رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!
تعمد وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى توصيف (أرض الصومال) بوصفها (كيانًا مستقرًا نسبيًا)
إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

منذ سنوات، بدأ اسم إقليم (أرض الصومال) يظهر بوتيرة متزايدة في التغطيات والتحليلات داخل (الإعلام الإسرائيلي)، سواء في الصحف الكبرى أو مراكز الدراسات المرتبطة بالمؤسسة الإعلامية.

هذا الاهتمام لا يأتي من فراغ، بل يعكس رؤية إسرائيلية إعلامية ترى في الإقليم غير المعترف به دوليًا فرصة سياسية وأمنية واقتصادية، ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل علاقات إسرائيل في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ومن منظور إعلامي إسرائيلي، يتم تقديم هذه العلاقة المحتملة باعتبارها براغماتية، ذكية، ومستقلة عن تعقيدات العالم العربي.

تعمد وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى توصيف (أرض الصومال) بوصفها (كيانًا مستقرًا نسبيًا) مقارنة بالصومال الفيدرالي، وتبرز عناصر مثل الأمن المحلي، الانتخابات، والنظام الإداري كدليل على (جاهزية الإقليم للاعتراف الدولي)، في المقالات التحليلية يتم استخدام لغة توحي بأن الإقليم يمثل نموذجًا مختلفًا في شرق إفريقيا، نموذجًا يمكن لإسرائيل أن تتعامل معه دون أعباء سياسية أو أخلاقية كبيرة.

هذا الخطاب الإعلامي يتجنب في الغالب استخدام مصطلحات مثل (الانفصال) أو (تقويض وحدة الدول)، ويستبدلها بمفاهيم مثل (حق تقرير المصير، والواقعية السياسية)، وهو ما يعكس محاولة واعية لإعادة تأطير القضية بما يخدم السردية الإسرائيلية.

من أبرز المحاور التي تركز عليها وسائل الإعلام الإسرائيلية هو البعد الأمني، فموقع (أرض الصومال) الجغرافي، المطل على خليج عدن وقريب من باب المندب، يُقدَّم باعتباره قيمة استراتيجية عالية.. في هذا السياق، تشير تحليلات إعلامية إسرائيلية إلى أن أي وجود أو تعاون مع الإقليم يمكن أن يمنح إسرائيل قدرة أفضل على مراقبة الممرات البحرية، وموازنة نفوذ قوى إقليمية منافسة.

الصحفي الإسرائيلي، وهو يكتب من منظور أمني، لا يخفي قناعته بأن التعامل مع كيان غير عربي وغير مرتبط بالصراع العربي – الإسرائيلي التقليدي، يمنح تل أبيب هامش حركة أوسع وأقل تكلفة سياسية.

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!
تحرص وسائل الإعلام الإسرائيلية على إبراز الإمكانات الاقتصادية

الاقتصاد في التغطية الإعلامية

جانب آخر تحرص وسائل الإعلام الإسرائيلية على إبرازه هو الإمكانات الاقتصادية. يتم الحديث عن فرص في مجالات الموانئ، الزراعة، الثروة الحيوانية، وحتى التكنولوجيا الأمنية. وتُقدَّم إسرائيل في هذا الخطاب كدولة تمتلك (خبرة تقنية) يمكن أن تساعد أرض الصومال على تحقيق التنمية، في مقابل شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

هذا الطرح الإعلامي يلبس ثوب (التعاون المتبادل)، لكنه في العمق يعكس نظرة مركزية ترى في الإقليم سوقًا ناشئة ومجال نفوذ محتمل، أكثر مما تراه شريكًا متكافئًا.

من السمات اللافتة في التغطية الإسرائيلية تجاه (أرض الصومال) هو فصل القضية عن محيطها العربي. نادرًا ما تتوقف المقالات عند موقف الدول العربية أو الاتحاد الإفريقي، وغالبًا ما يتم تصوير هذه المواقف على أنها (عاطفية، أوتقليدية) في المقابل، تُقدَّم الرؤية الإسرائيلية بوصفها واقعية وحديثة، لا تعترف إلا بالحقائق على الأرض.

هذا التجاهل المتعمد للسياق العربي يعكس رؤية إعلامية ترى أن التعامل مع الأقليات أو الكيانات المنفصلة هو وسيلة فعالة لتفكيك ما تعتبره إسرائيل “كتلًا معادية متجانسة”.

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!
الخطاب يسهم في صناعته، إذ يهيئ الرأي العام الإسرائيلي لتقبل سياسات تقوم على دعم التفكك

تطبيع فكرة الكيانات المنفصلة

من خلال التكرار والتحليل المستمر، يساهم الإعلام الإسرائيلي في تطبيع فكرة التعامل مع كيانات غير معترف بها دوليًا، وتقديم ذلك كأمر طبيعي في العلاقات الدولية، ويتم استحضار تجارب سابقة، مثل علاقات إسرائيل مع أقليات أو أقاليم انفصالية في مناطق مختلفة، باعتبارها (نجاحات دبلوماسية).

هذا الخطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسهم في صناعته، إذ يهيئ الرأي العام الإسرائيلي لتقبل سياسات تقوم على دعم التفكك بدلاً من دعم الاستقرار الإقليمي الشامل.

رغم حديث الإعلام الإسرائيلي المتكرر عن الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أن هذا الخطاب يبدو انتقائيًا. فالدعم الإعلامي لـ (أرض الصومال) لا ينبع من مبدأ عام، بل من حسابات مصلحة ضيقة.

ويتجاهل هذا الإعلام أن تشجيع الانفصال في دول عربية وإفريقية قد يؤدي إلى صراعات طويلة الأمد، وعدم استقرار، ومعاناة إنسانية.. ومن منظور نقدي، يمكن القول إن الصحافة الإسرائيلية تلعب دورًا في تبرير سياسات تتناقض مع القيم التي تدّعي الدفاع عنها.

الإعلام الإسرائيلي وصحفييه وصفوا الاعتراف بـ (أرض الصومال) كخطوة جديدة في السياسة الخارجية الإسرائيلية، بدعوى إعتبارها خطوة تاريخية تفتح فرصًا للتعاون الاقتصادي والأمني بين إسرائيل وإقليم يحكم نفسه منذ أكثر من 30 عامًا، لما يمتلكه من مؤسسات مستقرة وآفاق نمو، مثل هذا الطرح يرى أن الاعتراف (يتماشى مع روح اتفاقيات أبراهام) التي تستهدف تقارب إسرائيل مع كيانات تتمتع بحكم ذاتي وإمكانيات تعاون متبادلة.

تحليلات إسرائيلية اعتبرت أن الاعتراف يعكس حسابات جيو-استراتيجية لدولة ترى في موقع (أرض الصومال) المطل على البحر الأحمر وخليج عدن نقطة مهمة لتعزيز مراقبة الممرات البحرية، وتأمين مصالحها في وجه التهديدات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات مع الحوثيين في اليمن.

هذه التحليلات تميل لوصف الاعتراف بأنه تحرك واقعي يخدم الأمن القومي الإسرائيلي ويسعى لبناء تحالفات جديدة بعيدًا عن الضغوط في الشرق الأوسط التقليدي.

كذلك وعبر منصات إلكترونية، كانت هناك تفاعلات وتعليقات من ناشطين أو متابعين في إسرائيل يرون أن قرار الاعتراف بـ (أرض الصومال) يعكس انتقادًا لما وصفوه بـ (النفاق الدولي)، وأن كيانًا كان يُنظر إليه كمنطقة مستقرة نسبيًا منذ سنوات يستحق الاعتراف أكثر من مناطق أخرى تشكل صراعات لا تنتهي.

من هذه الزوايا، يتم تقديم الاعتراف كخطوة تدعم استقلال كيان نفّذ حكمًا ذاتيًا طويل الأمد، بدلًا من التركيز على الضغوط السياسية العربية والإقليمية.

في بعض المناقشات غير الرسمية على مواقع مثل Reddit، شارك مستخدمون إسرائيليون تعليقًا إيجابيًا على الاعتراف، معتبرين أنه خطوة تبشر بفتح آفاق جديدة للتعاون مع مجتمع يرى نفسه (ديمقراطيًا ومسالمًا)، وأن رفض العالم الاعتراف لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن مبررًا.. هذه المواقف، رغم أنها ليست تمثيلاً رسميًا للميديا الإسرائيلية، تعكس روحًا من التأييد الشعبي أو التعاطف في بعض الدوائر.

إقليم (أرض الصومال).. الإعلام الإسرائيلي ولعبة الانفصال!
تعزيز التعاون مع (كيان يتمتع بمؤسسات منتخبة وأمن نسبي)

التصدي للسلوك التفكيكي

لم يأتِ كل التقدير من الإعلام فقط، بل عكست البيانات الرسمية للدولة الإسرائيلية محاولة رسم صورة إيجابية للقرار، من خلال إشارات إلى أن الاعتراف ليس استفزازيًا بل تعبير عن احترام لواقع قائم ورغبة في تعزيز التعاون مع (كيان يتمتع بمؤسسات منتخبة وأمن نسبي)، وهو ما يشير إليه الإعلام باعتباره تبريرًا رسميًا للقرار ضمن عقلية السياسة الخارجية الإسرائيلية.

في المحصلة، تكشف قراءة الرؤية الإعلامية الإسرائيلية للعلاقات مع إقليم (أرض الصومال) عن نهج واضح يقوم على دعم الكيانات المنفصلة والأقليات، ليس بدافع إنساني أو قانوني، بل كأداة سياسية لإضعاف الدول العربية ومحيطها الإقليمي. هذا السلوك، الذي يتم تلميعه صحفيًا تحت عناوين البراغماتية والتعاون، يمثل خطرًا حقيقيًا على وحدة الدول واستقرارها.

ومن هنا، تبرز ضرورة التصدي العربي الجماعي لهذا النهج الإسرائيلي، ليس فقط سياسيًا ودبلوماسيًا، بل إعلاميًا وفكريًا أيضًا، عبر كشف خلفياته وأهدافه الحقيقية. فالدفاع عن وحدة الدول العربية واحترام سيادتها يجب أن يكون خطًا أحمر، في مواجهة أي محاولات خارجية لتفكيكها تحت شعارات زائفة، مهما بدت براقة في الخطاب الإعلامي.

كما تتطلب التطورات الأخيرة تحرك صريح للإعلام المصري والعربي من خلال تبنّي خطاب حازم وواضح يرفض أي خطوة إسرائيلية للاعتراف بما يُسمّى (أرض الصومال)، انطلاقًا من الالتزام بوحدة الدول وسيادتها، واحترام قواعد القانون الدولي وقرارات الاتحاد الإفريقي التي لا تعترف إلا بدولة صومالية واحدة.

فالتعامل الإعلامي المتراخي أو المحايد مع هذه الخطوة يمنحها شرعية غير مستحقة، بينما المطلوب هو خطاب كاشف يوضح مخاطر شرعنة الانفصال وما يحمله من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.

كما تبرز الحاجة إلى أن يواجه الإعلام العربي، وبالأخص المصري، هذا التوجه الإسرائيلي بخطاب نقدي صلب يفضح أهدافه الحقيقية، ويكشف ازدواجية المعايير التي تتبناها إسرائيل حين تروّج لتقرير المصير انتقائيًا لخدمة مصالحها، بينما ترفضه حين يتعلق بالحقوق الفلسطينية.

إن تبنّي خطاب إعلامي موحد، يدافع عن الدولة الوطنية ويرفض تفكيكها تحت أي ذريعة، يشكل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي، ويؤكد أن القرن الأفريقي ليس ساحة مفتوحة لتجارب سياسية تهدد وحدة الدول ومستقبل شعوبها… وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.