندي إلى أن أعود إلى أبوظبي، أعرضها هناك، ونأخذ الموافقة على التنفيذ. وبعدها نبحث عن ملحّن جيّد، ونرى ما يمكن فعله).

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
عزت الجندي

العمل الذي بدأ بلا ميزانية

كنت أقول ذلك وأنا أعلّق الأمر على أملٍ بعيد، أقرب إلى المجاملة منه إلى التخطيط الحقيقي. في الحقيقة، لم يكن لديّ أي حساب لميزانية المشروع.. كل ما صُرف كان مجرد دعم لأميرة، وعزومات بين أصدقاء.. ولم يكن في ذهني أي يقين بأن العمل سيكتمل أو يرى النور.

ثلاثون أغنية تُسجَّل وتُصوَّر للتلفزيون كانت تحتاج إلى ميزانية ضخمة، خاصة في ذلك الزمن، وأنا لم أكن أملكها، ولا حتى أقترب منها.. لم يكن لديّ سوى الإحساس بأن الموضوع سيتوقف هنا، بهدوء، كما توقفت أشياء كثيرة قبله.. لكن أميرة لم تكن تؤمن بالتوقف.

في أحد أيام الشتاء القارس في القاهرة، والبرد يلفّ المدينة بثقله، كنت في بيتي، حين رنّ الهاتف الأرضي – زمنٌ لم تكن فيه الهواتف المحمولة قد اقتحمت حياتنا بعد.

رفعت السماعة:

– (ألو؟).

– (أهلاً يا أميرة، إزيك؟).

قالت لي بنبرة تحمل مفاجأة مقصودة:

(تفتكر أنا قاعدة مع مين دلوقتي؟).

قلت: (خير إن شاء الله؟).

فأجابت، وكأنها تلقي حجرًا في ماء ساكن: (أنا قاعدة مع الموسيقار أحمد صدقي)!

وكان (أحمد صدقي) واحدًا من أعظم الموسيقيين الذين مرّوا على مصر، وأكثرهم علمًا وصدقًا.. موسيقارًا لا يشبه أحدًا، حتى إنه كان يتعالى، بثقة الفنان الكبير، على (أم كلثوم) نفسها وعلى الجميع.. عُرف بألحانه المتفرّدة، وبأنه لا يلحّن إلا إذا اقتنع بالصوت اقتناعًا كاملًا، وبالأجر أيضًا.

وكان أجره الأعلى في السوق بلا منازع؛ قد يصل في ذلك الوقت إلى ألف وخمسمائة، بل ألفين جنيه للأغنية الواحدة.. رقمٌ كان وحده كفيلًا بأن يُنهي أي حلم قبل أن يبدأ.

وعندها فقط… بدأت أشعر أن الحكاية لم تعد مجرد مجاملة، ولا محاولة لطيفة لإنقاذ ماء وجه، بل قدرًا يطرق الباب بإصرار لا يعرف التراجع.

انزعجتُ كثيرًا وأنا على الهاتف، وسألته بقلق: (حضرتك فين دلوقتي؟).

قال لي عنوانه في عمارة بشارع جامعة الدول العربية، رقم كذا، الدور السادس.. قلت له بتلقائية: (عارف إنك ممنوع من صعود الأدوار العالية؟).

ضحك وقال: (ما تقلقش.. أشرف، ابني، ضابط، ينزّلك بكرسي ويطلعك فوق واحدة واحدة).

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
كنت أعرف في داخلي أنني لا أريد الدخول في هذا المشروع، لكن أميرة سالم كانت مصممة

(أميرة سالم) كانت مصمّمة

كنت وقتها شابًا، والحمد لله صحتي جيدة، لكن خوفي لم يكن من السلالم ولا من التعب، بل من التورّط.. كنت أعرف في داخلي أنني لا أريد الدخول في هذا المشروع، ولا الانزلاق إلى إنتاج لم أستعد له لا نفسيًا ولا ماديًا.

أما (أميرة سالم) فكانت مصمّمة.

تحت هذا الضغط، ارتديت عباءة وجلابية، مظهر أقرب إلى مقاول بسيط منه إلى منتج أو رجل تلفزيون.. وضعت الكلوبوش على رأسي، وبدا شكلي غريبًا، متعمّدًا، خاصة أنه لم يكن يعرفني من قبل.

استقبلني في الصالون بحفاوة، وتبادلنا حديثًا هادئًا عن الهندسة، والري، وذكريات الإيقاع، وحكاياته مع (أم كلثوم).. جلسة دافئة، خفيفة الظل، بعيدة تمامًا عمّا كنت أخشاه.

وفي النهاية، خرج من الصالون ونادى (أميرة سالم).

دخلت عليّ وقالت هامسة:

(مش مقولة له على المبلغ اللي إنت موافق عليه للألحان).

قلت لها بثبات مصطنع:

(الميزانية المتاحة ألفين جنيه).

خرجت (أميرة سالم)، وأنا جلست أتخيّل أنه سيعود بعد لحظات ليطردني من بيته؛ فهذا المبلغ لم يكن يساوي أجر أغنية واحدة من أغانيه.

لكن الغريب أنها عادت مبتسمة وقالت:

(ألفين جنيه؟ ممكن نزودهم شوية؟)

ابتسمت في داخلي بسخرية خفيفة، وقلت:

(علشان خاطرك… 2500 جنيه).

قلت ذلك وأنا أظن أنني بذلك أُنهي القصة، وأغلق باب الإنتاج إلى الأبد.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت حين دخلا معًا، مبتهجين، كأنهما عادا من معركة منتصرين.

قال لي (أحمد صدقي) بابتسامة صادقة:

(موافق على المبلغ.. (أميرة سالم) صوتها حلو، والأغاني حلوة، والفكرة عاجباني. وبصراحة: (أنا نفسي أعمل العمل ده. عندي طاقة، وإيقاعات جديدة، وحاسس إن الأغاني دي ممكن تكون آخر أعمالي، أختم بيها حياتي الفنية. عاوز أعمل عدد كبير مرة واحدة، أحط فيها كل الموسيقى اللي في دماغي).

إبراهيم أبوذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (37).. (أميرة سالم) و30 دعاءا دينيا
الموسيقار الكبير أحمد صدقي

من عباءة المقاول إلى بدلة المنتج

في تلك اللحظة، خلعت عباءة المقاول، وارتديت بدلة المنتج.. قلت له دون تردد:

(شبيك لبيك يا أستاذ أحمد صدقي… تقول اللي إنت عايزه).

واتخذت القرار: سأنتج الثلاثين أغنية.

قلت له:

(شروطك إيه يا أستاذ؟).

قال: (أولًا، هاخد 15 أغنية من عزّت الجندي، و15 من الأستاذ علي الفقي.. نص باللهجة المصرية، ونص باللغة العربية، علشان أعرف أنفّذ فيهم شغلي كامل).

قلت: (موافق).

قال: (وعاوز المهندس فلان الفلاني من التلفزيون مهندس صوت),

قلت: (موافق).

قال: (وعاوز الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن).

وكانت أغلى فرقة موسيقية في مصر.

قلت: (موافق).

قال: (وعاوز استوديو 10 في ماسبيرو، وحجز كذا يوم لتسجيل الفرقة).

قلت: (موافق).

كل طلباته نُفِّذت دون نقاش.

وكانت النتيجة إنتاجًا متميزًا، انتهى بثلاثة وثلاثين أغنية، بميزانية خاصة، وبدأ صدفة، وكأنه لوجه الله.

ويمكنني أن أقول اليوم، بعد أكثر من خمسة آلاف ساعة إنتاج في حياتي، إن هذا العمل كان من أجود وأصدق ما قدّمت.

إنتاج بتكلفة محدودة، ومكسب هائل.. أدبيًا، وماديًا، ونفسيًا.. وكان قبل كل شيء، باب خير فُتح على (أميرة سالم)، رحمها الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.