
بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
أغنية (حلم)، التي غنّتها (أم كلثوم) عام 1946، ليست حكاية تُروى بقدر ما هى حالة نعيش داخلها بهدوء.
لا تقوم على حدث صاخب ولا على مفاجآت درامية، بل تبني عالمها خطوة خطوة، إحساسًا بعد إحساس، حتى نصل إلى لحظة اكتمال ناعمة، سرعان ما تنقلب إلى يقظة موجعة.
سرّ هذه الأغنية لا يكمن في عنصر واحد، بل في التلاقي المتوازن بين كلمات بيرم التونسي، ولحن الشيخ زكريا أحمد، وصوت (أم كلثوم)، حيث يخدم كل عنصر الآخر من غير استعراض أو تزاحم.
تبدأ الأغنية بلحظة عودة طال انتظارها، يصوغها بيرم التونسي بكلمات بسيطة لكنها مطمئنة:
(حبيب قلبي وافاني في ميعاده ونول بعد ما طول بعاده
حبيب قلبي قابلني وهو متبسم وطمني على وصله)
لا صور معقّدة هنا، ولا استعارات ثقيلة، بل مشهد واضح: غياب انتهى، وابتسامة كفيلة بأن تمحو أثره.
منذ السطر الأول نشعر بالأمان، وكأن اللقاء أعاد الأمور إلى نصابها الطبيعي.
بعد ذلك، يتحوّل الغناء إلى حوار دافئ، يبدأ بعد السلام مباشرة:
(وقال لي بعد ما سلّم كلام القلب يرقص له
بقى يقول لي وأنا أقول له وخلصنا الكلام كله)
الكلام هنا ليس كثيرًا، لكنه كافٍ.. هو كلام قلب لقلب، ينتهي حين يؤدي معناه.
ويتواصل هذا الحوار في صورة تبادل عاطفي بسيط، لكنه شديد الصدق:
(يقول لي: قلبي بيودك.. أقول له: قلبي أنا أكتر
يقول لي: اد إيه حبك؟ أقول له: فوق ما تتصور
وأقول له: خايف لتنسانى.. يقول لي: مستحيل اقدر).

لغة أخرى أكثر عمقًا
هذه المقاطع تمثل ذروة الاطمئنان في الأغنية؛ خوف يُقال، ووعد يُعطى، وحب يُؤكَّد من الطرفين، إلى أن يعود النص ليغلق الدائرة من جديد:
(بقى يقول لي وأنا أقول له وخلصنا الكلام كله).
مع تقدّم الأغنية، يبدأ الكلام في التراجع، وتظهر لغة أخرى أكثر عمقًا:
(قريب وبعيد وبقينا نقول ونعيد بعينينا
عيون لعيون تتكلم بسر القلب وتترجم).
لم تعد الكلمات ضرورية، فالنظرات صارت أبلغ. ويكتمل المشهد بانسجام تام:
(وروح مع روح تتجانس
وأيد على أيد بتسلم
بتسلم سلام مشتاق).
ثم تتسع اللحظة لتشمل نسيانًا كاملًا لما حولها:
(نسينا الدنيا ولهينا في هوانا وطرنا وعلينا
لا عواذل واقفة حوالينا ولا ذنب يتعد علينا).
إنها لحظة صفاء مطلق، لا حساب فيها ولا رقابة، كأن العالم توقف قليلًا وتركهما وحدهما.
يأتي بعد ذلك السكون: (سكوت وسكون… وإيه هيكون؟).
سؤال بسيط، لكنه يحمل توترًا خفيًا، قبل أن ينفتح المشهد على ليل هادئ تشارك فيه الطبيعة:
(ما فيش غير الغصون تهمس ولا غير القمر ناظر ولا غير النجوم مؤنس ولا غير النسيم عابر).. كل شيء ساكن، مؤنس، مطمئن، وهو ما يجعل ما سيأتي بعده أشد إيلامًا.
تأتي الصدمة فجأة، ومن دون تمهيد:
(وأنا في دي النعيم هايم لقيته منام! وحلم وطار مع الأحلام ياريته دام… ودام نومي كده اوهام وأنا وهو من النشوة نعيش فى سلام ولو فى منام).
لا تفسير ولا اعتراض، فقط اكتشاف متأخر بأن كل هذا الجمال لم يكن واقعًا.

اللحن هادئ، متماسك
ويأتي التمني حزينًا وبسيطًا: كأن الحلم، رغم زيفه، كان أرحم من اليقظة.
وتُغلق الأغنية على أمنية أخيرة:
(وأنا وهو في دي النشوة نعيش في سلام ولو في منام).
لحن الشيخ زكريا أحمد يقوم على مقام البياتي، بما يحمله من دفء وقرب من الإحساس الإنساني بصوت (أم كلثوم).
اللحن هادئ، متماسك، لا يسعى إلى المفاجأة، بل ينساب مع الكلمات، ويمنحها مساحتها. الإيقاع بطيء معتدل، يترك الغناء يتنفس، ويجعل المستمع يشعر وكأنه داخل حديث داخلي طويل. وعند لحظة (لقيته منام)، لا يتغير الإيقاع بعنف، بل ينسحب اللحن بهدوء، كأن الحلم يذوب لا ينكسر.
أما (أم كلثوم)، فتقدّم في هذه الأغنية أداءً بالغ الصدق.
تبدأ بصوت مطمئن، قريب، ثم تزيد الشحنة العاطفية تدريجيًا، من غير مبالغة. وعند جملة (لقيته منام)، لا تحتاج إلى قوة صوتية، بل تكتفي بنبرة مكسورة قليلًا، تكفي وحدها لتقويض كل ما سبقها.. في تلك اللحظة، لا نسمع مطربة كبيرة بقدر ما نسمع إنسانة فوجئت بالحقيقة.
لهذا كله، تبقى أغنية (حلم) واحدة من الأعمال التي لا تشيخ.
لأنها لا تتحدث عن زمن بعينه، بل عن تجربة إنسانية تتكرر دائمًا: أن نعيش لحظة كاملة، ثم نكتشف أنها كانت حلمًا، وأن نكتشف، متأخرين، أن بعض الأحلام تترك أثرًا أعمق من كثير من الوقائع.