رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت

رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت
الحركة الدائرية هي لغته الأم، والسرّ الذي يحفظ توازنه منذ اللحظة الأولى
رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت
رضا العربي

بقلم الفلكي: رضا العربي

حين نرفع أعيننا إلى السماء، لا نرى فوضى كما قد توحي المسافات الشاسعة، بل نلمح نظامًا هادئًا، متكررًا، يشبه دائرة كبرى تدور بلا ضجيج.. هذا ليس فيلما سينمائيا.. بل إن (الكون) في جوهره، لا يسير في خطوط مستقيمة إلا نادرًا؛ إنه يفضّل الدوران، وكأن الحركة الدائرية هي لغته الأم، والسرّ الذي يحفظ توازنه منذ اللحظة الأولى.

من أصغر وحدات المادة إلى أعظم بنى (الكون)، يتكرر المشهد ذاته: الإلكترون يطوف حول نواة الذرة، الكواكب تدور حول نجومها، والنجوم نفسها تنخرط في رقصة لولبية – مثل الباليه الكلاسكيكي – داخل المجرات.. حتى المجرات لا تسكن السكون، بل تسبح في دوائر هائلة داخل عناقيد كونية، كما لو أن الكون كله ساعة عملاقة، عقاربها لا تتوقف.

علميًا، لا تأتي الدائرة مصادفة.. فالجاذبية، تلك القوة الخفية التي تشدّ ولا تُرى، تفرض على الأجسام مسارات منحنية.. لو تحرّك كوكب في خط مستقيم لانفلت من نظامه، ولو سكن لسقط في قلب نجمة.. بين الهروب والسقوط تولد الدائرة: حلٌّ فيزيائي ذكي يضمن الاستمرار.. هكذا يصبح المدار في (الكون) تعبيرًا عن توازن دقيق بين قوة الجذب وقوة الحركة.

رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت
المدهش أن هذا النظام الدائري لا يلغي التغيّر، بل يحتضنه

سلسلة دورات كبرى وصغرى

لكن النظام الدائري لا يقتصر على الفضاء البعيد.. على الأرض، يتجلّى المعنى ذاته في دورات الحياة: الماء يتبخر، يتكاثف، يهطل، ثم يعود من جديد.. الفصول تدور، والليل يعقب النهار، والخلايا في أجسادنا تولد وتموت في انتظام مذهل..

حتى الزمن في نظر بعض الفيزيائيين والفلاسفة ليس خطًا مستقيمًا خالصًا، بل سلسلة دورات كبرى وصغرى تتداخل وتعيد إنتاج ذاتها بأشكال مختلفة على طريقة المونتاج السينمائي.

المدهش أن هذا النظام الدائري لا يلغي التغيّر، بل يحتضنه.. فكل دورة ليست تكرارًا آليًا لما قبلها، ليست بطريقة (الفلاش باك)، بل عودة مشروطة بتجربة جديدة.. الأرض تعود إلى الربيع، لكنها ليست الأرض ذاتها تمامًا؛ (الكون) يعيد تشكيل نفسه باستمرار، كأن الدائرة فيه ليست قيدًا، بل مساحة آمنة للتجدد.

في الفيزياء الحديثة، تلوح فكرة أكثر عمقًا: ربما (الكون) نفسه نشأ من انفجار عظيم، وقد ينتهي بانكماش، ليولد من جديد في دورة كونية أكبر.. نظرية لا تزال موضع نقاش، لكنها تكشف شغف العقل العلمي بفكرة الدائرة، كأنها المفتاح الأقرب لفهم الأبدية دون الوقوع في عبث النهاية السينمائية المطلقة.

وهكذا، يصبح النظام الدائري لغة مشتركة بين العلم والفلسفة.. هو اعتراف بأن الاستمرار لا يكون بالاندفاع الأعمى، بل بالدوران الواعي حول مركز ما في (الكون) كما في الحياة، نحن لا نسير دائمًا إلى الأمام، بل نعود، نراجع، نقترب ثم نبتعد، لنحافظ على توازننا في حتمية درامية متقنة.

(الكون) لا يمشي.. بل يدور.. وفي هذا الدوران، يكمن سر بقائه، وربما سر بقائنا نحن أيضًا: أن نفهم أن الدائرة ليست عودة إلى الوراء، بل شكل آخر من أشكال التقدم، أكثر حكمة، وأشد اتساقًا مع نبض الوجود.

ليس الخط المستقيم هو ما يحكم هذا (الكون)، بل الدائرة.. من يتأمل الحياة بعمق يكتشف أن الوجود لا يسير من نقطة إلى أخرى ثم ينتهي، بل يدور.. يعود.. يتجدد.. كأن الدائرة هى الأبجدية الأولى التي كُتب بها (الكون)، والسرّ الذي لم يفقد دهشته رغم تكراره الأبدي.

رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت
شبكة معقدة من الشرايين والأوردة، يعود إلى القلب ليُضخ من جديد

الدائرة في أجسادنا: إيقاع الحياة

في داخل أجسادنا، لا شيء يحدث مصادفة.. الدم لا يمشي في خط مستقيم، بل يدور في شبكة معقدة من الشرايين والأوردة، يعود إلى القلب ليُضخ من جديد، وكأنه يتعلم في كل دورة معنى البقاء.. التنفس ذاته فعل دائري: شهيق ثم زفير، أخذ ثم عطاء، حياة تُستقبل وحياة تُعاد إلى العالم.

حتى خلايانا تخضع لإيقاع دائري؛ تنمو، تنقسم، تشيخ، تموت.. ثم تُستبدل. لا فناء كامل، بل تحول مستمر.. يشبه إيقاع الكاميرا,

النوم واليقظة، الجوع والشبع، الألم والشفاء.. كلها دوائر صغيرة داخل دائرة كبرى اسمها الإنسان.

الدائرة في النباتات: حكمة الجذور

النبات لا يعرف العجلة.

البذرة تسقط، تُدفن، تموت شكلًا، ثم تولد حياة.

الشجرة تُثمر، تسقط ثمارها، تعود البذور إلى الأرض، وتبدأ الحكاية من جديد.. الأوراق تسقط في الخريف، تتحلل، تصبح غذاءً للتربة، فتمنح الحياة لجيل قادم.

هنا لا توجد نهاية حزينة، بل دورة تعلمنا أن السقوط ليس هزيمة، بل مرحلة تمهيدية للنهوض.

الدائرة في الصخور: ذاكرة الزمن.. حتى الجماد، الذي نظنه صامتًا، يحكي قصة دائرية.. الصخور تولد من النار، تتفتت بالرياح والمياه، تتحول إلى رمال، ثم تُضغط عبر الزمن لتصبح صخورًا من جديد.

رضا العربي يكتب: (الكون) والنظام الدائري: يفسر لغز الموت
ما نظنه ثباتًا هو في الحقيقة حركة بطيئة، صبر جيولوجي طويل، ودورة لا تستعجل الوصول

الحقيقة حركة بطيئة

ما نظنه ثباتًا هو في الحقيقة حركة بطيئة، صبر جيولوجي طويل، ودورة لا تستعجل الوصول.

الصخر لا يقاوم الزمن… هو يتعايش معه… الدائرة في الزمن: وهم الخط المستقيم

نحسب الزمن خطًا له بداية ونهاية، لكننا نعيشه دائرة.

النهار يعود كل صباح، والفصول تتكرر مثل (الفلاش باك) والأعياد تزورنا كل عام، ومعها الذكريات ذاتها بثياب مختلفة.. حتى مشاعرنا تدور: فرح، حزن، أمل، خيبة… ثم نعود لنقطة البدء وقد تغيرنا.. الزمن لا يكرر نفسه، بل يعيد طرح الأسئلة نفسها على وعي أكثر نضجًا.

الدائرة في الكون: رقصة المجرات.. النجوم لا تقف، الكواكب لا تسير عبثًا.. الأرض تدور حول نفسها، ثم حول الشمس، والشمس نفسها تدور داخل مجرة، والمجرة تشارك في رقصة كونية أعظم.

الانفجار العظيم لم يكن بداية خطية، بل شرارة دورة كونية ما زالت تتسع.. حتى الموت النجمي ليس نهاية؛ فموت نجم يولد عناصر تُنجب كواكب، وربما حياة.

الخلاصة: الدائرة كفلسفة وجود..

الدائرة ليست شكلًا هندسيًا فقط، بل رؤية للحياة.. تعلمنا أن الفقد ليس دائمًا خسارة، وأن النهاية قد تكون بداية متخفية، وأن التكرار ليس مللًا بل فرصة للفهم.

نحن لا نعيش لنهرب من الدوائر، بل لنتصالح معها.. فمن يفهم النظام الدائري، يدرك أن الحياة لا تُقاس بطول الطريق، بل بعمق الدوران.. وأن الوجود، في جوهره، وعدٌ دائم بالعودة – لكن أبدا بالنسخة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.