

بقلم الكاتب الصحفي الأردني: حسام عطية
لطالما كان (المسرح الأردني)، في جوهره العميق، مساحة للوعي، ومنبرًا لطرح الأسئلة الكبرى التي تؤرق المجتمعات وتكشف تناقضاتها.. غير أنّ السؤال المشروع اليوم في الأردن ليس: ماذا يطرح المسرح؟ بل: إلى أين يقود هذا الطرح؟.
وهل ما يُقدَّم على خشبة (المسرح الأردني) ما زال فعلًا ثقافيًا تحرريًا، أم تحوّل عن قصد أو غير قصد إلى استثمار عاطفي في القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية؟
ثمة ملاحظة تتكرر بإلحاح في السنوات الأخيرة: (المسرح الأردني) يطرح أسئلة ملتهبة، لكنه يتركها معلّقة في الهواء، بلا أفق ولا إجابات، أو يقدّم لها حلولًا ضبابية أقرب إلى الاستسلام الفكري منها إلى النقد الجذري..
وفي القلب من ذلك، تُستَخدم القضية الفلسطينية، لا بوصفها مأساة تاريخية وإنسانية مفتوحة، بل كوسيلة مضمونة لاستدرار العاطفة العربية، وضمان الحضور الجماهيري، وتحقيق التكسب المادي، دون تحمّل تبعات الموقف الأخلاقي والسياسي.
المشكلة لا تكمن في تناول القضية الفلسطينية على المسرح فهي قضية مركزية لا يجوز تغييبها بل في كيفية تناولها.. فحين تتحول الخشبة إلى مساحة لتطبيع الأفكار، لا لمساءلتها، يصبح المسرح شريكًا في التزييف لا في الوعي..
بعض العروض باتت تروّج، بطرق ملتوية، لفكرة (التعايش السلمي) مع العدو، متجاهلة واقع الاحتلال، والقتل، والتهجير، وكأن المأساة الفلسطينية مجرد سوء تفاهم تاريخي قابل للحل بخطاب إنساني عام، منزوع السياق.
تُستحضر هنا أعمال مثل مسرحية (أنت منذ اليوم) التي عُرضت لاحقًا بعنوان (أنت منذ الأمس) وهى منسوبة إلى تجربة الكاتب الراحل (تيسير سبول).. العمل يطرح فكرة التعايش بوصفها مخرجًا وحيدًا، لكنه يعجز عن الإجابة عن السؤال الأخلاقي الجوهري: كيف يمكن؟


تجسيدًا لأزمة المثقف العربي
لمن قُتل أبوه وأخوه وعمه أن (يتعايش) مع قاتله؟.. أي خطاب هذا الذي يطالب الضحية بتجاوز جراحها دون عدالة، ويقدّم التعايش كبديل عن الحق؟.
ليس من العبث أن يُستدعى اسم (تيسير سبول) هنا؛ فالرجل الذي انتهى منتحرًا كان تجسيدًا لأزمة المثقف العربي حين يصل إلى طريق مسدود، حين يرى الأسئلة أكبر من قدرته على الاحتمال، ولا يجد في الواقع ولا في الخطاب الثقافي إجابة صادقة.. تحويل هذه المأساة إلى منصة للترويج لفكرة الاستسلام الناعم هو، في حد ذاته، اغتيالٌ ثانٍ للمعنى.
الأمر لا يتوقف عند عمل واحد.. فثمة عروض أخرى، مثل (سلالم يعقوب) تروّج لأطروحات (الديانة الإبراهيمية) وضرورة التطبيع والتعايش، تحت عناوين إنسانية براقة، وكأن المطلوب هو إعادة صياغة الوعي العربي ببطء، عبر المسرح، عبر الفن، (كدسّ السم في العسل).
الأخطر أن هذه الطروحات لم تعد استثناءً، بل تحوّلت إلى نمط يتبناه مخرجون كُثُر، حتى غدت قضيتهم الأولى ليست مساءلة الاحتلال، بل تهيئة الجمهور نفسيًا لقبوله.
وهنالك مسرحية (الملجأ) التي تدور حول تطورات الأوضاع الراهنة في العالم العربي، متناولًا موضوعات القصف والقتل وعمليات الإبادة، ما يجعل المشاهد يشعر وكأنه يعيّش الأحداث بشكلٍ مباشر، كما تُعرض عبر الشاشات.
ويجسد ديكور المسرحية فكرة الملجأ، حيث يتحول المسرح إلى مكان مظلم وآمن يلجأ إليه الناس بحثًا عن الأمان في ظل الحروب والقصف المستمر الذي يعصف ببعض المدن العربية.
وتسعى كل شخصية في المسرحية للتخلص من الأذهان والآلام التي عانت منها، وتحاول النهوض رغم الدمار الذي يحيط بها، سواء كان عاطفيًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا.
وتجد أيضا على خشبة (المسرح الأردني)، مسرحية (كاميرا)، من تأليف الفنان زيد خليل، وإخراج الدكتورة مجد القصص، والعمل يتناول القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى الآن.


مسرح يكتفي بإثارة الأسئلة
وتتجسد فكرة المسرحية في رصد صحفي وكاميرته لأهم الأحداث التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على مدار العقود و طيلة فترة العدوان الغاشم.
هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى ستُقدَّم هذه العروض دون رقابة فكرية حقيقية؟.. ودون مساءلة ثقافية جادة؟.. (المسرح الأردني) ليس مساحة محايدة، ولا الفن بريئًا بطبيعته.. كل عرض يحمل موقفًا، وكل نص يوجّه وعيًا..
وحين يُستخدم (المسرح الأردني) لتطبيع أفكار تتناقض مع وجدان الشارع العربي، فإن الصمت يصبح تواطؤًا.
لسنا بحاجة إلى مسرح يكتفي بإثارة الأسئلة ثم يهرب من تبعاتها، ولا إلى فنّ يتغذّى على دموع القضايا الكبرى ليضمن شباك تذاكر ممتلئًا.. نحن بحاجة إلى مسرح شجاع، واضح، لا يساوي بين الجلاد والضحية، ولا يختبئ خلف عموميات إنسانية لتبرير العجز السياسي والأخلاقي.
القضية الفلسطينية ليست مادة فنية للاستهلاك، ولا بطاقة عبور إلى المهرجانات والدعم.. إنها اختبار دائم لصدق الخطاب الثقافي.. و(المسرح الأردني) اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يختار: إما أن يكون صوتًا للوعي والمساءلة، أو أن يظل للأسف خشبة تُطرح عليها الأسئلة ويُدفن تحتها الجواب.