رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل
كل هذا الصخب لم يكن السبب في اعتبار عام 2025 عاما استثنائيا في مشهد (الثقافة) والفن المصري

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

امتلأ العام الذى مضى بمئات الفاعليات و الأنشطة الثقافية في مصر حتى ازدحمت أجندة (الثقافة) والفن، بمحاضرات وندوات وأمسيات أكثر من عدد الرواد، و ثرت المهرجانات حتى تداخلت مواعيدها، وشاهدنا كثيرا من الأفلام، بعضها نجح دون سبب واضح وأخرى توارت برغم جودتها، ومسرحيات كثيرة أضاءت المسارح  ودور مسرحية أُزيلت تماما من الوجود.

وكارثة هدم مقابر أثرية تحت دعوى أنها غير مسجلة، إلا أن كل هذا الصخب لم يكن السبب في اعتبار عام 2025 عاما استثنائيا في مشهد (الثقافة) والفن المصري، بل جاءت أهمية العام من أنه كان عامًا كاشفًا لتحولات عميقة في علاقة الدولة والمجتمع بالفن.

وعاما للتساؤل حول (حدود الحرية)، ومعنى قيمة (الثقافة) في زمن تتجاور فيه الحضارة الممتدة لآلاف السنين مع محتوى رقمى لا يتجاوز ثوانٍ على منصات التواصل الاجتماعي.

ففي عامنا المنصرم وقعت ثلاث أحداث ثقافية هامة، لها دلالات عميقة وتطرح إشكاليات نحتاج لمناقشتها لكى ندرك الى اين نسير ونتجه؟.. تلك الأحداث هى: افتتاح المتحف المصري الكبير الذى كان حدثا تاريخيا عالميا، وقضية القبض على عدد من صانعي محتوى التيك توك وهو حدث اجتماعي – ثقافي مثير للانقسام.

ثم الحدث الثالث وهو الخلاف الواسع حول فيلم (الست) الذي يتناول سيرة أم كلثوم، لنجد أن عام 2025 يمكننا قراءته باعتباره عامًا للصدام بين رموز (الثقافة) والهوية وأسئلة الحاضر والمستقبل.

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل
تصدّرت أخبار القبض على مجموعة من صانعي محتوى (التيك توك) المشهد العام

صدام القيم في العصر الرقمي

في النصف الأول من العام، تصدّرت أخبار القبض على مجموعة من صانعي محتوى (التيك توك) المشهد العام، استخدمت في تلك الاخبار كل أنواع المشهيات من حديث عن إتجار في أعضاء بشرية، لقضايا نسب لزعماء حكموا مصر، لقضايا غسيل أموال بالملايين.

وظهرت في القضية أسماء شهيرة من سياسيين وفنانيين ولاعبى كرة أضافت مزيدا من التشويق، وكانت التهمة الرئيسية لهؤلاء التيك توكرز (انتهاك قيم الأسرة المصرية).

إن النظرة القاصرة سترى أنها فقط قضية قانونية، ولكنها في الحقيقة (أزمة ثقافية) بامتياز، فالقضية فجّرت أسئلة حساسة حول ماهية الفن؟.. هل ما يقدمه هؤلاء على الفضاء الالكترونى يمت للفن أو (الثقافة) بصلة؟

وهل الفضاء الرقمي امتداد للمجال العام أم عالم موازٍ بقواعده الخاصة لا تطبق عليه قوانين الرقابة على المصنفات؟، وما هو التعريف الدقيق لما يسمى (قيم الأسرة) التي اتهموا بانتهاكها، ومن يملك حق تحديد هذا التعريف؟

انقسم الرأي العام بحدة على الإجابات.. فريق رأى أن ما حدث دفاع عن الأخلاق والذوق العام، وفريق آخر اعتبره تضييقًا على حرية التعبير وانتقائية في تطبيق القانون.

المفارقة أن القضية كشفت فجوة هائلة بين (الثقافة) لدى النخبة والمؤسسات وثقافة الجمهور الرقمي، وبين ما يُحتفى به رسميًا في قاعات المتاحف، وما يُدان شعبيًا على شاشات الهواتف.. وهنا، بدا أن الدولة والمجتمع يقفان أمام سؤال واحد: كيف نُدير (الثقافة) في عصر لا يعترف بالحواجز التقليدية؟

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل
افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025 هو حدث (الثقافة) الأهم في السنوات الأخيرة

حين تحدثت الحضارة بصوت الدولة

جاء افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025 ليكون حدث (الثقافة) الأهم في السنوات الأخيرة، فهو لم يكن مجرد افتتاح لمتحف، بل إعلانًا سياسيًا وثقافيًا عن مكانة مصر الحضارية.

فالحدث حمل رسائل متعددة  منها: تأكيد امتلاك مصر روايتها التاريخي،. توظيف الفن والتراث في القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، وربط السياحة بـ (الثقافة) لا بالاستهلاك فقط ، كما أبرز الحدث – قبل وقوعه – مدى ارتباط المصريين بتاريخهم و فخرهم بحضارتهم.

إن الاحتفال بحجمه وتنظيمه وحضوره الدولي، أعاد الاعتبار لفكرة (الفن الرسمي) بوصفه مشروع دولة، وخلق لحظة إجماع نادرة في الداخل، حيث التقى الفخر الشعبي مع التقدير العالمي.

لكن هذا الإجماع لم يدم طويلًا، فلقد اختلف المصريون على مستوى الحفل الذى قدم في الافتتاح نتيجة لأخطاء تمت أثناء البث المباشر له، و سرعان ما ظهرت خلافات أخرى بشأن المحتوى، فبعض علماء الآثار رفضوا الربط الذى تم ذكره في العرض بين مجموعة النجوم (أوريون) و بين مواقع الأهرام، وقالوا إنها نظرية غير مثبتة علميا.

ورأى آخرين أن تصدر الرعاة للحدث تطرح سؤال حول إذا كان المال يمحو كل الآثام ؟، وبعد الاتفاق حول الحدث تفجر الخلاف بشكل حاد، ولكن سرعان ما انتقلت بؤرة الجدل إلى ساحات مختلفة تمامًا.

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل
جاء الخلاف حول فيلم (الست)، ليضيف بعدًا ثالثًا لأزمة (الثقافة) في 2025

من يملك رموز الذاكرة؟

جاء الخلاف حول فيلم (الست)، الذي يتناول سيرة أم كلثوم، ليضيف بعدًا ثالثًا لأزمة (الثقافة) في 2025، فالجدل لم يكن فنيًا فقط، بل صار سؤالا يخص الهوية المصرية، وتلخصت الازمة في الأسئلة التالية : هل يجوز إعادة تقديم رموز بحجم أم كلثوم برؤية معاصرة؟

وإذا كانت الإجابة هى (نعم) فأين تنتهي حرية الإبداع وتبدأ (قدسية الرموز؟)، وبما أن الجميع أدلى برأيه في الموضوع ثارت أسئلة أخرى: من له حق نقد الأعمال الفنية؟، وهل يجوز في الخلاف عليها أن نتهم بعضنا البعض بالعمالة؟، ومن كثرة المعترضين ظهر سؤال جديد: من يملك حق الاعتراض: (الأسرة، الجمهور، أم التاريخ؟).

في الحقيقة أن (أم كلثوم) هنا لم تكن مجرد مطربة، بل رمزًا للاستقرار واليقين في زمن متغيّر، والهجوم على الفيلم قبل عرضه، والاعتراض على الاختيارات الفنية والتمثيلية، كشف عن خوف عميق من (إعادة تفسير الذاكرة).. ولهذا بدا الخلاف حول الفيلم وكأنه دفاع عن الذات الجمعية بقدر ما هو نقد لعمل فني.

عصام السيد يكتب: حصاد 2025 في مصر: عام (الثقافة) الصاخبة بين المجد والجدل
المتحف المصري الكبير مثّل الهوية كما تريدها الدولة

عام واحد وثلاث معارك ثقافية

إن ما يجمع بين هذه الأحداث الثقافية والاجتماعية الثلاث ليس التناقض، بل الترابط، فالمتحف المصري الكبير مثّل الهوية كما تريدها الدولة، أما قضية (التيك توكرز) جسّدت الواقع الثقافي كما يعيشه الشارع الرقمي، والخلاف حول فيلم (الست) عبّر عن الذاكرة كما يخشى عليها المجتمع من التغيير!

وإذا كان افتتاح المتحف الكبير قد أعاد مصر إلى واجهة الحضارة العالمية، فإن قضيتي (التيك توكرز) وفيلم (الست) أعادتا طرح سؤال أكثر إلحاحًا: كيف نعيش حضارتنا في الحاضر دون أن نصطدم بأنفسنا؟

وهكذا، لم يكن 2025 عامًا فنيًا فقط، بل عامًا لإعادة التفاوض على معنى الفن، وحدود الحرية، ودور الدولة، ومكانة الرموز.. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من حصاد 2025: أن (الثقافة) لم تعد مجرد احتفال، بل ساحة صراع على المعنى، والهوية، والمستقبل.

ولكن يأبى العام أن ينتهى دون أن يلقى علينا بالماء الساخن في مشهد من أقسى المشاهد الاجتماعية و الأخلاقية، وهو ما حدث في حفل زفاف (كروان مشاكل) من انتهاكات، ليضعنا هذا المشهد أمام سؤال طرحه علينا منذ سنوات شاعرنا الكبير (صلاح عبد الصبور): (كيف ترعرع في وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد؟!).

ويبقى في الحصاد مشاهد أخرى..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.