

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
مسلسل (لا ترد ولا تستبدل)، ليس من الأعمال الدرامية التي تمر بشكل عابر، بل يفرض علينا وجعاً عاشه أبطاله على مدار حلقاته الخمسة عشر، عرفنا من خلاله معاناة فئات عدة تعيش بيننا ونسمع عن حكاياتها ولكننا لم نعايشها، وخصوصاً مرضى (الفشل الكلوي)، وأيضا المعاقين سمعياً العاجزين عن شراء بطارية للسماعة التي تساعدهم على التواصل مع المحيطين بهم.
إذا أردت أن تكتشف معدن إنسان تأمل مواقفه في أوقات الشدة، فالناس معادن، بعضهم ذهب لا تنال منه عواصف الزمن، وبعضهم حديد يصدأ ويتآكل إذا تعرض لبعض التغيرات المناخية، وبمعنى أدق الحياتية، ولكي تسبر غور إنسان وتتعرف على حقيقته عليك النظر إلى أفعاله دون الاكتراث بمظهره الخارجي.
أسلوب تعامله مع من هم أقل منه شأناً، مواقفه تجاه الأزمات التي يمر بها الأقربين، فكم من أناس حولنا يلمعون ملبساً وزينةً، ولكن في داخلهم ظلام دامس وسواد حالك وأنانية مفرطة.
ومسلسل (لا ترد ولا تستبدل)، الذي تم عرضه مؤخراً يكشف معادن شخصياته الدرامية، كما يكشف معادن صناعه.. بالنسبة لشخوصه سيكون الحديث عنهم لاحقاً بالتفصيل، أما الصناع فهم مبدعون من ذهب، قدموا لنا فناً حقيقياً، أوجعنا وأمتعنا، تغلغل داخلنا، غادرنا عرضاً من دون أن يغادر عقولنا تفكيراً وتأملاً، ومشاعرناً إحساساً.
ترك بداخلنا تساؤلات حول الفن والرسالة والإبداع والمرض والعلاقات الإنسانية ومعادن الناس والفوارق الطبقية وحياة المهمشين وآلام المعاقين والوجع الصامت الذي يعيشه معظم أبطال الحكاية سواء نتيجة تخلي المحيطين (ريم نموذجاً)، أو عجز المهمشين (طه وشقيقه بعوضة وشقيقته حنان ومواهب وغيرهم).

زوج بارد الإحساس
مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) يسير بمشاهديه في عدة خطوط غير متوازية، تتلاقى وتتنافر، أولها مرض البطلة (ريم/ دينا الشربيني) بالفشل الكلوي والذي يفرض عليها الغسيل حتى تجد متبرعاً يعيدها إلى الحياة الطبيعية، وخلال رحلتها مع المرض نتعرف على آلام مرضى الغسيل والخطر الذي يهدد حياتهم كل الوقت.
الخط الثاني هو مواقف المحيطين بريم من مرضها، زوج بارد الإحساس (نادر/ صدقي صخر) يصادر حق زوجته في التفكير وفي الإحساس بالأمان العاطفي نتيجة المرض، يرفض مجرد التفكير في التبرع لها إنقاذاً لحياتها، مكتفياً بإبداء الاستعداد للمساهمة المادية في شراء كلية لها وأم (حنان سليمان) تسعى للتبرع، ولكنها تصطدم برفض زوجها (بسام رجب) خوفاً على حياتها، وأخ غير شقيق قلق عليها ومستعد لفعل ما يلزم لأجلها، وصديقة (يارا جبران) تسعى للتبرع ولكن التحاليل تثبت عدم التوافق، وفي المقابل تلتقي ريم والتي تعمل مرشدة سياحية بسائق (طه/ أحمد السعدني) والذي يقع في غرامها.
ويكون المنقذ لها في بداية المرض وفي نهايته بالتبرع، رغم أنه العائل لإبنته المعاقة سمعياً وشقيقته (سارة خليل) المنفصلة عن زوجها وشقيقه الضائع إدماناً (بعوضة/ حسن مالك) وزوجة شقيقه (فدوى عابد).
الخط الدرامي الثالث يتمثل في الإضاءة على حياة المهمشين في مصر المحرومين من أبسط مقومات الحياة، والرابع يتمثل في مافيا تجارة الأعضاء، والرابع يستعرض معاناة المعاقين الذين لا يجدون الرعاية اللازمة.
خطوط درامية مختلفة في (لا ترد ولا تستبدل)، نجحت الكاتبتان (دينا نجم وسمر عبدالناصر) في صهرها معاً والغوص من خلالها في أعمق أعماق النفس البشرية للكشف عن مكنونها، وتأكيد أن الحكم على الناس من خلال المظاهر حكم خاطئ، فكم من أناس حولنا تخدعنا درجة قربهم منا، وكم من أناس بعيدين عنا اجتماعياً وإقتصادياً وثقافياً ولكنهم الأقرب إنسانياً.
ونجحت المخرجة (مريم أبوعوف) في بث الروح في هذه التوليفة الدرامية لتطلعنا على صراع إنساني مركب عاشه كل أبطال المسلسل، صراع (ريم) بين مشاعرها تجاه (طه) الذي يحبها من دون صخب، حب ابن البلد الحريص على كرامته والحريص على شفاء محبوبته رغم إدراكه أنه يعيش قصة حب غير متكافئة لن تنتهي النهاية التي يتمناها.
وبين (نادر/ صدقي صخر) الزوج الأناني البارد في مشاعره اللامع وهماً، وصراع (طه) بين حبه لريم وواجباته تجاه أسرته، وصراع الزوج بين حرصه على استمرار زواجه وبين استهتاره بمرض زوجته وبمشاعرها، وصراع (أم ريم) بين رغبتها في إنقاذ ابنتها وحرصها على طاعة زوجها، وصراع بعوضة بين سعيه للاصطفاف إلى جانب شقيقه وحبه لامرأة تكبره كثيراً.


سبر أغوار النفس البشرية
ومثلما حرص مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) على سبر أغوار النفس البشرية، حرصت المخرجة على تقديم صورة بلا رتوش عن جوهر مصر، بالتصوير في أماكن مختلفة تعبر عن مصر الحقيقية، مناطق شعبية يعيش فيها (طه) وإخوته و(مواهب)، وتبرز أصالة ولاد البلد في هذا الشعب العريق.
مواقع أثرية تؤكد أن مصر الحضارة والتاريخ والجمال لا زالت مجهولة للكثير من أبنائها وزوارها، شوارع تعج بالحياة وتضم بين جنباتها المتناقضين فكراً ومعيشةً.
النص المتميز والفكر الإخراجي المتجدد لا يمكنه الوصول للناس من دون ممثلين يستوعبون الموضوع ويمتلكون الموهبة لتوصيل مشاعر وأحاسيس الشخصيات التي يجسدونها بصدق وإبداع، وهو ما نجح فيه أبطال (لا ترد ولا تستبدل)، الذين لعبوا بينهم مباراة في التشخيص الواعي بأبعاد الشخصيات ومكنوناتها النفسية، وبلا مبالغة.
فإن جميع شخصيات المسلسل مركبة معقدة لا يجيد أدائها سوى ممثلين مخلصين لفنهم مبدعين في أدائهم، تقدمتهم (دينا الشربيني) التي قدمت أفضل أدوارها على الإطلاق من دون ماكياج ولا رتوش تجميلية.
كانت حريصة على التعبير الصادق شكلاً وأداءً عن جوهر مريضة الفشل الكلوي الحريصة على كل المحيطين بها والموجوعة في صمت ومن دون ضجيج، أما (أحمد السعدني) فهو مثل شخصية (طه) التي جسدها، فنان جوهره الإبداعي أصيل وقدراته لا تعرف حدوداً ولا يزال لديه الكثير الذي سيمتعنا به في المستقبل.
(حسن مالك)، موهبة تشق طريقها إلى القمة، (فدوى عابد)، ممثلة تدرس جيداً أبعاد الشخصية التي تجسدها لتصل إلى أعماقها، (صدقي صخر)، غيّر جلده وتألق، والمفاجأة كانت (حنان/ سارة خليل) الممثلة المخلصة جداً والتي تُشوه شكلها لتعبر بصدق عن الشخصية التي تجسدها.
وكانت فاكهة المسلسل الطفلة التي جسدت شخصية مكة وهي في الحقيقة معاقة سمعياً.
المشاعر الصادقة لا ترد بعد أن تتبخر بفعل أصحابها، والبشر غير قابلين للاستبدال.. مسلسل قاس على مشاهده وعلى أبطاله، ورغم قسوته فقد وصلت رسالته بفضل صدق صناعه.