
بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري *
صناعة التليفزيون في مصر تُعتبر من بين (الصناعة) المتكاملة بشكل استثنائي، حيث تشمل مجموعة من العناصر والأدوات والخبرات التي تتضافر لتقديم منتج نهائي يدر على الاقتصاد المصري مئات الملايين من الدولارات سنويًا. بدءًا من كتابة أول كلمة على ورقة في أي مشروع إنتاجي، وصولاً إلى بث المحتوى عبر الأثير، تمثل هذه الصناعة مزيجًا من الفن والإبداع، وعلم الهندسة، والإنتاج.
يختلف هذا النظام في مصر بتكامله اللافت، حيث يتم إنتاج المحتوى المحلي بأيدٍ مصرية محترفة.. يتمتّع الفنانون والكتاب والمخرجون والمنتجون بخبرات غنية تسمح لهم بتقديم أعمال تتميز بالإبداع والجودة، مما يجذب المشاهدين في الداخل والخارج.
الثقافة الفنية والتاريخ الطويل لمصر في (الصناعة) الإعلامية يسهمان في إعداد جيل مبدع من المهنيين، مما يعزز من قوة هذه الصناعة ويؤثر إيجابيًا على المشهد الثقافي والإعلامي في العالم العربي.
تتضمن المراحل التي تمر بها عملية الإنتاج التليفزيوني كل ما يتعلق بالتصوير، والإخراج، والمونتاج، والصوت، والإضاءة، وكلها تتم بأعلى المعايير المهنية في (الصناعة)، كما تشمل جوانب التسويق والتوزيع، التي تضمن وصول المحتوى إلى جمهور واسع سواء عبر القنوات الفضائية أو المنصات الرقمية.
النتيجة هي إنتاج محتوى يعبّر عن الهوية المصرية، ويرتبط بتطلعات الجمهور، مما يجعل (الصناعة) التليفزيونية في مصر مركزًا للإبداع الإنتاجي والفني، ويعزز من مكانة البلاد كعاصمة إعلامية في المنطقة العربية.
ولكن للأسف الشديد، تعاني صناعة التليفزيون في مصر من حالة من الحيرة والتشتت، فهي موجودة داخل إطار حكومي غير محدد التبعية. لا تحتكر أي وزارة هذه الصناعة، مما يجعلها مستقلة تمامًا. وعندما نتحدث عن القطاع الخاص، غالبًا ما يظل العاملون في هذا المجال غير مدركين لأي وزارة يتبعون، مما يُعقد الأمور أكثر.
إذا اعتبرنا (الصناعة) التليفزيونية صناعةً حقيقية، فيجب أن تخضع لتنظيم وزارة الصناعة، حيث ينبغي أن يكون هناك قانون ينظم هذه الصناعة ويحدد إطار عملها بشكل واضح. في هذه الحالة، ستكون وزارة الصناعة هي المسؤولة عن تنظيم عمليات الإنتاج، والتسويق، والاستثمار في هذا القطاع.

دعم فعلي في مجالات التسويق
أما إذا اعتبرناها تجارة، فيجب أن تكون وزارة التجارة، وبشكل خاص التجارة الخارجية، هي الجهة الداعمة لهذه التجارة. يحتاج هذا القطاع، في هذه الحالة، إلى دعم فعلي في مجالات التسويق، والتوزيع، والتصدير، مما يساهم في رفع مستوى الإنتاج وتوسيع قاعدة الجمهور.
تعدّ الخبرة المهنية والفنية والهندسية عنصرًا أساسيًا في تطوير (الصناعة) الإعلامية، الأمر الذي يفرض أن تكون وزارة الإعلام الجهة المسؤولة عن تنظيم هذا القطاع وتأهيل كوادره.. فمن خلال برامج التدريب وبناء القدرات، يمكن للوزارة أن تسهم في رفع مستوى الأداء المهني، وتعزيز الكفاءة الفنية، وتمكين العاملين من مواكبة التطورات التقنية والإعلامية الحديثة، بما ينعكس إيجابًا على جودة المحتوى والإنتاج الإعلامي.
أما فيما يتعلق بالمحتوى الثقافي والفكري الذي تقدمه (الصناعة) الإعلامية، فيبرز هنا دور وزارة الثقافة بوصفها الجهة المعنية بإثراء المضمون وتطوير رسالته. فهي تعمل على دعم المبادرات الثقافية، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوجيه المنتج الإعلامي ليكون معبرًا عن قيم المجتمع وتنوعه الفكري والمعرفي.
وبتكامل دور الوزارتين – في التأهيل والتنظيم من جهة، وفي تطوير المحتوى الثقافي من جهة أخرى – تتعزز مقومات (الصناعة) الإعلامية وطنية قادرة على المنافسة والإبداع، وتسهم في خدمة المجتمع وبناء وعيه.
لذا، يتضح أن هناك حاجة ماسة إلى وضع هيكل تنظيمي قوي وواضح لصناعة التليفزيون في مصر، ينظم العلاقة بين مختلف الوزارات والجهات المعنية. هذا الهيكل يجب أن يحدد المسؤوليات، ويعزز من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ويضمن استدامة هذه الصناعة المهمة بطريقة تسهم في نمو الاقتصاد المصري وتحقيق طموحات العاملين فيها.
أما في مصر، فيبدو أنه من الضروري وجود ابتكار جديد يتجاوز المنطق، فقد شعرت وزارة الثقافة في السابق بوجود رفض من وزارة الإعلام تجاه القطاع الخاص، مما خلق شعورًا لديها بمزاحمة القطاع الخاص لها.. وهذا الخوف من فقدان السيطرة على النفوذ والامتيازات أدى إلى استجابتها بطريقة غير تقليدية.
تحت شعار (السيطرة السريعة)، أسست وزارة الثقافة ما يُعرف بصندوق التعاون، الذي تم استنساخه كمبادرة تُعزز من الصناعة، ومع ذلك، يبدو أنه يفتقر إلى الأهداف الواضحة والرؤية الاستراتيجية. الصندوق وكأنه يُشبه صندوق النذور، حيث يُجمع فيه المال دون خطة ملموسة تُوجه تلك الموارد نحو تحسين الصناعة أو الاستثمار في مشاريع مستقبلية.
هذه المبادرة، رغم أنها تظهر كخطوة نحو دعم القطاع، تظل في الواقع محدودة الأثر. فبدلاً من إنشاء هيكل تنظيمي فعّال يسهم في تطوير الصناعة بشكل حقيقي، نجد أنفسنا أمام حلّ مؤقت لا يُعالج القضايا الحقيقية التي تواجه هذه الصناعة.

تنظيم شامل لـ (الصناعة)
من الضروري أن يكون هناك رؤية شاملة تتضمن تنظيم شامل لـ (الصناعة)، وتحسين التواصل بين وزارات الثقافة والإعلام والتجارة، والتركيز على كيفية خلق بيئة عمل تشجع الابتكار والابداع. دون وجود خطة استراتيجية واضحة، سيظل صندوق التعاون مجرد محاولة استجابة غير مثمرة، ولن تُحقق الأهداف المرجوة للنهوض بصناعة الإعلام والتليفزيون في مصر.
الغريب في هذا السياق هو أن هناك عددًا لا بأس به من سكان القاهرة الذين يزاولون نشاطات الاستوديوهات الإذاعية، والتي يصل عددها إلى 81 استوديو.. يحصل هؤلاء على تراخيص مزاولة المهنة من صندوق التعاون، الذي يبدو أنه يفتقر إلى أي مضمون أو نظام يتناسب مع أجهزة الصناديق، حيث يبدو دوره مقتصرًا على الجباية فقط.
فهذا الصندوق يجمع سنويًا من الاستوديوهات مبلغًا قدره ألفين جنيه مقابل الحصول على ورقة مختومة بشعار الجمهورية لتمكينهم من ممارسة مهنة تفتقر إلى الشفافية والتنظيم، والمتطلبات لإصدار هذا التصريح، تكاد تكون غير مناسبة.
حيث تشمل صحيفة السوابق لطالب الترخيص وسجل تجاري، بغض النظر عن طبيعة المهنة الأصلية. فقد يكون السجل التجاري لشخص يعمل في مجال السباكة، وأضاف إليه نشاطًا إعلاميًا دون أي محاذير أو ضوابط تحكم هذا النشاط.
هذا النظام يعكس حالة من الفوضى التي تكرّس الفساد وتُعطل التطور في (الصناعة)، حيث يتواجد صندوق بلا تنظيم ولا رؤية واضحة، ولا يُدرك أفراده أسرار هذه الصناعة. ليس هناك تعاون حقيقي بين أعضاء هذا الصندوق، ولا يوجد دعم مالي أو فكري يُعزز من نموهم. والأكثر إشكالية هو تبعية هذا الصندوق لوزارة لا تملك علاقة بهذه الصناعة، لا من قريب ولا من بعيد، حيث يتم فصل الثقافة عن العمل الإعلامي بشكل واضح في معظم أنحاء العالم.
إن غياب التنظيم والرقابة، بالإضافة إلى عدم وجود رؤية واضحة لتطوير (الصناعة)، يسلط الضوء على الأهمية الملحة لإعادة الهيكلة.. يجب أن يتم إنشاء نظام قانوني وتنظيمي يدعم الاستوديوهات الإذاعية بشكل حقيقي يساهم في تنمية المواهب وتحقيق الاستدامة في هذا القطاع الحيوي، بدلاً من الاعتماد على نماذج غير فعالة تكرّس الفوضى.
يفتقر هذا الصندوق إلى أي نوع من الرقابة والمعاينة، حيث أصدر تراخيص لاستوديوهات تصوير تليفزيوني يُكتفى بأن تكون شققًا مفروشة، دون وجود أي علاقة حقيقية لها بالصناعة أو حتى بمواصفات الاستوديو المناسب.. هذه الشقق، التي تُعتبر ستوديوهات، تعمل في ظروف فوضوية وغير منظمة، وتفرض أسعارها كما تشاء، مما يُسهم في تضليل السوق واستغلال المنتجين.

قصور في التنظيم والتطابق
لا يوجد أي قيد أو ضوابط تحدد كيفية عمل هذه المنشآت، مما يعني أن أصحاب الشقق يمكنهم فرض شروطهم الخاصة على المنتجات التي تُصور داخلها دون أي رادع أو محاسبة.. الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن الكثير من هذه الشقق تعود ملكيتها لسيدات، مما يعني أن الوضع يعتمد بشكل غير عادل على صيغة المؤنث.. وهذا يعكس قصورًا في التنظيم والتطابق مع معايير الصناعة التي تساهم في تحقيق الجودة.
إن هذه الظروف تُبرز الحاجة الماسة إلى تنظيم دقيق لصناعة الإعلام، وتشدد على أهمية وجود هيكل قانوني يضمن المعاينة والتراخيص للمنشآت المتعلقة بالتليفزيون والإعلام.
لا بد من وضع معايير واضحة لاستوديوهات التصوير لضمان جودة العمل وحماية المنتجين من استغلال الأوضاع الحالية.. إذ أن السماح بمثل هذه الفوضى لا يخدم مصلحة الصناعة ولا يعكس التطلع إلى تعزيز مكانة الإعلام المصري على المستويات الإقليمية والدولية.
إن حماية (الصناعة) التليفزيونية في مصر تتطلب وضع قوانين مناسبة تشمل جميع الجوانب المتعلقة بها، بدءًا من الجوانب الفنية والإبداعية، مرورًا بالعوامل الهندسية والإنتاجية، وصولاً إلى تنظيم أمور التوزيع. من الضروري أيضًا ضبط العلاقة مع محطات البث التليفزيوني والعلاقة الوثيقة بين الإعلان والبث.
تحتاج (الصناعة) إلى تنسيق فعّال بين الفضائيات والقنوات الخاصة والعامة، لضمان تحقيق التنافسية والجودة. هذه التحديات أصبحت أمانة ملقاة على عاتق الجمهورية الجديدة، حيث يتطلب الأمر تعاونًا حقيقيًا مع القطاع الخاص في الصناعة والمحتوى.
إن المخرج الوحيد لحماية هذه (الصناعة) وتفعيلها يتجلى في إنشاء غرفة صناعة وتجارة التليفزيون. ستساهم هذه الغرفة في التحكم في العمليات الإنتاجية وتنظيمها، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين جميع الأطراف المعنية. كما ستساعد في وضع القوانين واللوائح التي تكفل حماية الحقوق وتنظيم النشاطات بطريقة تعزز من جودة المنتجات الإعلامية.
يتعين أن تكون هذه الغرفة بمثابة كيان جامع يضم جميع المعنيين من محترفين وصناع، حيث يتم تبادل المعرفة والأفكار، والتعاون نحو تطوير حلول فعّالة للتحديات التي تواجه الصناعة. من خلال هذا التعاون، يمكن أن نعمل على إعادة هيكلة صناعة التليفزيون لتصبح أكثر قوة ونجاحًا، وبالتالي نساهم في إحداث نقلة نوعية تعكس تطلعات الجمهور المصري والعربي.
* رئيس اتحاد المنتجين العرب