محمود حسونة يكتب: (نوم وشخير ونفير).. صرخة (حسين نوح) ضد الغفلة والفوضى!

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
عندما يكتب (حسين نوح) فإنه يكتب بعقل المفكر ورؤية المبدع وإحساس الفنان ولغة الأديب وتمرد الثوري الذي يرى أمامه اعوجاجاً يريد تقويمه وانفلاتاً يخشى عواقبه، وفوضى يحذر من الغرق فيها.
يرى الحاضر وقد انحرف عن المسار الذي رسمه الماضي بتراثه الأخلاقي والقيمي والمعرفي، ويدرك أن هذا الانحراف ستكون نتيجته الطبيعية في المستقبل هو الانقلاب على كل ما تركه الأسبقون، ليأتي حاملاً معه كل أدوات ومعاول الهدم لبقايا الإنسانية.
ثورة (حسين نوح) هى ثورة الباحث عن علاج لأمراض اجتماعية وقيمية استشرت في الجسد الإنساني في زمن نراه أكثر تطوراً بأدواته التقنية، ولكننا ندرك أيضاً أنه أكثر انحداراً في معاييره ويقف الإنسان فيه على شفا الانهيار.
بعد أن تصدر المشهد الإنساني والسياسي والاجتماعي من يريدون استبدال جوهر الإنسان بجوهر آخر متوحش في أنانيته ومطامعه ومنحرف في سلوكياته وناشر لكل الرزائل حوله وخالط للمفاهيم والقيم لإحداث حالة الفوضى التي نعيش في ظلها والتي تزداد حدتها يوماً بعد يوم ونلمس تغيرات جذرية فينا وحولنا من عام لآخر.
في مؤلفه الجديد (نوم وشخير ونفير)، يطلق (حسين نوح) صرخته التحذيرية من حالنا اليوم مطالباً وآملاً في صحوة تنتشلنا وتعيد إلينا إنسانيتنا الضائعة التائهة في عالم مشوش يأخذه كباره إلى المجهول الأسوأ.
(حسين نوح) كان موفقاً جداً في اختيار عنوان كتابه (نوم وشخير ونفير)، عنوان لا يعبر عن حالنا نحن فقط، ولكنه يعبر عن حال الكوكب الذي نعيش فيه، ورغم أنه تلامس مع الوضع العالمي إلا أنه ركز علينا، تعنيه مصر وشعبها من دون أن يغفل أنها جزء من هذا العالم، تتأثر به وتؤثر فيه، والأمنية أن يكون تأثيرنا أكثر من تأثرنا اقتداءً بأجدادنا الذين صنعوا أهم حضارتين صنعتهما الإنسانية.
وهما الحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية، كما أشار إلى ذلك الكتاب من خلال كلمة أديبنا العالمي (نجيب محفوظ) في الاحتفال الذي تسلم خلاله جائزة نوبل للأدب رغم عدم حضوره بنفسه.

نوم يقود إلى الهلاك
(حسين نوح) على حق، كل حريص على مستقبل البشرية ينبغي أن يشاركه صرخته وثورته، فالعالم كله نيام، ولكن نومنا يختلف عن نوم أهل الكهف، فنومة أهل الكف كانت معجزة إلهية حفظاً لإيمانهم وحماية لهم بعد فرارهم من قوم كافرين، أما نومنا فهو نوم يقود إلى الهلاك.
نيام ونحن نرى ونسمع ما يحدث حولنا بل ونشارك فيه ونتغاضى عن عواقبه، ننام وسط الشخير والفوضى والضجيج الذي يعم العالم، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفنياً وإعلامياً وطبعاً اجتماعياً، إنه نوم العاجزين المتقبلين المستسلمين، وهي حالة مرضيّة أصابت العالم، ولا نجاة منها سوى بالنفير الذي يوقظ الضمير والإرادة ويدفع الناس للمواجهة والمقاومة والتصدي.
لا ينبغي أن نترك أمريكا تدمر العالم بقوتها الباطشة كما يطالبنا (حسين نوح)، ولا ينبغي أن نترك (ترامب) يعبث بالنظام العالمي والقانون الدولي ويخطف الرؤساء ويدمر الدول ويفتت الشعوب ويصنع الفتن، ونحن له مستسلمون نمصمص الشفاه ونغرق في النوم ونرفع صوت الشخير.
ولا ينبغي أن نغض الطرف عن جرائم الإبادة التي يرتكبها العدو الصهيوني في حق الفلسطينيين العزل في غزة والضفة، وعبثه في لبنان بحراً وبراً وجواً، والتهامه آلاف الكيلومترات من أرض سوريا، وحرصه على بقاء الاقليم في حالة توتر وخوف من أن تحرق نيران الحروب الأخضر واليابس.
أشار (حسين نوح) إلى أن المنظمات والهيئات الدولية غرقت أيضاً في نوم حوّلها إلى كيانات عاجزة لا يصدر عنها سوى شخير يزعج ولا يفيد، كما أن عار (الترند الملعون) أصبح هدفاً لفاقدي الوعي المستمتعين بالشخير الذي يعلو ويرتفع في الفضاء الإلكتروني للتفاهة والهطل الذي أصاب البشر.
الأفراد غارقون في النوم والدول مهددة إن لم يكن من القوى التي تسعى لإعادة زمن الاستعمار المتحفزة لتدمير الكوكب، فمن الداخل الضال والمضلَل والتائه والفاقد للوعي، المنساق بإرادة خارجية أو التابع لصناع التطرف والعنف الحالمين بالسلطة والساعين لاختطافها باسم الدين بصرف النظر عن النتائج.

نوم العاجزين المستسلمين
السياسة والفن والإعلام والاقتصاد والتعليم وباقي مجالات الحياة نالت نصيبها من الاستغراق في نوم العاجزين المستسلمين الراضخين انحداراً وتقهقراً، والفضاء الإلكتروني امتلأ بالجهلة المتنطعين الذين يفتون فيما لا يعلمون ويفضحون من يريدون ويلبسون الباطل ثياب الحق والعكس، سعياً وراء اللايك وأملاً في ركوب التريند.
لا يختلفون في ذلك عن الإعلام الذي امتطاه وتصدر شاشاته من يجيدون التلفيق والصراخ الأجوف والجعير الذي جعل أصواتهم لا تختلف عن أنكر الأصوات، ولا يختلفون عن ساسة امتطوا العالم ويتحكمون في دوله كما لو كانت قطعاً من الشطرنج، وهو ما جعل صوت الشخير يعلو ويعلو ليحدث الفوضى والضجيج الذي يفقد البشر قدرات التمييز ويضعنا في سراديب التيه.
والتي لن نخرج منها سوى بنفير تطلقه أدوات التوجيه والتعليم وبناء الوعي وتشكيل الوجدان، المدارس والجامعات، الفنون بأشكالها المختلفة، الثقافة بفروعها المتنوعة، الإعلام الواعي المستنير وغير الموجه لتحقيق أهداف خبيثة، ومعهم الأسرة والمسجد والكنيسة.
وهو ما يعني أن الإفاقة ممكنة واستعادة الروح المفقودة والوعي الضائع ممكن ولكن بصرخات مدوّية من كل أولي الأمر مثل تلك التي أطلقها حسين نوح في “نوم وشخير ونفير).