رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)
ولا يخفى أن للكرتون أبعادًا اجتماعية ونفسية عميقة على (الأطفال)

* DMC Kids  الخيبة التي شعر بها الجمهور المصري

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)
محمد جاب الله

بقلم الكاتب الصحفي: محمد جاب الله*

بدأ الوعد في 2017، عندما أعلن عن قناة DMC Kids التابعة لمجموعة المتحدة، وسط هلل مصري صاخب: أخيرًا سيكون هناك تردد مصري لـ (الأطفال)، محتوى يُبث فيهم روح الأمل، شخصيات تُشبههم، قصص تعكس لغتهم ولهجتهم، وأحلامهم الصغيرة والكبيرة.

لكن مع مرور العام، ثم العامين، ثم ثلاثة أعوام، ظل التردد صامتًا، والقناة لم تولد بعد. وما زلنا، حتى اليوم، ننتظر شاشة وطنية تعيد لـ (الأطفال) المصريين حقهم في رؤية أنفسهم في الرسوم المتحركة.

مصر، التي كانت رائدة في صناعة الكرتون العربي وأنشأ فيها الإخوة (فرنكل) أول استوديو عربي للرسوم المتحركة، لم تحافظ على إرثها.. لم توجد استراتيجية واضحة لملء فراغ (الأطفال) بمحتوى محلي، رغم الجامعات، الخبرات، والدراسات الأكاديمية التي تؤكد الحاجة الملحّة لذلك.

ولا يخفى أن للكرتون أبعادًا اجتماعية ونفسية عميقة على (الأطفال).. فهو لا يقتصر على الترفيه، بل يترك بصمة واضحة على شخصيته وسلوكه، ويمتد أثره إلى عقيدته وفهمه للقيم.. فالطفولة مرحلة حاسمة، حيث تتشكل الشخصية عبر مؤسسات التنشئة كالأسرة والمدرسة، ويكتسب الطفل سلوكيات تتوافق مع أخلاق المجتمع.

لذلك، متابعة (الأطفال) للأفلام الكرتونية لأوقات طويلة يمكن أن تكون فرصة ذهبية لغرس المفاهيم العقدية الصحيحة، وتعزيز القيم الإيجابية، مع العمل على الحد من التأثيرات السلبية للمحتوى غير المسؤول. وهنا يصبح الكرتون أداة فاعلة لتشكيل وعي الطفل وربطه بهويته وثقافته منذ الصغر.

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)
تحولت المعركة إلى حرب وعي

المعركة: حرب وعي

اليوم، تحولت المعركة إلى حرب وعي.. فإسرائيل لا تحتاج لإطلاق رصاصة، فجيل صغير أمام شاشته يتلقى التأثير من نجوم البلوجرز والمحتوى الرقمي غير المسؤول، ويكبر على قيم وأفكار لا علاقة لها بالهوية المصري… الطفل الذي كان يمكن أن يتعلم التاريخ واللغة والأخلاق أصبح بين يدي خوارزميات التسلية وأقنعة السوشيال ميديا، حيث الشهرة والمظاهر هى القدوة.

وبحسب  The Guardian، الإحصاءات العلمية تؤكد واقع (حرب الوعي) الرقمية: يقضي (الأطفال) ساعات متزايدة أمام الشاشات، من نصف ساعة يوميًا عند عمر 9 سنوات، إلى أكثر من ساعتين يوميًا بحلول عمر 13 عامًا.

هذا مرتبط بزيادة صعوبات التركيز، وتشابه بعض الأعراض مع اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط  (ADHD)، وتأثير سلبي على الذاكرة واللغة والمهارات المعرفية، وزيادة التأثر بسلوكيات وقيم المؤثرين الرقميين، بعيدًا عن الهوية الوطنية والثقافية.

دولة مثل الصين تعرف أسرار النمو منذ نعومة الأظافر.. هنا، الكرتون ليس مجرد تسلية، بل مدرسة صغيرة تعلم الطفل التفكير، واللغة، والقيم، وتغرس هويته الوطنية منذ الصغر. كل شخصية مصممة بعناية؛ من Pleasant Goat and Big Big Wolf.

الماعز الذكية التي تتحدى الذئب بخفة ظل ومغامرات مليئة بالضحك والمعرفة، إلى  Boonie Bears.. الدبّين الحامين للغابة والبيئة، وصولًا إلى Our Friend Remy Bear، صديق الصغار الذي يزرع قيم الصداقة واللطف.

هذه الأعمال ليست مجرد ترفيه، بل تجربة متكاملة تجمع بين التعليم، التفكير النقدي، والهوية الثقافية.. الصين تحدد أوقات المشاهدة، تراقب المحتوى، وتوظف الذكاء الاصطناعي لتخصيص التجربة لكل طفل.. فتكبر الأجيال وهي تعرف كيف تفكر، تشعر، وتبتكر.

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)
مصر، للأسف، فقد تراجعت إلى المرتبة الأربعين، رغم التاريخ العريق، والكوادر الماهرة

مؤشر القوة الناعمة

في محيطنا العربي، ترسّخت الإمارات العربية المتحدة في قلب المنافسة العالمية، محتلة مرتبة بين أقوى عشر دول في القوة الناعمة 2026، قبل مصر والمملكة العربية السعودية. بفضل استراتيجية واضحة، وإنتاج إعلامي لـ (الأطفال) والمراهقين، ومحتوى يعكس الهوية الوطنية، ويزرع القيم في أجيالها.

أما مصر، للأسف، فقد تراجعت إلى المرتبة الأربعين، رغم التاريخ العريق، والكوادر الماهرة، والقدرة على الإبداع.

في مصر، كان من الممكن أن يكون لدينا إرث كرتوني يضاهي هذه التجارب، لكن الشاشة الوطنية غائبة، والجيل الصغير يلهث وراء محتوى أجنبي لا يعكس هويته ولا قيمه. الحرب على وعي الطفل حرب صامتة وهادرة في كل ثانية أمام الشاشة.

الأمر لا يتعلق بالكرتون فقط، بل بالهوية، بالوعي، وبالمستقبل.. إذا كانت قناة DMC Kids  لم تولد، فليس لأنها فكرة ضعيفة، بل لأنها مثال حي على الفشل في تحويل الإرث الثقافي والتاريخي إلى استراتيجية وطنية واضحة لـ (الأطفال).

محمد جاب الله يكتب: مصر التي لم تُكتب لها أن تولد قناة كرتون لـ (الأطفال).. (2)
الرسوم المتحركة ليست مجرد وسيلة تسلية، بل أداة متكاملة لتطوير مهارات الطفل ونمو شخصيته

الكرتون أداة للتعليم والهوية

الرسوم المتحركة ليست مجرد وسيلة تسلية، بل أداة متكاملة لتطوير مهارات الطفل ونمو شخصيته. فهي تعزز قدرته على حل المشكلات من خلال دمج وتحليل الصور، وتغذي الإبداع عبر قصص متنوعة تتيح له التعبير عن تجاربه، كما تحفز التفكير النقدي عبر مواقف كوميدية وشخصيات جذابة.

وتشير الدراسات إلى أن الصور المتحركة تحفز نمو الخلايا العصبية، وتعزز الذاكرة والتخطيط الاستراتيجي بنسبة قد تصل إلى 65%، كما تطور الشخصية من خلال تجربة تعلم غنية تجمع بين الحواس البصرية والسمعية وتبني اتصالات دماغية تلقائية.

يا عزيزي: إذا ما تم إنشاء قناة كرتونية مصرية، فإن الفوائد لن تتوقف عند الطفل فقط، بل ستتعداها إلى مردود مالي مهم من الإعلانات، وإعادة إخراج الإنتاج الدرامي المصري من الغرف المغلقة والأرفف المكدسة بالتراب لسنوات، وإحياء إرث كرتوني مركزي لم يتحقق بسبب غياب الإرادة القوية في إنتاج محتوى محلي للأطفال.

قناة مصرية حقيقية ستعيد الحياة لإبداع مصري أصيل، وتمنح الجيل الجديد أدوات للوعي والهويّة، وتفتح أمام الصناعة المحلية آفاقًا اقتصادية وثقافية جديدة.

في الحلقة القادمة: سننتقل من السؤال إلى الحل: من الشاشة الغائبة إلى رؤية مصرية للأطفال 2026، من الإرث الضائع إلى مبادرات جديدة قد تغير المشهد، وتجعل الطفل المصري يرى نفسه، ويحلم، ويؤمن بهويته.

* كاتب صحفي وروائي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.