رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(المهمشون في سينما أصلان).. كتاب للدكتورة (شيماء سعيد).. يوضح مفهوم التهميش

(المهمشون في سينما أصلان).. كتاب للدكتورة (شيماء سعيد).. يوضح مفهوم التهميش
الإعلامية الدكتورة (شيماء سعيد)

كتبت: سما أحمد

صدر مؤخرا كتاب (المهمشون في سينما أصلان) للإعلامية الدكتورة (شيماء سعيد)، وكشف في إطاره النظري، عن مفهوم التهميش من منظور الدراسات الاجتماعية، حيث يتبيّن أن هذا المفهوم حظي باهتمام واسع في الفكر الاجتماعي خلال القرن العشرين، خاصة مع تصاعد الحركات الاجتماعية والسياسية التي سلطت الضوء على أوضاع الفئات المهمشة.

كما يوضح كتاب (المهمشون في سينما أصلان) تعدد تعريفات التهميش وصعوبة تأطيره في مفهوم واحد ثابت، إذ يُعد مفهومًا ديناميكيًا يتغيّر بتغيّر السياقات التاريخية والاجتماعية، ويرتبط بعلاقات القوة والسلطة داخل المجتمع.

وقد انعكس هذا الاهتمام النظري بوضوح في الأدب، الذي لم يكتفِ بتسجيل الواقع، بل سعى إلى مساءلته وكشف تناقضاته من خلال بناء عوالم سردية تُبرز أصوات المهمشين وتجاربهم الإنسانية.

يُعدّ إبراهيم أصلان واحدًا من أبرز كتّاب جيل الستينيات في مصر، ذلك الجيل الذي تشكّل وعيه الفني والفكري في ظل تحولات سياسية واجتماعية عميقة، تركت أثرًا واضحًا في رؤيته للعالم وفي انشغاله بقضايا المجتمع.

فقد ارتبط هذا الجيل بالهمّ الاجتماعي، وسعى إلى التعبير عن أصوات الفئات التي ظلت بعيدة عن دوائر الضوء والسلطة، وهو ما جعل قضية التهميش من القضايا المركزية التي برزت بوضوح في أعمال أصلان الأدبية، ثم امتد حضورها إلى الأعمال السينمائية المقتبسة عن نصوصه.

ومن هنا انطلق كتاب (المهمشون في سينما أصلان) لرصد تمثّلات التهميش في أعمال إبراهيم أصلان، وتحليل تحوّلاتها بين الأدب والسينما، بوصفها أحد أبرز ملامح مشروعه الإبداعي.

(المهمشون في سينما أصلان).. كتاب للدكتورة (شيماء سعيد).. يوضح مفهوم التهميش
عصافير النيل

بروز قضية التهميش

من خلال دراسة رواية (مالك الحزين) وفيلم (الكيت كات) المأخوذ عنها، إلى جانب (رواية عصافير النيل) والفيلم السينمائي المقتبس عنها، وذلك في محاولة لفهم الكيفية التي تحوّلت بها معاناة المهمشين من نص سردي إلى خطاب بصري.

وعلى مستوى الواقع المصري، تبين (شيماء سعيد) في كتابها (المهمشون في سينما أصلان) أن بروز قضية التهميش ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحولات السياسية والاجتماعية خلال الفترة الممتدة من عام 1952 حتى 1981. فقد شكّلت ثورة 1952، وما تلاها من إخفاق في تحقيق بعض أهدافها، ثم نكسة 1967 وما أحدثته من صدمة نفسية وفكرية، محطات حاسمة في وعي جيل الستينيات.

كما أسهمت التحولات الاقتصادية في مطلع السبعينيات، خاصة الانتقال من الاشتراكية إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي، في اتساع الفجوة الطبقية وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما عزّز مظاهر اللامساواة والتهميش داخل المجتمع.

وقد انعكست هذه التحولات على علاقة المثقف بالسلطة، التي اتسمت في الحقبتين الناصرية والساداتية بالتوتر والصدام، وهو ما تجلّى بوضوح في إبداع (إبراهيم أصلان)، الذي اتخذ من الهامش الاجتماعي فضاءً أساسيًا لرؤيته الفنية.

وينطلق كتاب (المهمشون في سينما أصلان) من واقع معيش، إذ يوضح أن أصلان عايش مظاهر التهميش بوصفه جزءًا من الفئات التي طالها هذا الإقصاء الاجتماعي، فعبّر عنها فنيًا من خلال تناول قضايا مثل الفقر، والبطالة، والاستبداد السياسي، والاغتراب، واللامساواة الاجتماعية.

وقد قدّمت روايتا (مالك الحزين، وعصافير النيل) نماذج متعددة للشخصيات المهمشة، التي تمثّل شرائح مختلفة من المجتمع، سواء من المثقفين، أو أصحاب المهن البسيطة، أو النساء، أو الأطفال، أو الفلاحين النازحين إلى المدينة، بما يعكس رؤية شمولية لبنية التهميش داخل المجتمع المصري.

كما يكشف كتاب (المهمشون في سينما أصلان) عن وجود تباينات واضحة بين النصوص الأدبية والمعالجات السينمائية لهذه الشخصيات، وهو ما يبرز أهمية المقارنة بين الوسيطين.

(المهمشون في سينما أصلان).. كتاب للدكتورة (شيماء سعيد).. يوضح مفهوم التهميش

(المهمشون في سينما أصلان).. كتاب للدكتورة (شيماء سعيد).. يوضح مفهوم التهميش
قضية البطالة، التي حظيت بحضور محوري في فيلم (الكيت كات)

فيلم الكيت كات

ففي رواية مالك الحزين، برز عدد كبير من الشخصيات المهمشة التي أسهمت في كشف أبعاد متعددة للمشكلات الاجتماعية، بينما اضطر فيلم الكيت كات إلى اختزال هذا العدد بحكم طبيعة الوسيط السينمائي وقيوده الزمنية والسردية.

واهتمت الرواية بتقديم صورة المثقف المهمش عبر نماذج متعددة تنتمي لأجيال مختلفة، في حين اكتفى الفيلم بشخصية واحدة، مع تقليص البعد الثقافي والفكري للشخصية لصالح التركيز على أبعادها الإنسانية والنفسية.

وعلى مستوى تمثيل المرأة، منح العمل السينمائي مساحة أوسع لمعالجة معاناتها النفسية والاجتماعية مقارنة بالنص الروائي، بينما قدّم أصلان في روايته نماذج نسائية متعددة، وإن جاءت الإشارة إلى مظاهر تهميشها بصورة أكثر إيجازًا.

ويتناول كتاب (المهمشون في سينما أصلان) قضية البطالة، التي حظيت بحضور محوري في فيلم (الكيت كات)، حيث شكّلت دافعًا لتفكير مجموعة من الشباب في الهجرة، بينما جاءت في الرواية بوصفها قضية فرعية. كما يمتد التحليل ليشمل تهميش المكان.

إذ يوضح الكتاب وجود علاقة تأثير متبادل بين الشخصية المهمشة والمكان المهمش، حيث يعكس كل منهما الآخر، وقد تجلّى ذلك في تمثيل أماكن مثل المقهى، والغرفة، والشارع، والريف، ونهر النيل، ومصلحة البريد، مع اختلاف في التركيز بين الأدب والسينما، سواء على البعد المادي أو النفسي للمكان.

وفي الختام، تؤكد (الدكتورة شيماء سعيد)  في كتابها (المهمشون في سينما أصلان)، الدور البارز الذي يلعبه الفن، أدبًا وسينما، في تسليط الضوء على قضايا المجتمع وكشف مظاهر التهميش والمعاناة الإنسانية، ليس بوصفه مرآة عاكسة للواقع فحسب، بل باعتباره أداة نقدية قادرة على مساءلة البنى الاجتماعية السائدة.

فالعلاقة بين الفن والمجتمع علاقة تفاعلية تبادلية، يتأثر فيها الإبداع بالواقع الاجتماعي، ويعيد في الوقت نفسه تشكيل هذا الواقع وقراءته نقديًا، ومن خلال أعمال إبراهيم أصلان، تتجلى قدرة الفن على تحويل معاناة المهمشين إلى خطاب إنساني وجمالي، يسهم في رفع الوعي الاجتماعي، وفتح آفاق أوسع للنقاش والتغيير الثقافي، ويمنح الهامش حضوره المستحق في المتن الثقافي Bottom of Form.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.