
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
لم أتعجب كثيراً من صرخة الإعلامي الشهير (عمرو أديب) فرحاً بهدف سجله اللاعب المصري الدولى محمد صلاح في إحدى مباريات بطولة كأس الأمم الإفريقية، حيث كان الأستاذ (عمرو) يستعرض ويتابع حادثاً مأساوياً أسفر عن مصرع 11 وإصابة 9 على طريق الصعيد الصحراوي الغربي.
ولكن عجبي ممن وجهوا إليه اللوم على فرحته رغم الحزن!
فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى!
فما الذي يمنع من إبراز مظاهر الفرح وسط الأحزان؟!
ثم إن (الحي أبقى من الميت) كما يقول المثل المصرى!
فمن هم هؤلاء الذين ماتوا.. وما الذي يشكله نبأ مصرعهم من أهمية لدى المشاهدين الذين أغلق الملايين منهم شاشات تلفزيوناتهم المجانية، ليلهثوا وراء البث المباشر على شاشات الاشتراكات الخاصة في الكافيهات والنوادي، أو على مواقع الإنترنت التى تعرض المباراة في وقتها؟!
ولا أظن أن أحدًا من جمهور الفضائيات المفتوحة أو المغلقة، اهتم بتفاصيل حادث تصادم الصحراوى، ربما البعض منهم اهتم بعد انتهاء المباراة، ولعل هؤلاء تلقوا تفاصيل النبأ مع فرحة الانتصار الكبير بهدف محمد صلاح، الذي هلل له (عمر أديب).
وباستثناء الدائرة المحيطة بضحايا الحادث، فلم تتأثر مشاعر الفرح ولا نشوة الانتصار، مع قرب الأمل بالوصول إلى النهائي، بل وكسب البطولة والحصول على البطولة الثامنة في تاريخ المونديال الإفريقي!
(ولكن هو ذا قد أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، فخسرنا البطولة في الخطوة قبل الأخيرة)!
وعلى ذكر الرياح مع السفن ولمناسبة الهجوم الصاروخي الذي تعرض له الأستاذ (عمرو أديب) لأنه صرخ فرحًا بهدف الفوز، فلعلنا نتذكر أيام البطولة نفسها في سنة 2006، ففي مثل هذه الأيام، وبالتحديد يوم 2 فبراير.

غرق العبارة (السلام 98)
غرقت العبارة (السلام 98) وقدمت إلى البحر الأحمر ما تجاوز الألف ممن كانوا على متنها، طعاماً للأسماك ووحوش البحر، فكانت أسوأ كارثة نزلت على مصر، فلم تشهد بلادنا في بحرها أو برها أو جوها مثل هذا الحادث المأساوي من قبل!
يمكنك أن تحسب كم هو عدد البيوت في القرى والمدن بطول مصر وعرضها، التى أفزعها فقد اولادها حينذاك!
ورغم هول الكارثة التاريخية، وبينما عمليات البحث عن ناجين في عرض البحر، بدأت تدخل مرحلة القنوط، ولم يبق إلا أمل العثور على جثث مشوهة أو بقايا جثث وأنسجة بشرية، ممن لم يتم إخراجهم بعد، كانت القاهرة على الجانب الآخر، تعيش أجواء البطولة المقامة على أرضها، وتفوز مصر في اللقاء النهائي وتتوج بالبطولة.
تخرج الجماهير بالملايين لتكتظ بهم الشوارع غناءً ورقصًا وإطلاق الصواريخ والشماريخ وإشعال البيروسول، في وقت كانت النيران الحارقة في قلوب أهالى الضحايا، أشد وأقسى!
ولم يكد يتذكر؛ ولا أراد أحد أن يتذكر؛ ضحايا العبارة.. اللهم إلا في لفتة شجاعة وكريمة من مدرب المنتخب حينها (العظيم حسن شحاتة) والذي ذكر أمام شاشات التلفزيون، أنه لابد (ألا ينسينا فرحنا بالفوز، شهداء العبارة).
كما واتت الشجاعة نفسها العم الأصيل شاعر الغلابة (أحمد فؤاد نجم)، ليعلن استيائه في برنامج شهير على الهواء، من تلك المبالغات في الاحتفال ولا كأن هناك كارثة حلت على البلاد!
لكنه هوس كرة القدم (ملهاة الشعوب الكبرى) والتى لا تقتصر على بلادنا وحدها، بل إن فيروساتها تغزو كل بلاد العالم التى تصاب كل عام بهذا الجنون الموسمي، والمتعلق بالبطولات الكروية الكبرى والصغرى!
فكم من أحداث شغب ومعارك ومذابح وحروب، كادت أن تقع أو وقعت بالفعل نتيجة هذا الوباء العالمى!، مع أن هذه الشعوب هى نفسها التي تدفع من حاضرها ومستقبلها ثمن الجنون!.
فكم باتت تلك الشعوب تحلم بالنصر لتهبط للاحتفال على شوارع وميادين بلادها، معلقة آمالها على لاعبيها ليحققوا لها النصر المؤزر.. (ولا علماء ولا مفكرين ولا أدباء ولا جيوش).

ليست مجرد لعبة رياضية
وأظن أنكم سمعتم عن الملياردير النيجيري الذي قرر مكافأة كل لاعب في منتخب بلاده بمليون دولار في حال فوزهم ببطولة كأس الأمم الإفريقية 2026، ولكن عندما لم يتم الحلم، قرر إكراماً منه أن يمنح كل لاعب نصف مليون دولار، كنوع من رفع معنوياتهم بعد الإخفاق في الوصول إلى النهائي!
وكلنا نعلم أن نيجيريا بلد عظيم متخم بالثروات الطبيعية لاسيما البترول، لكنه متخم كذلك بملايين الفقراء الذين يجهدون في إغلاق الثقوب التى يحدثها الماء في أسقف بيوتهم عند كل مطر!
لكن القاعدة الاقتصادية والتى لا تكف عن السخرية تؤكد أن البلاد التي تكثر فيها المليارات في حسابات طغمة معدودة من أغنيائها، لابد أن تجد فيها من مظاهر الفقر ما لا يستطيع الخيال إدراكه مع أسوأ التوقعات!.
(فمن أجل هؤلاء كان هذا”)
إنها ليست مجرد لعبة رياضية، بل نحن على يقين من أنها لعبة سياسية واقتصادية، لكنها بدلاً من أن تقارب بين الشعوب، إذا هى تخاصم فيما بينهم، وبدلاً من أن تسعد الناس، تصيبهم بالإحباط الذي لا ينتشلهم منه الا أمل الفوز بهدف من قدم لاعب مثل محمد صلاح، ليصرخ إثره إعلامي مثل (عمر أديب) فرحاً بالنصر المبين!
بعد كل هذا نلوم الأستاذ الإعلامى الكبير (عمرو أديب) وحده على فرحته بهدف صلاح!