

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
ذهبت إلى المسرح القومي يوم الأربعاء الماضي لمشاهدة الحفل الموسيقي العالمي، لعازف التشيللو الإيطالي الشهير (إيتوري باجاني)، الذي نظمه المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بالتعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة، واتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية EUNIC مصر.
وأقيم الحفل تحت رعاية الدكتور (أحمد فؤاد هنو) وزير الثقافة، وإشراف المخرج هشام عطوة رئيس قطاع المسرح.
والحقيقة أنني ذهبت للحفل، لسببين مهمين، أولا حبا في رؤية العازف الإيطالي الشهير (إيتواري باجاني) الحائز على جائزة أبياتي 2025 ، وجائزة كلاسّيك ( ICMA).
والذي قدّم عروضه على أهم المسارح في أوروبا والولايات المتحدة، وفاز بأكثر من 40 مسابقة وطنية ودولية، وتتلمذ على أيدي كبار الأساتذة مثل (أنطونيو مينيسيس، وديفيد غيرينغاس، وإنريكو ديندو)، ويُعرف بمهارته الفنية العالية في العزف على آلة التشيللو.
وثانيا تعاطفا مع شخص أنا مؤمن بما يبذله من نشاط، ومجهود وهوالمخرج المسرحي (عادل حسان) رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقي، والفنون الشعبية، اعتقادا مني أنني لن أجد إلا قلة من الجمهور في المسرح في هذه الليلة الموسيقية.
خاصة وأن موعد الحفل كان في نفس توقيت مباراة (مصر والسنغال) ضمن منافسات الدور نصف النهائي لكأس أمم أفريقيا التي تستضيفها المغرب.

ذائقة الجمهور المصري بخير
لكن ما أن خطوت خطوات داخل المسرح القومي، حتى وجدت المسرح مليئا عن آخره بالجمهور لحضور حفل (إيتوري باجاني)، والنفوس في نشوة خلت عنها همومها، والعيون لامعة، والقلوب متطهرة.
حيث شهد الحفل حضورًا رسميًا وثقافيًا بارزًا، من بينهم (ماوريتسيو جويرا)، مدير المعهد الثقافي الإيطالي، والملحق الثقافي الإيطالي، (رامي دسوقي) المدير المالي والإداري لاتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية، ونخبة من الإعلاميين والصحفيين والجمهور الإيطالي والمصري.
وهذا الحضور الكثيف لحفل موسيقي للإستماع إلى آلة واحدة وهى (التشيللو) أكد أن ذائقة الجمهور المصري بخير، وأنه يحب الجمال والرقي، ويذهب إليهما أن توفرا.
في الموعد المحدد وهو الثامنة مساء بدأ الحفل، وبعد أن كانت الصالة المكتظة بالجمهور موزعة الخواطر، عالية الصوت قبل الحفل مباشرة، صمتت بمجرد دخول (إيتواري باجاني) وبدأ عزفه.

خشوع في معبد الموسيقي
وخشع الجميع في معبد الموسيقى، الصالة كلها كأنها انفصلت عن الأرض، وكل إنسان فيها كأنه انفصل عن حياته، فالموسيقى بمثابة خنجر تجتث صلة الأنسان بواقعه، خاصة إذا كان العازف موهوبا وماهرا في العزف على آلته، ويستحق أن تعطيه كل ذهنك، وكل قلبك، وأن تبحث من خلال عزفه وموسيقاه عن نفسك، وعن كل أجزاء وعيك، وبنائك المعرفي والشعوري.
قدم (إيتواري باجاني) عرضاً رائعاً، وقد أمتع الجمهور الكبير الحاضر بعزفه المتقن على على آلة التشيللو، وعلى مدى أكثر من ساعة ونصف، قدم مجموعة من متتاليات للتشيلو المنفرد.
حيث قدَّم الآلة دون مصاحبة أي آلات أخرى، مما أظهر إمكانياتها الموسيقية الكاملة، وبراعة عزفه، ونجح بتوظيفه المتين والدقيق لمسطح ومكونات آلة التشيللو في ايقاعات، حيث تفاعل معه الحضور الكثيف بالإعجاب والتصفيق.
وكان (إيتواري باجاني) بعد كل متتالية يشكرنا بأحناء رأسه فتشتعل الصالة بالتصفيق، والحقيقة أن جمهور الحضور كان مفاجأة لي، حيث كان يعرف متى يصمت؟! ومتى يصفق؟! خاصة أن قطع الموسيقى بالتصفيق غير المنضبط طعن فيما يقدمه العازف بالخناجر، وتمزيق العزف.
لكن جمهور الحاضرين في المسرح القومي شعر أن إبداع (إيتوري باجاني) المليئ بالرقة والحنان والعاطفة والثورة، يجسد معنى الذوبان في العزف، والتلاحم معهم، وينفذ إلى روحهم، ويرفعهم إلى السماء.
وكان يتم مباشرة أمامهم، وتحت أعينهم، وإدراكهم، وإهتمامهم، لهذا صمتوا، خاصة أن إبداع العازف الإيطالي، كان يتخلق، ويتحقق، إبداعا يتدفق ساخنا وحارا ليعانق الناس، وليتداخل مع مفاهيمهم عن الموسيقى البحتة ومع إحساسهم بها، ويحيلهم ـ قولا واحدا ـ طرفا مشاركا في الإبداع.
وبعد ساعة ونصف تقريبا غادر(إيتواري باجاني) المسرح وترك فينا شحنة انفعالية عذبة، بعد أن تبادل الإبداع والمبدع المقاعد، حيث أصبح الجمهور بصمته البليغ، وتصفيقه الحار طرفا أصيلا في هذا الطقس المليئ بالإبداع.
والذي ذكرنا بمبدعين رائعين في العزف على آلة التشيللو مثل (بابلو كازالس، يو-يو ما، جاكلين دو بري، مسلاف روستروبوفيتش، ستيفن إيسرليس، مجدي بولس، عماد عاشور، يحيي مهدي، وخالد داغر).
في النهاية لابد أن نتوجه بالشكر لصاحب هذه الليلة الموسيقية الرائعة (عادل حسان) رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقي والفنون الشعبية، الذي حول المركز بعد سبات عميق لسنوات، إلى بؤرة ضوء ثقافية وفنية مشعة بالجمال والرقي، في شهور قليلة.