رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة

فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة

فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة
الفيلم اختار متعمدما لعالم خالٍ تمامًا من أي بارقة أمل أخلاقية
فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة
د. إبراهيم أبو ذكري

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري

وسط هذا الزخم الكبير الذي أعيشه في كواليس صناعة الأعمال السينمائية والدراميّة والإعلامية، أبقى دائمًا شغوفًا بمشاهدة الأفلام والمسلسلات – وآخرها فيلم (السادة الأفاضل) الذي شاهدته مؤخرا على مضض – لا بصفتي أحد صُنّاعها أو لغرض النقد الأدبي أو حتي المهني، بل كمشاهد عادي يقضي جزءًا من وقته المقتطع من العمل وضغوط الحياة اليومية أمام الشاشة.

أبحث عن مساحة مؤقتة لفصل الذهن عن متاعب الواقع، ووسيلة لالتقاط أنفاسي بعيدًا عن التفكير المستمر في العمل ومسؤولياته، ولم أكن يومًا من المهتمين بالنقد الفني أو الأدبي إلا في أضيق الحدود، إذ انشغلت معظم كتاباتي بالشأن المهني والسياسي والاجتماعي، والجلوس أمام الشاشة الصغيرة بالنسبة لي أداة للراحة الذهنية لا أكثر، ونافذة للهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية القاسية في فعلها الاقتصادي.

لكنني وجدت نفسي هذه المرة مدفوعًا إلى الكتابة، وبشكل غير مخطط له، بعد مشاهدة فيلم (السادة الأفاضل).. الذي استفزني كثيرا، وقبل أن تتبدد انطباعات المشاهدة أو تُنسى تفاصيلها، آثرت أن أدوّن هذه السطور، لا كناقد محترف، بل كمشاهد أثار فيه الفيلم أسئلة وانفعالات تستحق التوقف عندها في هذه اللحظات الفاصلة من عمر بلدنا.

يقدّم فيلم (السادة الأفاضل) تجربة سينمائية صادمة بكل المقاييس، لا من حيث الجرأة فقط، بل من حيث اختياره المتعمّد لعالم خالٍ تمامًا من أي بارقة أمل أخلاقية.. منذ اللحظة الأولى، يبدو الفيلم كواجهة براقة لموقع إخباري يجذبك باسمه الرنّان، فتدخله متوقعًا محتوى راقيًا، لتفاجأ بأن كل ما فيه (شِمال)، وأن العنوان ما هو إلا مفارقة ساخرة تخفي خلفها عالمًا شديد القتامة في ظل فوضى الإعلام الحالي.

فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة
مؤلف (السادة الأفاضل) يتبنّى رؤية سوداوية في شكلها القاتم إلى أقصى حد

رؤية سوداوية في شكلها القاتم

مؤلف (السادة الأفاضل) يتبنّى رؤية سوداوية في شكلها القاتم إلى أقصى حد، إذ لا يقدّم شخصية واحدة إيجابية أو حتى متوازنة يمكن أن تمتص هذا الكم الهائل من السواد.. القرية التي تدور فيها الأحداث تتحول إلى نموذج مصغّر لعالم فاسد بالكامل، تُباع فيه القيم الأخلاقية والإنسانية بلا تردّد، ويصبح المال هو المحرّك الوحيد لكل العلاقات الاجتماعية التي تتفسخ على صخرة الواقع الأليم,

الزوج يبيع زوجته، والأب يخذل أبناءه، والأم تتخلّى عن إنسانيتها، والأصدقاء والأشقاء يتبادلون الغدر والخيانة دون أي صراع داخلي يُذكر.. حتى الأطفال، رمز البراءة المعتاد، لم يسلموا من هذه الرؤية القاتمة؛ فالطفل الوحيد الذي ظهر في فيلم (السادة الأفاضل) قُدِّم هو الآخر باعتباره مشروع فساد مبكر، وكأن المؤلف يصرّ على القول إن العطب متجذّر منذ الطفولة، وهى رؤية غريبة وصادمة إلى أقصى حد.

فيلم (السادة الأفاضل) لا يكتفي بإدانة شخصيات بعينها، بل يذهب إلى تعميم الإدانة على الجميع: لا استثناءات، لا درجات، ولا مناطق رمادية.. كل الصفات المكروهة من طمع وجشع وكذب ونفاق وخيانة وغدر تجمّعت في شريط سينمائي واحد، ثم أُطلق عليها ـ في سخرية لاذعة ـ اسم (السادة الأفاضل).. أي عبث هذا الذي يسكن سينما هذه الأيام.

فيلم (السادة الأفاضل): عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة
هل أراد المؤلف تعرية المجتمع بحدة الصدمة، أم أنه سقط في فخ التعميم المفرط

تعرية المجتمع بحدة الصدمة

هذه المفارقة في العنوان تمثل أحد أهم عناصر قوة الفيلم، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا إشكاليًا: هل أراد المؤلف تعرية المجتمع بحدة الصدمة، أم أنه سقط في فخ التعميم المفرط الذي يفقد العمل توازنه وصدقيته في معالجة سينمائية جادة.

فنيًا، قد يُحسب لفيلم (السادة الأفاضل) شجاعته في كسر التابوهات ورفضه للتجميل الزائف للواقع، لكنه على المستوى الأخلاقي يضع المشاهد في مأزق.. فغياب أي نموذج إيجابي أو حتى شخصية تقاوم الفساد، يجعل التجربة خانقة، ويدفع المتلقي إلى الشعور بأن الشر قدر مطلق لا فكاك منه.. هنا يتحول النقد الاجتماعي من أداة للتنوير إلى حالة من اليأس الكامل، في ظل حياتنا على قسوة فعلها الدرامي الرجيم.

(السادة الأفاضل)، فيلم يستحق التوقف عنده، ليس لأنه مريح أو مُرضٍ، بل لأنه مستفز ومربك.. هو عمل يقول لك بوضوح: (هذا عالمكم كما أراه)، ويتركك بعد النهاية تتساءل: هل كان الهدف فضح القبح كي نرفضه، أم تكريسه بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

وربما تكمن قيمة الفيلم الحقيقية في هذا السؤال المعلّق، لا في إجاباته القاسية، ويبقى عليك في النهاية أن تكره كافة الشخصيات الشريرة الموجودة في خضم أحداث الفيلم، حيث في غالبها ترسخ للقبح على كافة المستويات في تجلياته المرعبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.