(مازن الناطور): بعد نجاح (سوناتا الربيع) في دمشق، سنحاول تقديمها في محافظات سوريا


كتب: أحمد السماحي
خلال الأيام الماضية حقق العرض المسرحي (سوناتا الربيع) تأليف الكاتب المتميز جمال آدم، وإعداد وإخراج المبدع ماهر صليبي، وبطولة النجم السوري الكبير (مازن الناطور) مشاهدة جماهيرية جيدة، وكتابات نقدية مهمة.
سواء من نقاد متخصصين، أوكتاب صحافيين، أو نجوم، حيث استطاع النجم السوري (مازن الناطور) الذي يعود إلى المسرح السوري بعد غياب سنوات طويلة جدا من خلال مونودراما (سوناتا الربيع) أن يملأ المسرح توهجا من خلال هذه المأساة الإنسانية التى جسدها بشكل متميز للغاية.
النجم السوري الكبير (مازن الناطور) أكد لـ (شهريار النجوم) عن سعادته الغامرة بالنجاح المتميز الذي حققه العرض طوال ثلاث ليال في دار الأوبرا بدمشق، سواء من الناحية الجماهيرية أو النقدية.
ورغم أن تنظيم قسد (قوات سوريا الديمقراطية) هاجمنا في حلب وحاول عرقلة معركة التحرير ثم توسّع إلى مناطق استراتيجية بالمدينة، أيام العرض، إلا أن (سوناتا الربيع) لاقى استحسانا كبيرا.
وكل من حضره أشاد به وأحبه، وحضر العرض (محمد ياسين صالح) وزير الثقافة السوري وكبار المسئولين في وزارة الثقافة، وكثير من الإعلاميين والنجوم.
وتغزل وزير الثقافة بالعرض كثيرا، والآن يوجد فكرة سنعمل على تحقيقها بإذن الله قريبا، أن نعرضه في محافظات سوريا، حتى يشاهد أبناء المحافظات مسرح (المونودراما).
وأضاف نقيب الفنانيين السورين (مازن الناطور): ما أسعدني حقا هو الكتابات النقدية التى كتبها مجموعة من الزملاء الصحافين والنقاد، وحتى بعض النجوم مثل الزميل (غطفان غنوم) الذي أشاد بالعرض كثيرا على صفحته على (الفيس بوك).

مونودراما تحاكي وجدان السوريين
جدير بالذكر أن العرض لاقى حفاوة نقدية كبيرة، حيث احتفى الزميل والناقد (محمد منصور) في موقع (العربي القديم) بالعرض وكتب تحت عنوان (مونودراما تحاكي وجدان السوريين) مقالا ممتعا.
جاء في بعض منه الآتي: إن حضور الممثل في عرض المونودراما هو ركيزة أساسية من ركائز نهوض العرض، لا نجاحه وحسب، وعلى مدار أكثر من ساعة من الزمن، يستعرض (مازن الناطور) كل مهاراته التمثيلية ومواهبه.
وهو استعراض موفق وموظف ومرهق وليس مجانيا بأي حال من الأحوال، فيتنقل في تجسيد شخصيات الجد والجدة والجار والمحقق.. محاولا في الوقت ذاته أن يبقى (أبا حسن) حاضرا على الخشبة لا يغيب.
وهو ينجح في أن يأخذ المشاهد معه في انتقالات وجدانية سلسة، سواء بين الشخصيات المتعددة التي يستحضرها أو بين شخصية (أبي حسن) بكل عذاباتها وتقلباتها الشعورية والانفعالية، فيملأ فراغ الخشبة المسرحية بحضوره واجتهاده وحرصه على أن يبقى العرض مشتعلا ينتقل من ذروة إلى أخرى.
ومما لا شك فيه أن المخرج (ماهر الصليبي) قد أضاف برؤيته الإبداعية عناصر جوهرية ساهمت في ملء هذا الفراغ الذي تخلقه المونودراما كتحدي فني بالأساس..
فاستخدم ببراعة عناصر الإضاءة والصوت والشاشة في تكريس تعدد الأصوات والمستويات.
وبناء سينوغرافيا مسرحية جمالية بقدر ما تبدو درامية ومفعمة بالمشهدية التي تستخدم الغرض المسرحي بثراء إن في تشكيل الديكور، أو في إثراء عملية استحضار الشخصيات..
كما يمكن الوقوف عند الإضاءة بمستوياتها التعبيرية والدلالية وظلالها المرتسمة على الجدران البيضاء، فلا أجمل من الضوء الذي يغمر الخشبة قادما من كواليس المسرح، حين يقوم البطل بتكسير الجدران، حين ينتفض الشعب، إذ يصل به القهر إلى نقطة اللاعودة.


مأساة أبو حسن
أما النجم السوري المتميز(غطفان غنوم) فكتب كلمات رائعة عن العرض على صفحته على (الفيس بوك) قال فيها: منذ أيام حضرت العرض المسرحي (سوناتا الربيع)..
في هذا العرض المسرحي، يرتكز البناء الدرامي على شخصية (ابو حسن) بوصفها محورا سرديا ونفسيا يعكس تناقضات الواقع السوري المعاصر، ضمن معالجة فنية تجمع بين الطموح الفكري والسرد الذاتي، وتراهن على الذاكرة الفردية بوصفها مدخلا لفهم التجربة الجمعية.
يفتتح العرض بمديح الشام، مستندا لحضورها الغنائي والرمزي في الوجدان الجمعي، وهو مدخل موفق في استدعاء الذاكرة العاطفية وبناء علاقة مباشرة مع الجمهور.
يهيئ هذا الافتتاح مناخا وجدانيا واضحا، ويضع المدينة في موقع الرمز الجامع الذي تتقاطع عنده الحنين والهوية والانتماء.
لاحقا، تتجسد حالة الخوف التي يعيشها (أبو حسن) أثناء دهنه وترميمه لبيته في صورة مسرحية عالية الدلالة، حيث يتحول البيت من فضاء مادي إلى استعارة للهشاشة والقلق الكامن (بيت بدون سقف).
هذه الصورة تنجح في ربط الفعل اليومي البسيط بخوف وجودي عميق، مانحة العرض بعدا بصريا ومعنويا متماسكا.
ويصل العرض للحظة انفعالية بارزة عند المواجهة اللفظية مع السلطات الامنية، كاشفا عن موقف سياسي صريح وشجاعة تعبيرية واضحة.
هذا المشهد يعزز حضور الشخصية بوصفها صوتا مكبوتا، ويضخ في العمل طاقة احتجاجية مباشرة تتقاطع مع الهم العام دون أن تفقد طابعها الشخصي الخاص.
في استعادة الذكريات مع الجد والجدة، ينتقل العرض بسلاسة لمساحة إنسانية حميمة، تضيف عمقا زمنيا وعاطفيا للشخصية، وتخفف من حدة التوتر العام.
كما تأتي قصة التدخين كتفصيل بسيط لكنه دال، يربط الذاكرة بالعادات اليومية وبالهوية الشخصية، ويمنح الممثل مساحة ادائية غنية ومتنوعة.
في عمق الحدث المسرحي المتأزم، ترد قصة الحبيبة الفرنسية، فتحمل بعدا رمزيا يتصل بالآخر وبالحلم المختلف، وتفتح نافذة على تجربة عاطفية تتقاطع مع فكرة المنفى والاختلاف الثقافي، مضيفة بعدا جديدا لمسار ابو حسن النفسي والوجداني.
ويتعمق هذا المسار حين يكشف العرض بأن (أبو حسن) عاشق للتاريخ وكان مدرسا لمادة التاريخ، ومولعا بتاريخ دمشق وتعاقب الحضارات التي مرت عليها، حتى أنه ينطق خلال العرض متمتما بقليل من مفردات اللغات بوصفها امتدادا لشغفه بالأزمنة والثقافات المختلفة.
وفي مفارقة لافتة، نرى رجلا منشغلا بالفضاءات التاريخية الواسعة ومسارات الشعوب، محاصرا في جغرافيا ضيقة تختصرها جدران البيت.

العرض يلامس أقسى مفارقاته
هذا التناقض بين سعة المعرفة وضيق المكان يمنح الشخصية عمقا رمزيا اضافيا، ويكشف عن قسوة واقع يحول التاريخ من أفق مفتوح الى ذاكرة محاصرة.
وتتجلى هذه المفارقة بشكل أوضح حين نعلم بأن (أبا حسن) نفي من مأمنه بسبب صوته الحر، ليغدو البيت الذي يرممه فضاء مؤقتا للوجود لا ملاذا آمنا.
هنا يلامس العرض واحدة من أقسى مفارقاته، اذ يعاقب صاحب الصوت الحر بالنفي، ويدفعه نحو الانكفاء داخل مساحة ضيقة، في طرح نقدي هادئ لكنه بالغ الدلالة.
تحضر الشاشة السوداء التي تلازم العرض في عمق الخشبة بوصفها عنصرا بصريا دالا، لا تنفتح سوى على ذاكرة مثقلة بالألم، ولا تستعيد من الماضي سوى الوجع المتراكم.
غير أنها تختتم العمل بلوحة لافتة، تصور الشعب السوري وهو يواجه ماضيه المحمل بالقسوة والهيمنة القمعية (انطلاق الثورة)، في صورة تجمع بين القسوة والجمال، وتمنح الخاتمة بعدا تأمليا مؤثرا.
عنوان النص المسرحي، (سوناتا الربيع)، يحمل مفارقة جمالية ذكية تستحق التوقف عندها، اذ يقابل بين بنية موسيقية توحي بالانسجام والتجدد، ومحتوى درامي مثقل بالخوف والذاكرة والالم.
هذا التناقض يمنح العنوان قوة إيحائية، ويقترح قراءة العمل بوصفه محاولة للبحث عن ربيع مؤجل داخل واقع قاس، ما يجعل التسمية موفقة ومتناغمة مع الروح العميقة للعرض.