رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 محمود عطية يكتب: فيلم (سايس العربيات)

 محمود عطية يكتب: فيلم (سايس العربيات)

 محمود عطية يكتب: فيلم (سايس العربيات)
تتحول الطرق العامة من فضاء مشترك يفترض أنه حق للمواطن إلى ساحة ابتزاز يومي

بقلم المستشار: محمود عطية

تخيلت أن يكون هنالك عمل فني يجسد هذه المهزلة تحت فيلم (سايس العربيات)، فهذا العمل الفني ليس ترفا لغويا ولا استعراضا، بل صرخة مكتوبة بوعي وغضب ضد ظاهرة باتت وجها قبيحا للمدن وفي القلب منها شوارع العاصمة القاهرة. 

حيث تتحول الطرق العامة من فضاء مشترك يفترض أنه حق للمواطن إلى ساحة ابتزاز يومي يمارسه من يسمون أنفسهم (سايس العربيات)، وهم في الحقيقة منظومة فوضى وبلطجه متنكرة في ثوب الخدمة هؤلاء.

لم يأتوا من فراغ بل خرجوا من شقوق الاهمال وتحت مظلة الصمت الرسمي ونمت قوتهم مع الوقت حتى صاروا يتعاملون مع الشارع، وكأنه ملك خاص لهم يفرضون الأتاوة ويحددون الأسعار، ويهددون ويصرخون ويكشرون عن أنياب بلطجتهم في وجه أي مواطن يجرؤ على السؤال أو الاعتراض.

المشهد بات مألوفا إلى حد الفجيعة، رجل يقف عند ناصية شارع يلوح بيده كأنه صاحب الارض يطالب بالمال قبل وبعد، يراقبك بنظرة وعيد ويوحي لك بأن سيارتك لن تكون بخير إن لم تدفع.

وهنا يسقط القناع تماما، فهذه ليست خدمة تنظيم ولا عملا عشوائيا بريئا بل ممارسة ضغط وابتزاز صريح في وضح النهار أمام الجميع، أمام البيوت، أمام المحال، أمام مؤسسات الدولة نفسها.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقسوة هل ما يحدث يجري من جانب (سايس العربيات) بعلم الدولة، أم بعجزها، أم بتواطؤ صامت أم باستفادة غير مباشرة، أم أن الأمر خرج تماما عن السيطرة وترك المواطن وحيدا في مواجهة سلوك اجرامي يتكاثر ويتمدد بلا رادع.

حين يسير المواطن في شوارع عاصمته يشعر أنه غريب وأن الطريق لا ينتمي له وأن حقه في الوقوف مؤقت مرهون بمزاج شخص لا صفة له، ولا قانون يحكمه سوى قانون القوة والتهديد، هذا الشعور لا يولد فقط الغضب بل يولد الإحساس بالمهانة، وأن كرامة الفرد صارت رخيصة.

 محمود عطية يكتب: فيلم (سايس العربيات)
هيبة القانون تراجعت حتى أصبحت مجرد شعار يرفع في الخطب

الواقع يدار بمنطق الفتوة

وأن هيبة القانون تراجعت حتى أصبحت مجرد شعار يرفع في الخطب، بينما الواقع يدار بمنطق الفتوة والفرض بالقوة الخطير في الأمر، إن هذه الظاهرة لم تعد استثناء بل صارت قاعدة في مناطق كثيرة وتغلغلت حتى في الاحياء الراقية لتؤكد ان المشكلة ليست فقر مكان بل فقر قرار وغياب ردع.

فحين تتساوى الشوارع في الفوضى تسقط كل الذرائع ولا يبقى سوى سؤال المسؤولية، أين الدولة من كل هذا؟، أين القانون؟، أين المحليات، أين الشرطة؟، أين الرقابة اليومية؟، أين الشعور بأن الشارع له صاحب واحد هو المجتمع كله لا مجموعة افراد فرضوا أنفسهم بقوة الصوت والتهديد؟

البعض يحاول تبرير الظاهرة بحديث باهت عن البطالة وعن الحاجة وعن أن هؤلاء يبحثون عن لقمة العيش، لكن هذا التبرير يسقط أمام أول نظرة واقعية، لأن لقمة العيش لا تعني إرهاب الناس، ولا تعني فرض الأتاوة، ولا تعني ترويع النساء وكبار السن ولا تعني تخريب الممتلكات عند الرفض.

ولا تعني تحويل المدينة إلى غابة من الإشارات اليدوية والصراخ والسب العلني.. الفقر لا يبرر الجريمة، والحاجة لا تمنح حصانة أخلاقية ولا قانونية وإلا لتحولت المجتمعات كلها الى فوضى منظمة باسم العوز.

المشكلة الحقيقية أن هذه الظاهرة وجدت بيئة تسمح لها بالاستمرار بيئة ترى فيها الدولة المشهد يوميا ولا تحسم وبيئة يخاف فيها المواطن من المواجهة، لأن التجربة علمته أن الاعتراض مكلف وأن الشكوى قد لا تصل، وأن الصمت أحيانا أقل ضررا من الصدام.

وهكذا يتكرس واقع معوج يصبح فيه البلطجي (سايس العربيات)، صاحب اليد العليا ويصبح المواطن متهم أنه يريد حقه الطبيعي، وهذا قلب كامل للمنطق والمعايير الخطاب الرسمي كثيرا ما يتحدث عن دولة القانون، وعن الانضباط وعن النظام.

لكن الشارع يفضح التناقض حين يرى المواطن أن القانون يقف عند حافة الرصيف بينما تدار المساحة العامة بقواعد غير مكتوبة يفرضها من يملك الصوت الأعلى والجرأة على التهديد، هذا التناقض يقتل الثقة ويهدم الاحساس بالمواطنة ويزرع في النفوس شعورا مزمنا بالخذلان.

لأن الدولة التي تعجز عن حماية شارعها تعجز عن حماية مواطنيها نفسيا ومعنويا قبل أي شيء، أخطر ما في الأمر أن تطبيع هذه الظاهرة يجعلها جزءا من المشهد اليومي فتفقد خطورتها في الوعي العام، ويتعامل معها الناس كقدر لا مفر منه، وهذا أخطر أنواع الهزيمة حين يقتنع المجتمع ان الفوضى طبيعية.

 محمود عطية يكتب: فيلم (سايس العربيات)
نحن نسأل عن المنظومة التي سمحت لهم أن يصبحوا قوة أمر واقع،

حين تترك الشارع نهبا للابتزاز

وأن التعدي أمر معتاد، وأن السكوت فضيلة، هنا لا يعود السؤال فقط عن (سايس العربيات)، بل عن المنظومة التي سمحت لهم أن يصبحوا قوة أمر واقع، وعن الرسالة التي ترسلها الدولة دون أن تنطق حين تترك الشارع نهبا للابتزاز، الرسالة التي تقول ضمنيا أن القانون انتقائي، وأن الهيبة يمكن التنازل عنها، وأن المواطن عليه أن يدبر أموره بنفسه.

هذه الرسالة مدمرة لأنها تفتح الباب لكل أشكال التعدي الأخرى، وتؤسس لمنطق أن من لا يملك القوة لا يملك الحق، والعمل الفني الذي يجسد هذه الظاهرة يجب أن يكون صادما فاضحا بلا مجاملة ولا تلطيف، يجب أن يرسم الشارع كمساحة محتلة و(سايس العربيات) كرمز لفوضى أكبر والمدينة كجسد يتآكله الإهمال.

يجب أن يعكس وجوه الناس الغاضبة الصامتة المتعبة ونظرات التحدي والوقاحة في عيون من يمارسون البلطجة، يجب أن يضع المشاهد أمام سؤال لا مفر منه: من يحكم الشارع؟، ومن سمح بهذا الانقلاب الصغير اليومي على فكرة الدولة.

العمل الفني هنا ليس ضد أفراد بقدر ما هو ضد سياسة صمت وضد غياب حسم وضد اعتياد غير مقبول على مشهد مهين، هذا العمل يجب أن يقول بوضوح أن الشارع ليس سلعة، وأن الحق العام ليس مجالا للتجربة، وأن كرامة المواطن ليست بندا ثانويا، وأن الدولة التي تريد الاحترام يجب أن تبدأ من الرصيف ومن موقف السيارة ومن لحظة الشعور بالامان في أبسط تفاصيل الحياة.

لأن المدن لا تقاس بناطحات السحاب ولا بالمشروعات العملاقة فقط، بل تقاس أيضا بكيف يشعر المواطن حين يوقف سيارته وينزل منها، هل يشعر أنه في وطن أم في منطقة نفوذ مؤقتة؟

هذا هو جوهر القضية وهذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا ومعلقا في وجه الجميع، حتى لا يتحول الصمت إلى شراكة، وحتى لا تتحول الفوضى إلى هوية، وحتى لا يصبح الابتزاز جزءا من يوميات مدينة تستحق أفضل من ذلك بكثير

الخلاصة: لقد كتبت عن هذا الأمر من سنوات واشتركت في حلقه مع لواء سابق وعضو مجلس شعب حينها في ضيافة الصديق الراحل (وائل الإبراشي)، وقبل دخول الاستوديو دردشت مع عضو مجلس الشعب الذي كان يريد التقدم بمشروع قانون لتنظيم هؤلاء.

والحقيقه أنه كان لا يعلم أن هذا العمل له رابطه منذ زمن لمن يعمل بطريقه رسمية مثل مواقف السيارات، وتضم فئة المحالين  مثل (شيالين محطة قطارات رمسيس)، ولم أنتبه لهذا الأمر، وقلت له لماذا فقال: (إن هؤلاء دخلهم أكثر من 600 مليون جنيه سنويا وفق دراسته، وأن البلد لا تستفيد منهم بضرائب).

فقلت له بعصبيه: أتريد يا سيادة النائب تحصيل ضرائب من البلطجة علي الشعب؟، فقال لي لا تأخذ الموضوع بهذا الشكل، ودخلنا لعمل اللقاء وفي آخره بعد أن وضح للأستاذ (وائل) من كمية المداخلات أن الناس هتفرقع من هؤلاء، بادرني بسؤال كيف تكيف (سياس العربيات) قانونا من وجهة نظرك.. فقلت بلطجة وسرقة بالإكره، وابتزاز تحت التهديد.

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.