

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
يجسد مسلسل (كابول) أبرز وربما أفضل ما تقدمه الدراما الفرنسية عن وقائع حقيقية شهدتها منطقتنا العربية، حيث تتجه غالبا لطرح مقاربة مختلفة على الاقل عما تقدمه الدراما الامريكية عن نفس القضايا.
حيث تركز بدرجة أكبر على الجانب الإنساني، وتبرز مسؤولية التدخل العسكري الغربي عن المآسي التي خلفها ورائه في العراق وأفغانستان، وهو ما برز أيضا في مسلسل (قلوب مظلمة)، الذي يرصد ما فعلته الجيوش الغربية في العراق.
ربما يكون الهدف وراء هذا النوع في الدراما الفرنسية هو التطهر من المسؤولية الأخلاقية مما فعلته القوات الغربية الغازية في تلك البلدان، وهو مفهوم يمكن الاستدلال عليه بما تضمنه كلا من (كابول)، و(قلوب مظلمة) من تلميحات تبرز إنسانية القوات الفرنسية وتعاطفها الواضح مع المكلومين في أفغانستان والعراق، مقابل وحشية ولا انسانية القوات الأمريكية.
(كابول) كما يتضح من اسمه يتعرض لواقعة محددة هى نجاح مقاتلي حركة طالبان في السيطرة على العاصمة الأفغانية (كابول) عام 2021، وإنهاء ما يقرب من 20 عاما من الاحتلال الأمريكي لها، ويصور ما ترتب على عودة طالبان للعاصمة من تداعيات.


عجرفة الأمريكان وتكبرهم
ويبرز المسلسل الذي أنتجه التلفزيون الفرنسي ولاقى عرضه الكثير من الإشادة في وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية، أن عجرفة الأمريكان وتكبرهم وسوء تقديرهم لم ينتج عنه فقط نجاح طالبان في استعادة العاصمة الأفغانية، ولكنه تسبب في معاناة عشرات آلاف الأفغان والاجانب الذين عاشوا في رعب وهم يحاولون الهرب من كابول الى خارج البلاد.
من بين أبرز الإشارات اقتصار المشاهد التي تبين الجانب الإنساني على الأوروبيين فقط دون الأمريكان، فهناك الدبلوماسي الإيطالي جيوفاني الذي يجوب المطار ويهين نفسه من أجل أن يجد أبوي طفل افغاني وجده امامه، ويصر على اصطحابه معه إلى إيطاليا حتى يجد أهله.
وهناك أيضا جيل رئيس الأمن في السفارة الفرنسية الذي يخاطر بحياته في أكثر من مرة لإنقاذ أفغان لجأوا إلى السفارة بحثا عن خروج آمن من البلاد، فضلا عن عميلة المخابرات الألمانية فيرا التي تعود من ألمانيا وتخاطر بحياتها من أجل إنقاذ الجنرال الأفغاني حسن لمجرد انه انقذ حياتها وجنود غربيين اخرين قبل سنوات.
أحداث مسلسل (كابول) تتناول عائلة بكر التي تضم زوجته زهرة وهى مدعي عام في أفغانستان تتشدد في أحكامها ضد عناصر طالبان مما يجعلها هدفا لهم فور استيلائهم على العاصمة، وابنه (فضل الجندي) السابق في الجيش الأفغاني، الذي يتعاون مع المخابرات الأمريكية كجاسوس على عين الله بخش أحد قادة تنظيم داعش في كابول، وأبنته أمينة وهي طبيبة شابة تعمل في مستشفى عام.
فور سيطرة الحركة على (كابول) يقرر بكر وزهرة اللجوء إلى السفارة الفرنسية باعتبارهما يملكان تأشيرة سارية، ويطلبان من السفير ورئيس الأمن (جيل) تدبير خروجهما الى باريس، يحاولان اقناع ولديهما لكن امينة ترفض في البداية، وفضل يقرر البقاء للنضال ضد عناصر طالبان.


الجمل الحوارية ذات المغزى
يتضمن المسلسل عشرات الجمل الحوارية ذات المغزى السياسي الواضح، مثل جملة فضل الذي يعمل مع المخابرات الأمريكية ضد طالبان وداعش، حيث يقول واصفا الأمريكان (لا احد ينقذنا وإنما يستعملوننا فقط)، وجملة أمه زهرة أن (الغرب لا ينقذ إلا من يخدمه فقط).
الإشارات السياسية لم تخل من توضيح لطبيعة الحياة البائسة التي تنتظر المهاجرين الافغان في أوروبا، وربما كان ذلك متعمدا لعدم تشجيع فكرة الهجرة سواء لدى الافغان أو راغبي الهجرة في دول العالم الثالث، فالطبيبة سوف تعمل ممرضة في مستشفى فرنسي، وأستاذ التاريخ المرموق تحول إلى نادل في مطعم ألماني.
كذلك تبرز تلميحات عن مصير من يتركون بلادهم، في تفرق أسرة بكر وزهرة وتشتت شملهم، بعدما ظهروا في الحلقة الأولى كأسرة مترابطة تتناول الطعام مع بعضها يوميا في طقس شبه مقدس، لكن بعد أن قرروا الهرب، تسافر زهرة إلى باريس بمفردها، بعد أن تسبب انفجار مطار كابول في تفريقها عن زوجها الذي أصيب وتم نقله الى مستشفى محلي.
وعندما يفيق يجد أن كل الطائرات غادرت أفغانستان ولم يبق أحد في المطار، ما يضطره للعودة وحيدا الى بيت الأسرة الذي اصبح مهجورا، وتجد أمينة فرصة للخروج من البلاد، لكن إلى ألمانيا لأنها لا تملك تأشيرة فرنسية، بينما يصطحب ضابط المخابرات الأمريكية فضل معه إلى أمريكا، وتحديدا الى فيرجينيا حيث مقر السي آي أيه.