

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
قبل أيام، شهدت قاعة الكنيست الإسرائيلي واقعة جديدة عكست حجم الغضب المتصاعد المحيط بخطاب النواب العرب، حين أُوقفت كلمة النائب (أحمد الطيبي) خلال جلسة عامة، ذلك فى أعقاب هجومه الحاد على حكومة (بنيامين نتنياهو)، واتهامه لها بالفشل السياسي والأخلاقي، وتحميلها مسؤولية العنف وسفك الدماء داخل المدن والقرى ذات الأغلبية العربية في إسرائيل.
لم يكتف (أحمد الطيبي) بانتقاد الحكومة، بل وجّه انتقادات مباشرة لحاخام مدينة صفد (شموئيل إلياهو)، في سياق حديثه عن التحريض الديني والقومي، وهو ما اعتبره نائب رئيس الكنيست (تجاوزًا للخطوط الحمراء)، ليتم منعه من استكمال خطابه وإجباره على مغادرة المنصة في مشهد أثار جدلًا إعلامياً واسعًا داخل إسرائيل وخارجها.
غير أن أهمية الواقعة لا تكمن فقط في قرار إيقاف الخطاب، بل في الطريقة التي تعامل بها الإعلام الإسرائيلي معها. إذ جرى تقديم الواقعة باعتبارها نموذجًا (للانفلات الخطابي) لنائب عربي، مع تركيز مكثف على لهجة (الطيبي) وحدّة عباراته، مقابل تغييب شبه كامل لمضمون انتقاداته السياسية.
وبهذا، تحوّل النقاش من مساءلة سياسات الحكومة إلى محاكمة أسلوب نائب معارض، في نمط بات مألوفًا في تغطية حضور (أحمد الطيبي) داخل الكنيست.
وهو ما يؤكد معه أن هذا النمط الإعلامي لا يعكس خلافًا عابرًا، بل يشير إلى اهتمام استثنائي وممنهج بشخص (أحمد الطيبي)، بوصفه هدفًا دائمًا للهجوم والتأطير التحريضي. ففي كثير من الأحيان، يُقدَّم (الطيبي) لا كنائب منتخب يمارس دورًا رقابيًا مشروعًا، بل كرمز (للتجاوز) و(التحريض)، ما يسهم في نزع الشرعية عن صوته السياسي، وتطويق حضوره داخل الفضاء العام الإسرائيلي.

نائب بلا تراجع
يُعرف (أحمد الطيبي) بمواقفه الثابتة والجريئة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية داخل الكنيست وخارجه. فمنذ دخوله المعترك البرلماني، لم يتردد في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تمس الفلسطينيين، سواء تعلّق الأمر بالاحتلال والاستيطان، أو بالحصار والتمييز ضد فلسطينيي الداخل.
وعلى عكس كثير من النواب الذين يختارون لغة حذرة تجنبًا للصدام، يصرّ (أحمد الطيبي) على خطاب مباشر يسمّي الأشياء بأسمائها، حتى وإن كلّفه ذلك صدامًا دائمًا مع المؤسسة السياسية والإعلامية.
ورغم حملات التشويه والتحريض المتواصلة التي تقودها قوى اليمين المتطرف في إسرائيل، ويغذّيها جزء واسع من الإعلام العبري، واصل (أحمد الطيبي) التعبير عن مواقفه دون خوف أو مواربة، فقد استخدم المنبر البرلماني ليس فقط لطرح اعتراضات شكلية، بل لتحويل الكنيست نفسه إلى مساحة لكشف التناقض البنيوي بين ادعاءات الديمقراطية الإسرائيلية وممارسات الإقصاء والقمع.
هذا الإصرار على التمسك بالحقوق الفلسطينية، في بيئة سياسية معادية، جعله أحد أبرز الأصوات العربية التي يُنظر إليها في إسرائيل بوصفها خصمًا سياسيًا ينبغي محاصرته.
في مقابل هذه المواقف الواضحة، يتعرّض (أحمد الطيبي) لهجوم إعلامي إسرائيلي يتجاوز حدود النقد السياسي إلى حملات تشويه شخصية وتأطير تحريضي. ففي قطاعات واسعة من الإعلام العبري، يُقدَّم بوصفه (محرضًا) أو (داعمًا للإرهاب) أو (عدوًا من الداخل)، في محاولة دائمة لربط مواقفه السياسية المشروعة بخطاب أمني وأخلاقي نازع للشرعية.
وغالبًا ما تُنتزع تصريحاته من سياقها البرلماني، أو تُضخَّم حدّتها، مع تسليط الضوء على أسلوبه الخطابي بدل مضمون رسائله. وبهذا، لا يُناقَش ما يقوله (أحمد الطيبي) بقدر ما يُدان كونه قاله أصلًا. هذا النمط لا يعكس فقط تحيّزًا إعلاميًا، بل يؤدي دورًا فاعلًا في تأليب الرأي العام اليهودي ضده، وتبرير استهدافه سياسيًا داخل الكنيست.

هجوم عابر للمنصات
يتجلّى هذا الاستهداف في تقاطع مواقف عدد من الإعلاميين الإسرائيليين البارزين، من اليمين الصريح إلى الإعلام السائد. فقد كرّس محللون ومقدمو برامج مساحات واسعة لتصوير (أحمد الطيبي) بوصفه نموذجًا (للنائب المتجاوز)، أو (الخصم الداخلي) الذي يهدد الإجماع القومي.
هنا يبرز (عميت سيغال)، مراسل الشؤون السياسية في القناة 12، الذى دأب على تناول مواقف (أحمد الطيبي) ضمن سردية تشكك في (ولائه)، وتربط خطابه البرلماني بسياق أمني تحريض، أما (يينون ماغال)، أحد أبرز وجوه القناة 14 اليمينية، فهاجمه مرارًا مستخدمًا لغة مباشرة تصفه كمحرّض على الدولة.
وفي صحيفة معاريف، كتب (كلمان ليبسكيند) مقالات نقدية ركّزت على أسلوبه الخطابي واعتبرته استفزازيًا، بينما قدّم صحفيون آخرون قراءات تضعه دائمًا في خانة التحدي المتعمد للنظام السياسي.
هذا الإجماع الإعلامي، رغم اختلاف المنصات، يكشف كيف تحوّل (أحمد الطيبي) إلى هدف مفضّل لخطاب يسعى إلى نزع الشرعية عن مواقفه لا عبر تفنيدها، بل عبر شخصنتها وتأطيرها كخطر دائم.
تحت المجهر
كذلك وفي الإعلام الإسرائيلي، يُقدَّم (أحمد الطيبي) بوصفه شخصية صدامية ومثيرة للجدل، ويتركز جانب كبير من الانتقادات على أسلوبه الخطابي الحاد وتصريحاته العلنية. وتُصوَّر هجماته على الشرطة أو المسؤولين الحكوميين على أنها خروج عن (اللياقة السياسية)، لا باعتبارها نقدًا مشروعًا للسلطة.
وفي مستوى أعمق، لا تنفصل هذه الانتقادات عن هويته السياسية الفلسطينية. إذ يُصوَّر (أحمد الطيبي) غالبًا كمن يتحدى تعريف إسرائيل كـ (دولة يهودية)، ويُقدَّم حضوره الفلسطيني داخل الكنيست كرفض ضمني للإجماع القومي.
كما تُستغل استخداماته لمصطلحات ثقافية أو مواقفه على وسائل التواصل لتقديمه كشخصية (غير مسؤولة سياسيًا) أو قريبة من خطاب يُؤطَّر أمنيًا، بما يؤدي إلى اختزال حضوره البرلماني في بعد هوياتي صدامي.
يستخدم اليمين الصهيوني هذا الخطاب التحريضي كأداة سياسية ممنهجة عبر مجموعة من الآليات. أولًا: يجري نقل مواقف الطيبي من حيزها السياسي إلى قالب أمني، بحيث يُقدَّم أي دفاع عن الحقوق الفلسطينية على أنه (دعم للإرهاب).
ثانيًا: تُستبدل مناقشة أفكاره بمهاجمة نواياه وهويته، وتصويره كنائب (غاضب) أو (فاقد للأعصاب)، ثالثًا: يُضخّم الإعلام اليميني أي احتكاك يتعلق به ويعيد تدويره مرارًا، بما يحوّل الحوادث الجزئية إلى (إثباتات) على رواية مسبقة عنه.

نزع شرعية صريح
وقد بلغ هذا الخطاب ذروته في تصريحات مسؤولين وسياسيين إسرائيليين وصفوه علنًا بـ (الإرهابي)، مع دعوات لإقصائه من الكنيست، وداخل البرلمان وُجهت له مطالبات بفرض (حدود) على حرية تعبيره، في تناقض صارخ مع الادعاء الديمقراطي.. كما تجلّى البعد الثقافي للهجوم حين قوطعت كلماته بالعربية، في مشاهد تعكس رفضًا لشرعية اللغة والهوية الفلسطينية داخل المؤسسة التشريعية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة استهداف (أحمد الطيبي) سياسيًا وإعلاميًا بمعزل عن الدور الذي بات يمثله داخل المشهد الإسرائيلي بوصفه أحد أكثر الأصوات الفلسطينية وضوحًا وصلابة داخل الكنيست؛ فالرجل لا يكتفي بمعارضة شكلية، بل يصرّ على كشف التناقض البنيوي بين الخطاب الديمقراطي المعلن والممارسة الإقصائية الفعلية.
إن شراسة الحملات التي تستهدفه لا تعكس خطرًا حقيقيًا كما يُروَّج، بقدر ما تكشف حجم الإزعاج الذي يسببه حضوره الصلب وكلمته غير المنضبطة بقواعد الصمت المفروض.
ومن هنا، فإن الحديث عن (أحمد الطيبي) يتجاوز شخصه ليغدو دفاعًا عن حق الفلسطيني في تمثيل سياسي حرّ، وعن المعنى الحقيقي للمعارضة داخل نظام يضيق، يومًا بعد يوم، بأي صوت يرفض التطويع.
ويتمسك بفضح سياسات التهميش وسلب الحقوق، ويصرّ على أن يكون (سوطًا في وجه الجلادين) و(صوتًا لمن غُيّبت أصواتهم) من الفلسطينيين والمواطنين العرب في الداخل المحُتل، ممن يحاول اليمين الصهيوني غضّ الطرف عن حقوقهم والمضي قدمًا في مصادرتها.. وللحديث بقية.
لمتابعة ومشاهدة بعضاً من كلمات وبيانات النائب أحمد الطيبي
https://www.facebook.com/Tibi.Fans