رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار
أهم ما في مسلسل (ميد تيرم) أنه من الشباب وإليهم، معظم صناعه من الشباب

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

(ميد تيرم)، المسلسل الذي يعرض حالياً وتجاوز عدد مشاهديه عبر الإنترنت المليار مشاهد، أثار وسيثير الكثير من الجدل حوله بعد أن خرج عن المألوف في عالم الدراما، وجاء بمثابة صرخة شبابية هزت الكبار.

إذا أردت أن تعرف حدود الثابت والمتغير في البشر، فعليك تأمل ملامح حياة أجيال مختلفة، تأمل ملامح أجداد وآباء وأبناء، جدات وأمهات وبنات، ممن يعيشون حولك، وبصرف النظر عن عمرك وإلى أي جيل تنتمي، ستلاحظ فروقاً شاسعة، فأولادنا قد يشبهوننا في الشكل وبعض السلوكيات التي تتحكم فيها الجينات الوراثية.

ولكنهم لن يشبهوننا في الاهتمامات، طريقة الكلام، أسلوب التفكير، القناعات، القيم والكثير من السلوكيات، نقاط الالتقاء موجودة ولكنها محدودة، نقاط الاختلاف والتناقض كثيرة.

ولذلك فهم (ليسوا أولادنا بل أولاد الحياة)، كما قال الشاعر اللبناني (جبران خليل جبران)، أبناء زمانهم والبيئة التي نشأوا فيها والمدارس التي تعلموا فيها والجامعات التي التحقوا بها والأدوات التي يستخدمونها في حياتهم، إنترنت وموبايل وسماوات مفتوحة وعالم حطم الحدود وتجاوز الحواجز.

والمشكلة أننا نحن الآباء نريدهم أن يحيوا حياتنا ويتصرفوا مثلنا، وأننا نريد سلخهم عن زمانهم لنعود بهم إلى الوراء ونضعهم قسراً داخل زماننا، من دون وعي بأن لذلك عواقب وخيمة علينا وعليهم وعلى مستقبلهم.

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار
المرحلة الجامعية هى مرحلة فاصلة في حياة كل شاب وفتاة مرحلة الأحلام وكذلك اللخبطات الكبرى

إحباطات شباب (جين زد)

عديد من الأعمال الدرامية قدمت نماذج للشباب وحاولت مناقشة قضاياهم، ولكن بشكل سطحي، تماست معهم ولم تتعمق في دواخلهم، وبلا مبالغات فإن مسلسل (ميد تيرم) الذي يعرض حالياً على منصة (ووتش إت) وقناة أون، هو أول عمل درامي يغوص في عالم الشباب، يناقش آلامهم وأحلامهم، ويركز على حالة التيه التي يعيشها طلاب الجامعات، خصوصاً وأن المرحلة الجامعية هى مرحلة فاصلة في حياة كل شاب وفتاة مرحلة الأحلام وكذلك اللخبطات الكبرى.

يتعاملون خلالها باعتبارهم كبروا ونضجوا ومن حقهم التخلص من التبعية لسلطة الوالدين والاستقلال في القرار، يقفون خلالها في نهاية مراحل التعلم وعلى أعتاب الحياة العملية وتحمل المسؤولية، مرحلة تمرد وتمني، ولكنه التمرد المؤلم الذي يمكن أن يقود إلى الهاوية والتمني الرومانسي الذي يمكن أن ينتهي بالهلاك.

مسلسل (ميد تيرم) تدور أحداثه حول مجموعة من طلبة إحدى الجامعات، ومن خلالهم يناقش مشاكل وإحباطات شباب (جين زد)، متعمقاً في صراعاتهم النفسية وأزماتهم الأسرية وتحدياتهم الاجتماعية، يمثلون شرائح مختلفة وينتمون إلى طبقات متفاوتة رغم أنهم يدرسون في جامعة واحدة، منهم (تيا) وتجسدها ياسمينا العبد في أول بطولة مطلقة لها.

وهى فتاة ممزقة نفسياً بسبب انفصال والدها عن والدتها، الأب تزوج من أخرى وأسقطته (تيا) من أجندة حياتها بعد كلام أمها عنه واتهامه بالتخلي عنها، وهو كلام غير صحيح تستخدمه الأم لابتزاز ابنتها عاطفياً والاستحواذ عليها حياتياً.

تفقد (تيا) الثقة في الأم والأب وتعيش الوحدة حتى تلتقي بنعومي وتجسدها (جلا هشام)، وهى أيضاً ابنة بيئة غير صحية رغم الرفاهية والوفرة الاقتصادية التي تعيش فيها، أم متسلطة عنيفة عالية الصوت تعامل ابنتها بقسوة بسبب ميلها للأب، منفصلة عن زوجها رغم عدم الطلاق.

والأب منصرف إلى نزواته النسائية ويستخدم ابنته أداة لتبرئته أمام أمها بالكذب عليها، تستر على الأب وتتعلم منه الكذب والتيه العاطفي، وكل من (تيا ونعومي) ترتبطان بصداقة مرضية وتنتميان إلى جروب يعالج نفسياً على يد طبيب عبر الإنترنت من دون الكشف عن هوياتهم.

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار
نجد أنفسنا أمام مجموعة كثيرها مشوه نفسياً واجتماعياً بسبب عجز الأهل عن فهمهم واستيعاب احتياجاتهم

الأصدقاء ضحايا تضليل بعضهم

وتتفق الفتاتان على استخدام الحيل الإلكترونية للتعرف على باقي أفراد الجروب ومعرفة كل أسرارهم واكتشاف عوراتهم الحياتية، لنجد أنفسنا أمام مجموعة كثيرها مشوه نفسياً واجتماعياً بسبب عجز الأهل عن فهمهم واستيعاب احتياجاتهم ورفض الاستماع إليهم.

منهم يونس الذي يتحمل مسؤولية أخته الصغيرة ووالدته التي طلقها والده نتيجة اعتراضها على الزواج من أخرى وطلق معها (يونس) وأخته رافضاً الإنفاق عليهما نتيجة انحيازهما للأم، رغم ثرائه الشديد مما يضطر (يونس) للعمل سائق أوبر وهو يدرس بالجامعة لتوفير نفقاته ونفقات الأم والأخت.

ولأنه يعجز عن  الوفاء بمسؤولياته يضطر لاستغلال عبقريته الإلكترونية والعمل كهاكر وارتكاب جرائم اليكترونية ويخفي عن الشلة عمله كسائق وجرائمه الاليكترونية، و(أدهم) الذي يسعى لتحقيق حلم والده القاسي ليصبح لاعب سلة مشهور ويخفي عن الجميع معاناته من والده ومعاناته من إدمان شقيقه للمخدرات وقسوة والده عليه.

و(ملك) القادمة من أمريكا والتي تربت في مجتمع حر ولكن داخل بيت غير حر مما دفعها للإدمان، وهو ما دفع والدها لإرسالها إلى مصر لتعيش مع جدتها شديدة القسوة، تهوى الغناء وتُمنع عنه وتخفي حقيقتها عن الشلة أيضاً، و(يزن) وهو الأكثر سلاماً نفسياً بينهم رغم قسوة والده ورفضه أن يمتهن الغناء الذي يحبه.

و(هَنا) التي تحس كل الوقت أنها ضحية تفضيل أهلها لأختها عليها وهو ما يخلق لديها حالة من الغيرة والنكران والجحود.

الانقلاب الدرامي الذي حدث في مسلسل (ميد تيرم) بعد الحلقة الحادية والعشرين يقلب المعادلات ويبدل الأدوار ويؤكد أن الأصدقاء كثيرا ما يقعون ضحايا تضليل بعضهم.

أهم ما في مسلسل (ميد تيرم) أنه من الشباب وإليهم، معظم صناعه من الشباب، يعون اللغة المناسبة للحديث إليهم وجذب انتباههم، اللهجة التي يتحدثون بها هي اللهجة المصرية التي تحدث بها المصريون خلال عقود بل وقرون، ولكن طريقة الإلقاء مختلفة وأيضاً تون الصوت والمصطلحات مختلفة عن مصطلحات الآباء والأجداد، طريقة التفكير غير مألوفة.

ردود الفعل لا تعبر عن سواهم من الأسبقين، المشاكل التي يناقشونها هي مشاكل هذا الجيل، تمردهم وغضبهم وفرحهم ومؤامراتهم وفضولهم وأولوياتهم موجودة في الحوار وفي ملامح الشخصيات، ولذا فقد وصلت الرسالة إليهم بسلاسة، كما وصلت إلى الأهل الذين يشاركون أبناءهم المشاهدة.

ولعلها تدفعهم لتغيير أسلوب التعامل، إنه صرخة من أبناء (جين زد) في وجه سلطة الأهل المستغلة بطريقة تورثهم العقد والأزمات والأمراض النفسية.

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار

محمود حسونة يكتب: (ميد تيرم) صرخة شباب تهز الكبار
ما يؤخذ على مسلسل (ميد تيرم) هو تحميل الأهل المسؤولية الكاملة عن أزمات الأبناء

تحميل الأهل المسؤولية

رغم ذلك، ما يؤخذ على مسلسل (ميد تيرم) هو تحميل الأهل المسؤولية الكاملة عن أزمات الأبناء وتجاهل المؤثرات الأخرى في زمن أصبحت فيه سلطة الأهل هامشية في تشكيل وجدان أبنائهم وترتيب أولوياتهم.

وأصبحت المؤثرات الخارجية هى الأكثر فاعلية في زمن يتجاوز مفهوم العولمة ويكرس قيماً لا شأن للأهل بها، الإنترنت والموبايل والمدرسة والجامعة والأصدقاء وموقع السكن أصبحوا أكثر تأثيراً من الأهل ولا ينبغي تحميلهم قدر من المسؤولية.

(ميد تيرم) هو مسلسل فاصل، فمعظم أبطاله ليسوا مشهورين، ولكنهم موهوبين يتفوقون أداءً وإحساساً عن مشاهير ونجوم، ويؤكدون أن مصر ولّادة، وأنها عامرة بالمواهب التي تحتاج إلى من يكتشفها ويضعها في المكان الصحيح مثل المخرجة المؤلفة (مريم الباجوري) التي اختارت أن تقدم هذا العمل بأسماء غير معروفة ولكنها موهوبة.

ولعله يحدث في خريطة النجومية تغييراً في المستقبل القريب، ويزيح من تصدروا المشهد، رغم خوائهم الإبداعي ليحل محلهم أبناء وبنات هذا الجيل من المواهب البكر التي تحتاج فرصاً للتعبير بل والتجويد والتطوير.

وهذا لا ينفي أن بعض الشخصيات كانت تستلزم جهداً أكبر خصوصاً في الكتابة مثل شخصية المحققة (فيدرا) في حادث محاولة انتحار نعومي والتي لا يخلو حوارها من تكرار يثير مللاً في مسلسل سريع الإيقاع مكثف الحوار باستثناء مشاهد محدودة.

الملفت أن وزارة التعليم العالي شريك مع المتحدة للخدمات الإعلامية في الإنتاج، ولعله اعتراف من المؤسسة المسؤولة عن تأهيل الشباب لحمل لواء المسؤولية بأهمية الدراما التي يتجاوز تأثيرها أي مؤثرات أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.