
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
انشغلت مصر طويلا العام الماضى بالحوار حول المسلسلات الدرامية ومدى تأثيرها على المجتمع ، فقد اتهمت تلك المسلسلات بأنها السبب في كل ما نعانيه من مشاكل، وعلى الفور تشكلت عدة لجان لوضع (أسس أو مبادئ) تسير عليها (الدراما) – تنفيذا لتوجهات السيد الرئيس.
وثارت معركة بين فريق يرى ذلك تكبيلا للإبداع وانتقاصا من الحرية وفريق يرى ضرورة تقييد (الدراما) و حصرها داخل النماذج الإيجابية التي تصلح لأن تكون قدوة لأفراد المجتمع، و كالعادة لم نسمع عن نتائج تلك اللجان وما وصلت إليه، اللهم إلا مجموعة من التسريبات التي لم تؤكد ولم يتم نفيها حول قواعد جديدة لـ (لدراما).
ولكن في ظل انشغال الجميع بـ (الدراما) على الشاشة كان المجتمع المصرى يشهد تصاعدًا دراميا آخر على أرض الواقع ، فلقد زادت جرائم العنف الأسرى زيادة مقلقة، حتى لم تعد هذه الجرائم تُعد حوادث فردية معزولة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تكشف عن خلل عميق في بنية الأسرة والمجتمع.
فقد أشارت التقارير المحلية و الدولية إلى زيادة واضحة في معدلات العنف داخل الأسرة المصرية، وهو ما يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية ونفسية متسارعة، وضغوطًا لم تعد كثير من الأسر قادرة على تحمّلها أو التعامل معها بطرق صحية.
صحيح أن هذه الوقائع شهدت اهتمامًا واسعًا من الإعلام و لكن في حدود أنها (ترند) ومادة جاذبة للقارئ والمشاهد، ولكن الموضوع لم يلق الاهتمام المناسب من الحكومة والمنظمات المدنية، برغم تكرار مشاهد العنف ضد النساء والأطفال داخل المنازل، وظهور أنماط أكثر قسوة ومأساوية من الاعتداءات الأسرية.

العنف الأسري خطر حقيقي
يتم تعريف العنف الأسري على أنه: أي سلوك يقوم على الإيذاء أو القهر أو السيطرة، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو لفظيًا أو اقتصاديًا، ويمارسه أحد أفراد الأسرة ضد فرد آخر. وغالبًا ما يحدث هذا العنف في إطار العلاقة بين الزوج والزوجة، أو بين الوالدين والأبناء، أو بين الأقارب داخل المسكن الواحد، وقد يصل في بعض الحالات إلى القتل أو الانتحار.
وتكمن خطورة العنف الأسري في كونه يحدث داخل مساحة يُفترض أن تكون آمنة، مما يجعل الضحية أكثر ضعفًا، وأقل قدرة على الهرب أو طلب المساعدة.. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة كبيرة من النساء المتزوجات في مصر تعرضن خلال حياتهن لأشكال من العنف الجسدي أو الجنسي، وهو ما يعكس حجم المعاناة التي تعيشها كثير من النساء في صمت.
وتٌعد الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أحد أبرز أسباب تصاعد العنف الأسري في عام 2025 – و ليست (الدراما) – فارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة الأعباء المالية، وضيق فرص العمل، كلها عوامل تولد شعورًا دائمًا بالضغط والقلق داخل الأسرة.. ومع غياب القدرة على إدارة هذه الضغوط بشكل سليم، تتحول الخلافات اليومية إلى صراعات حادة، وقد تنتهي بأفعال عنف مأساوية.
فكثير من الأسر تعاني من غياب ثقافة الحوار، ولا تملك مهارات حل النزاعات بشكل سلمي.. كما أن اختلال توازن القوى داخل الأسرة، خاصة في العلاقات الزوجية، يعزز من نزعة السيطرة بدلًا من الشراكة، ويجعل العنف وسيلة مفروضة لفرض الرأي أو تفريغ الغضب.

النزاعات الأسرية
يضاف الى هذا أن (الإهمال النفسي) يلعب دورًا خطيرًا في تفاقم العنف الأسري، فكثير من مرتكبي العنف يعانون من اضطرابات نفسية أو ضغوط متراكمة دون وجود آليات دعم أو علاج مبكر، ومع استمرار هذه الحالة تتراكم المشاعر السلبية حتى تنفجر في صورة عنف جسدي أو نفسي يدمر الأسرة بأكملها.
من ضمن حوادث العنف الأسرى برزت قضية (نوال الدجوّي) في عام 2025 كأحد الأمثلة الصارخة على تعقّد النزاعات الأسرية، حيث تحوّل الخلاف العائلي إلى قضية قانونية وأمنية واجتماعية شغلت الرأي العام، فقد تقدّم أحد أفراد أسرتها بطلب للحجر على ممتلكاتها بدعوى تدهور حالتها الصحية، في نزاع يعكس صراعًا حادًا حول المال والسلطة داخل الأسرة.
وتزداد مأساوية هذه القضية عند ربطها بواقعة انتحار أحد أحفادها داخل المنزل، في ظروف أثارت تساؤلات كثيرة حول الضغط النفسي الناتج عن النزاعات العائلية المستمرة.. هذا المثال يوضح كيف يمكن للخلافات غير المُدارة، سواء كانت مالية أو اجتماعية، أن تدمّر الروابط الأسرية وتدفع بعض أفرادها إلى نهايات مأساوية.
لم تكن هذه القضية استثناءً، فقد شهد عام 2025 حوادث عنف أسري مروّعة في محافظات مختلفة، ففي الدقهلية، أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة ومحاولة قتل زوجته قبل أن ينتحر، في واقعة تعكس انهيارًا نفسيًا كاملًا وتحول العنف إلى فعل شامل ومدمّر.
كما تم توثيق عدة حالات قتل زوجات على يد أزواجهن داخل المنازل، وكانت الدوافع في كثير من الأحيان خلافات مالية أو اجتماعية متراكمة.. وتُظهر هذه الجرائم نمطًا تصاعديًا خطيرًا، ما يؤكد أن المشكلة لم تعد فردية، بل هي انعكاس لأزمة اجتماعية أوسع.

لماذا تتفاقم الظاهرة؟
الكارثة تكمن في أن العنف داخل الأسرة لا يتوقف أثره عند حدود الضحية المباشرة، بل يمتد ليصيب نسيج المجتمع كله. فالأطفال الذين يشهدون العنف أو يتعرضون له يفقدون الإحساس بالأمان، وقد ينشأون وهم يحملون الخوف أو الغضب أو الميل لتكرار السلوك العنيف في المستقبل.
كما يؤدي العنف إلى تفكك الأسرة، وارتفاع معدلات الطلاق، وتآكل الروابط الاجتماعية، فضلًا عن الأعباء الصحية والنفسية والاقتصادية التي يتحملها المجتمع والدولة في علاج الضحايا وتقديم الرعاية القانونية والنفسية لهم.
وتظل النساء والفتيات الأكثر تضررًا، خاصة في ظل ثقافة اجتماعية تفرض الصمت وتبرر العنف أحيانًا، أو تلقي باللوم على الضحية، ما يقلل من فرص الإبلاغ ويزيد من معاناة المتضررات.
عند مقارنة الوضع الراهن بالسنوات الماضية، يتضح أن غياب قانون شامل لمناهضة العنف الأسري يُعد أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم المشكلة، إذ يحدّ من حماية الضحايا ويضعف آليات الإبلاغ والمحاسبة.
كما أن التغيرات الاقتصادية الحادة أضعفت الصورة التقليدية للأسرة كملاذ آمن، وأظهرت هشاشتها أمام الضغوط اليومية. ويضاف إلى ذلك ثقافة اجتماعية في بعض الحالات تطبّع العنف أو تبرره، وتدفع الضحايا إلى الصمت بدلًا من طلب المساعدة.
إن العنف الأسري في مصر عام 2025 ليس مجرد أزمة أخلاقية أو قانونية، أو هى نتاج لـ (الدراما) السيئة التي نراها على الشاشة، بل هو مرآة لاختلالات نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة.. ومواجهتها لا تتحقق بالعقوبات وحدها، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تقوم على التوعية، والدعم النفسي، وتفعيل قوانين حماية الأسرة، وتعزيز دور المجتمع المدني في مساندة الضحايا.
فحين تستعيد الأسرة توازنها القائم على الحوار والاحترام، يمكن للمجتمع كله أن يخطو خطوة حقيقية نحو الأمان والاستقرار، ويعود البيت مكانًا للحماية لا ساحةً للعنف، ولا نعود لتعليق أخطائنا على شماعة (الدراما).